فهرس الكتاب
وكان الليل يفاجئني أحيانًا، حين يطلب مني صاحب القطيع انتظاره حتى يعود، فأضطر كارهًا إلى الانتظار الصعب، حين يتأخر في عودته أو لا يعود. وأفزع إذ يفزع القطيع، فيمتنع عن الأكل، ويأخذ في التلفّت في كل الاتجاهات، قد أوحشته العتمة المريبة، التي قد تتمخض عن ذئب جائع مفترس. ولا أقوى، بعد ذلك، على ضبطه، فيستلم، على الرغم مني، طريق العودة، التي يعرفها جيدًا، فأتبعه مستسلمًا خائفًا. وتتراءى لي الأشجار أشباحًا رهيبة، أو يخيل إلي أن خلفها آلاف العيون تتربّص بي. وتبدو الآبار المشقوقة على طول الدرب التَّرِب أفواهًا أسطورية تهمّ بابتلاعي مع القطيع، ومياهها المالحة القذرة تدوّي في الأعماق السحيقة، فيسقط قلبي رعبًا. وتتبدد مني أحلام النهار، ولا تعود إليّ نفسي المطمئنة، إلا حين أدخل في أزقة الحي القديم.
ولا أدري كم دام عملي راعيًا، بصحبة قطيع الماعز، حتى التحقت متأخرًا بالمدرسة، ودخلت عالمًا جديدًا. ولكني لا أستطيع مهما مرّ من زمن، أن أنسى تلك الأيام الرائعة، ولا صور هاتيك المخلوقات الوديعة، التي مازلت أراها في القطعان العابرة، ولا لحظات التأمل الطفولي في عالم الطبيعة الواسع وأسراره العجيبة، ولا هبّات الخوف والفزع.
وأتساءل، الآن، في لهفة وشفقة: أيستطيع أولادنا الصغار، اليوم، أن يعيشوا ولو جزءًا يسيرًا من «المغامرة» التي عشناها؟!.
رسالة تأخرت أربعين عامًا
الآن، الآن فحسب، يستحيل عليّ أن أصم أذني عن نداءاتك، بعد أن بلغ الصوت منكم مشارق الأرض ومغاربها. دوّى فدخل، بلا استئذان، كل بيت. واقتحم كلّ ضمير فهزّه من غفوته. ومزقت حجارتكم حُجب الصمت واللامبالاة.