فهرس الكتاب
مقبرة الأربعين (1) )
لم نكن ندري، حين كنا صغارًا، أو لم نسأل أنفسنا: لم حملت مقبرة الأربعين هذا الاسم؟ وعرفنا، حين كبرنا، أن أربعين شهيدًا يرقدون فيها رقدتهم الأخيرة.
لقد احتلت المقبرة حيزًا كبيرًا من عالما الطفولي. كانت مرتعنا في النهار؛ نمارس بين قبورها كل ما يخطر على بال الأطفال: نلعب «بالدحاحل» الصغيرة، وكانت تسحرنا ألوانها الخلابة، وفنون ألعابها. نلعب لعبة المربعات، وكنا نسميّها «الحجلة» . نلعب «طوح شبار» . نلعب «الزقطة» بمكعبات الحصى. نلعب «عسكر وحرامية» . نلعب «حَضَر» . نلعب الغميضة. نلعب جمال ياجمال. نلعب طاق...طاق ...طاقية. ونتخذ من القبور، أحيانًا، أحصنة، تحملنا إلى آفاق بعيدة. كنا نجري، نقفز، نتدحرج، نتسابق، نتصارع، نحفر أوكارًا وقنوات، نقيم مباريات كرة قدم. لا يصدّنا عن ذلك برد الشتاء ولا مطره، ولا وهج الصيف ولا غباره. ولكل فصل ألعابه المفضلة.
وكنا لا نكاد نذكر علاقة القبور بالموت، حتى يُحمل إليها نازل جديد. فنشارك، بحماسة، في طقوس الدفن. ننضم إلى الموكب المهيب. نحمل حزم الآس الخضر الطويلة. نرحل مع المؤذن الذي يقود الموكب بصوته الحنون، إلى عالم غريب. نتنشق رائحة عطر غريب حاد مُسكر. نرى حين نصل إلى المقبرة، بقلوب واجفة، الكفن الأبيض اللامع الذي يُلفّ به الميت، ينقل من التابوت الخشبي إلى القبر وسط أصوات التهليل والتكبير. نشارك في إحضار الحجارة لسدّ الثغرات التي تتركها الصخرة البيضاوية من جوانب القبر، وفي نقل الطين وإهالة التراب. وأخيرًا نجلس خاشعين مع الجالسين، على عتبة عالم مجهول، نصغي إلى الشيخ يلقن الميت ما يجب ألا ينساه إذا زاره الملكان أنكر ونكير بعد انفضاض الناس.
(1) نشرت هذه القصة في مجموعة فحيح المرايا، غير ان محمود موعد وضعها مرة أخرى ضمن هذه المجموعة.. ربما لأنها تشكل جزءًا من غبار سنيه!