فهرس الكتاب
وما إن تقترب الظهيرة حتى يخفّ نشاطه، وتفتر همته، فأنتقي له مكانًا مناسبًا للقيلولة، في ظل أشجار الجوز العالية أو المشمش. وتختار كل دابة بقعة لها، فتستلقي على مهل، وتبدأ في اجترار ما أكلته من العشب على عجل. وأختار لي مكانًا، إلى جذع شجرة أسند إليه ظهري. وأتناول من زوادتي ما وضعته أمي. ثم أستسلم إلى تأمل رائع في ما حولي، فتبدو الطبيعة لي في كل تفصيلاتها وأسرارها الغامضة، وألوانها، وروائحها، وأشكالها. وأنتشي لهذه العلاقة الحميمة السرية التي تربطني بكل عنزة من القطيع. وأُخرج، أحيانًا، من صدري العاري، إلا من قميص خفيف، جزءًا من القرآن، كنت أشتريه بخمسة قروش، وأقلب صفحاته دون أن أفقه شيئًا منها، فقد كنت أجهل القراءة والكتابة. ولكنني كنت أحسّ بالخشوع لكلام الله الذي كنت أسمعه يرتل من المذياع في الحوانيت التي أمرّ بها، وأنا خارج للحقول في الأصباح الباكرة. وأصل إلى صفحة معينة من الجزء أعرفها، وأقرأ في سري الآية الكريمة الوحيدة التي أحفظها: «هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا» . وأرددها مرات ومرات، فتأخذني ألفاظها السحرية ومعانيها الغامضة، وتحملني إلى عوالم بعيدة قبل أن يُخلق الإنسان. ويسرح خيالي في حقول من الأحاسيس والأفكار الرائعة، ولا أعود حتى يبرد الجو وقت العصر، وينشط القطيع، من جديد، لجولة ثانية بحثًا عما يأكله، قبل أن يعود، في المساءات العذبة، إلى حظيرته في الحي القديم.
وكان المطر الغزير، أحيانًا، يفاجئني، وفي لحظات معدودات يبللني من الرأس إلى القدمين، قبل أن أجد ملجأ آوي إليه. ويتفتت في صدري العاري جزء القرآن، فيداخلني إحساس بالإثم، وأدفن مِزقه المبللة في أصل شجرة تحت التراب، لأشتري، في الغد، نسخة أخرى. وأتحامل على نفسي، والماء يقطر من ثيابي، حتى المساء، لأصل إلى البيت، فأجد أسرتي تلتفّ حول كانون النار، العابق بالدخان في أغلب الأحيان، فأبدل ثيابي، أو ألتفّ ببطانية، وأصطلي بدفء النار والأمان.