فهرس الكتاب
ولكن المقبرة، ومن عجب، قد حفرت في أعماقي دروبًا من الهول والرعب حين كان يجن الليل. فإذا اضطررتُ، وقلّما أُضطر، إلى المرور من طريقها ليلًا، فقد كنت أجري كالريح، قبل الوصول إليها، لا ألوي على شيء، لا ألتفت ناحية القبور، ولا ألتقط أنفاسي حتى أكون قد دخلت في الزقاق الجانبي، وغابت القبور عني. كانت تستيقظ في كياني كل الحكايات عن عالم الجن والعفاريت والأشباح، وتصحو لديّ كل هاتيك القصص التي سمعتها عن الأموات الذين ماتوا ظلمًا، يقومون ليلًا بين القبور، يحدثون عن الظلم الذي لحق بهم، وعن الأولياء الصالحين، طوال القامة دائمًا، مكتنزي الجسم، يرتدون الأبيض من قمة الرأس إلى القدمين، يخرجون من القبور، يطوفون بينها، يسبحون بحمد الله، ثم يعودون آخر الليل إلى قبورهم الكبيرة المتميزة، التي أحيطت بجدران طينية ذات نوافذ حديدية خضر ، يرتعش فيها دائمًا نور شموع، لا يدري أحد متى وضعت، ومتى أضيئت.
كنّا قد انتقلنا إلى حيٍّ جديد مجاور حين توفي والدي. لأول مرة أعاني الموت والفقد حقًا لإنسان، كل ما فيّ مرتبط به: القرية البعيدة.. الطفولة.. الحب.. الحنان.. النجاح.. كل شيء فيه غدا جزءًا منا ومن حياتنا اليومية.. الغرفة التي كانت تضمنا معه.. رائحته.. تنفسه.. تبغه.. سعاله.. كان من الصعب التخلي عن أي شيء منه. كان فقده مفاجئًا.. ضربة قاصمة.. موجهة لي بالذات.. لا أدري لم.. ربما لأنه كان يحبني أكثر من نفسه.. كنت أشعر أني، بمعنى ما، رأس ماله الوحيد.. ربما لأنه انتظر كل أيام الغربة والفقر والشدة والمرض ، ليأكل من تعبي، بعد أن بذل كل شيء من أجل تعليمي. كان قاب قوسين أو أدنى من قطف ثمرة تضحيته. مات قبل أن أقبض قرشًا من عملي. أية حسرة حملها وحده؟.
لم أستطع أن أبكيه حين مات.. أيامًا وأيامًًا أحاول أن أقنع نفسي أن أبي قد مات، ومن حقه عليّ أن أبكيه.. لم أستطع.. تحجّر دمع عيني. وحين مرّ على موته بضعة أسابيع.. وحين أيقن كائن في داخلي أنه قد مات حقًا.. عدت إلى بكائه بدموع سخيّة سخينة.