فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 68

من بين الأحلام الكثيرة، التي كانت تعتادني في صغري، حلم لاأنساه. كنت أرى نفسي بين مسافرين لا تنكشف لي وجوههم، على زورق كبير يتجه ليلًا في الشمال الإفريقي نحو الغرب. وتلوح من بعيد مدينة لااسم لها، لكنها المدينة التي تختصر كل المدن المغربية: الدار البيضاء، الرباط، فاس، طنجة، مراكش، المدينة المشتهاة، المدينة الأجمل، المدينة التي تتحقق فيها كل الرغبات، المدينة التي ينتهي عندها العالم، فما وراءها إلاّ محيط لاآخر له، كانوا يُطلقون عليه: بحر الظلمات. وقف عنده يومًا، عقبة بن نافع في فتوحاته، كما كان يحدثنا، بأسلوبه الطلي الشائق، أستاذ التاريخ منير الملقي رحمه الله.

المدينة مغربية ونحن نتجه إليها. وتلوح لنا تطفو على الماء والأضواء. تنعكس الأضواء التي لاندري من أين تنبعث في الماء، فيرتعش الماء. أو يكسر الماء المرتعش الأضواء، فتتوالد خطوطًا وخيوطًا ومثلثات ذات رؤوس حادة متطاولة في كل الاتجاهات.

فجأة... تتلاشى المسافة، فإذا أنا وحدي، لاأدري كيف ولاأين اختفى الآخرون في المدينة البحرية الليلية. ويسبقني قلبي، مرتعشًا، يركض في شوراعها الضيقة الملتوية النظيفة ذات الدور البيضاء الكلسية، التي تحولت بفعل الليل والأضواء والأخيلة إلى رمادية ناعسة. وكان عليّ أن أطرق كل الأبواب المغلقة، لينفتح أحدها عن الأميرة الجميلة التي تختصر كل نساء العالم، والتي اختفت ذات يوم طوعًا أو كُرهًا، واستوطنت هذه المدينة. وعلى الرغم من أنني لاأعرف الأميرة التي ابحث عنها، إلاّ أنني كنت أعلم أنها سمراء، رشيقة القدّ، بيضاوية الوجه، وطفاء العينين، مكتنزة الشفتين، يتأرجح شعرها الأسود الطويل، إذا مامشت، على ظهرها، وتتضوّع ثيابها القزحية السابغة بكل عبق البخُور. وكنتٌ على ثقة، على الرغم من أن أحد الأبواب لم ينفتح بعدُ عن الأميرة الجميلة، أنني سأعثر عليها مادمتُ قد عثرت على هذه المدينة الرائعة. وعلى هذا الأمل أصحو ومايزال قلبي يرتعش بفرح لاحدود له.

ويتكرر الحلم ليلة بعد ليلة، وماتزال المدينة المشتهاة تخفي خلف باب دار من دورها ما أبحث عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت