فهرس الكتاب
أصبح والدي من نزلاء مقبرة الأربعين بعد أن أوصى أمي أن يدفن في قبر جدّي. وكنت قد دخلت مرحلة من العمر جديدة وغادرت عالم الطفولة. ولكني مع ذلك لم أتعلم المشي في الليل قرب المقبرة دون إحساس الرهبة والتحفز والخوف؛ إذ كانت تستيقظ، في نفسي، الأصداء البعيدة العميقة. وكنت أنحرف عن طريقي إلى الحي الجديد لأسلك الطريق القديم إلى المقبرة، وأعرج باحثًا بين القبور الطينية المتشابهة عن قبر والدي، لأقرأ ذاهلًا الفاتحة على روحه وروح جدّي. كنت في هذه اللحظات أقتحم عالمًا مسحورًا غريبًا لا أخرج منه حتى أستأنف طريقي، وتأخذني، من جديد، أمور الحياة اليومية المستعجلة دومًا.
غبتُ عن المدينة سنوات ثلاثًا، حملت معي فيها، إلى بلاد البرد والثلج والضباب، مدينتي: شوارعها.. حاراتها القديمة.. روائحها.. همومها.. كل ماحفرته الطفولة على جدران روحي.
وذات يوم عدت إليها، وكان لابد لي أن أعود. وقادني طريقي إلى درب مقبرة الأربعين. قلت في نفسي: لأقرأ الفاتحة على روح والدي وجدي بعد هذا الغياب الطويل. وقفت مصعوقًا خيّل إليّ في بداية الأمر أنني أخطأت الطريق. فقد ارتفع مكان المقبرة ثلاث عمارات هائلة، متماثلة، شاهقة، تناطح السماء، وتجثم ثقيلة ـ كما تخيلتُ ـ على صدور الموتى، وبينهم والدي وجدي والأربعون شهيدًا والمظلومون والأولياء الصالحون. ولما صحوت من هول المفاجأة. بسطتُ كفّي، دون أن أدري ما أفعل، وقرأت الفاتحة وانسللت هاربًا. كان عالم كامل يتهاوى في داخلي بلا رحمة.
وانقطعت هذه الأيام عن سلوك الطريق القديم إلى المقبرة؛ فمن بعيد أرى سواء أكنت ماشيًا أم راكبًا، العمارات المتماثلة، الشاهقة، الثقيلة، فأبسط كفيّ، وأقرأ الفاتحة على روح والدي وجدي والأموات جميعًا وعالم طفولتي الذي كان يوما!.
مدينة الأحلام