فهرس الكتاب
نهضت تلك الليلة الرمضانية التي وزّعت مصائرنا وحظوظنا، من قتل في القرية، أو على أطرافها، إثر الغارات الجويّة وهجوم الدبابات من الجهات الثلاث، ومن عاش ونجا بنفسه واستلم دروب الرحيل.
وإذا اختصرتُ، يا سادة... يا كرام، قلتُ: إن سعادتي بلقائهم كبيرة، وأنا أعانق فيهم طفلًا أثقلته ثمانية وأربعون عامًا من الأحلام والذكريات والدموع. والغريب أننا كنا نتحدث، وكأننا نتابع حديثًا بدأناه في الأمس. وكنتُ أختزن كلمات ومواقف ومشاعر أحملها إليكم وأنا في طريقي إلى موعدكم هذا.
ولكني مع ذلك كلّه، سأعترف..
لقد كان لقائي بهم، كذلك شوكة في حلقي، ومرارة في لساني؛ فهم قد جاءوا في زمن الهزائم والتراجعات، وجاءوا بجواز سفر هجين.
سأعترف، إذًا، أن هذا اللقاء كان ناقصًا، وليس هو ذلك اللقاء الذي انتظرته كل هاتيك السنين، وينتظره أولادي منذ أن أدركوا أن المخيّم مكان إقامة عابرة ليس إلا، وليس هو اللقاء الذي حلم به أبي، وحلمت به أميّ، وماتا قبل أن يتحقق لهما الحلم، وحلم به عميّ هناك وراء الحدود، عمي الذي حين بلغه خبر موت أبي، كما أخبروني، في برنامج «رسائل اللاجئين إلى ذويهم» ضرب كفًا بكفّ، وصاح: باطل! ولم يتوقف عن أغاني أيام زمان الحزينة، أغاني السفر والحج والوداع، وبقي يغنيّ، وينادي إخوته وأهله الذين اقتلعوا من أرضهم، وتفرّقوا في البلاد، حتى فاضت روحه بعد سنة واحدة من رحيل والدي.
واقترب فهد، ابن عمي الأكبر، وهو يودّعني، وقال على مسمع من الجميع: إننا مانزال نحتفظ بكلّ الوثائق بأرضنا بأسماء والدي وجميع أعمامي.
وبكينا، وتعانقنا، وشخص انفصل عني كان يراقبنا في حياد. وفجأة، كحجر قذفته يد قوية في الموج العاتي فغاب، انقضت هاتيك الأيام الثلاثة، وانغلقت على أبناء عمي القضبان الحديدية، وابتلعهم، من جديد، الصمت المدوّي. لقد خرجوا من السجن، وإلى السجن يعودون.
وهكذا، ياسادة.. يا كرام، خرجت من بيتي على موعد معكم، وأنا طفل في السادسة، فضعتُ في الطريق، عثرتُ، نهضتُ، أملت ويئست مرة، يئست مرات. وها أنذا أجيئكم.. أجيء أخيرًا،إلى موعدي، وقد أزهرت أشواك التجاعيد في وجهي،واشتعل العمر والرأس مني شيبًا، فاعذروني إن تأخرت عليكم، فأنا لم أتأخر سوى ثمانية وأربعين عامًا.. وطار الطير.. والله يمسيكم بالخير!.