فهرس الكتاب
وحين حانت لحظة اللقاء انفصلتُ عن ذاتي وغدوت مراقبًا، ودخل شخص، خرج مني، ودخلوا في موجة بكاء لا تقاوم، هزت الأعماق، وتغلغلت في لعبة الزمن، ولا تريد أن تنحسر، وكان الذي انفصل عني يتساءل عن جدوى ذلك كله.
وحين جلست في حضرتهم، وعاد بعضي إلى بعضي، أخذت أتأمل الأطفال الثلاثة الذين كبروا، وغدوا كهولًا، فابيضّ شعر رؤوسهم، وبرزت تجاعيد وجوههم، وخشن الصوت منهم، وانبعثت من أجسادهم روائح التبغ. يا للدهشة! إنهم لم يتوقفوا، إذًا، خلال السنين الخاليات، عن النمو، فصاروا شبابًا، وتزوجوا، وأنجبوا، وكبر أولادهم، وتزوجوا، وغدا أولاد عمي أجدادًا لأحفادهم. كل ذلك في ظل الاحتلال، وفي غفلة عنا. كيف حدث ذلك؟ وأما ألمازة ذات الخمسة عشر ربيعًا، المثال الحي للجمال الذي كان يأخذ بلبي الطفولي، الثوب الفلسطيني للصبايا، الجمال القروي، العيون المكحولة، الحطة التقليدية ذات الحمرة الغامقة، والأهداب الفضية أو الذهبية تحيط بالوجه الأسمر المدور. ألمازة يا إلهي! أهي هذه العجوز التي تكاد لا تقف أو تمشي كما يقف أو يمشي البشر، والتجاعيد المتهدلة على العينين والفم والعنق، والنظرات وقد خبا بريقها، أم اثني عشر ولدًا وبنتًا، جدة خمسة وثلاثين حفيدًا وحفيدة، ومن حفيداتها من تزوجن وأنجبن.
ألمازة..! ما فعل بك الزمن؟!
وهل أنت.. أنت التي عرفتها؟ وبأي المشاعر أعانقك وتعانقينني؟.
إن عقلي لا يصدق. وحملتني أمواج عاتية إلى اللج فاختلط علي كل شيء.
في الأيام الثلاثة التي قضيناها جميعًا، نهضت فوق أحاديثنا «صفورية» القرية البعيدة، القريبة: بيوتها الطينية، أزقتها الضيقة، ساحاتها الواسعة، وشجرة التوت تظللها، حيث يصطف الرجال عصرًا وفي الليالي المقمرة، قلعتها الشامخة، روائحها. هذه القرية التي لم يبق فيها حجر على حجر؛ هدموها، طمسوا فيها القلوب والذكريات والأجداد، وتحولت إلى غابة موحشة فوق أنقاض المنازل.
نهض رجالها ونساؤها بملامحهم التي لاتغيب ، ببعض ماقالوا أوفعلوا، بمصائرهم وبمصارعهم، هنا، أو هناك، وبمن بقي منهم حيًّا يسعى.
نهضت أشجار الزيتون والرمان والتين والصبّار من حولها، تلك الأشجار التي قطعوها وأطعموها وقودًا للنيران.
نهضت حقول شقائق النعمان والنرجس والزعتر البرّي، التي استقرت في الذاكرة، وبقيت تشتعل بالألوان والروائح والطعوم، وأسعدني أن مهرجان الربيع، الذي كان، ما يزال ينتظر.