فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 68

وتمضي الأيام، وتقودني طريقي، مراتٍ ومرات إلى مدن المغرب الحقيقة: « الدار البيضاء» بأبنيتها الشاهقات، وشوارعها العريضة، وشاطئها البعيد مع الغروب، «الرباط» بحاراتها العتيقة ومنازلها ذات النقوش العربية الرائعة التي تتكرر بلانهاية، وأسوارها وبواباتها، «فاس» وأسواقها الشاميَّة، وروائحها في الدروب الضيّقة وجامعة القرويين العتيدة، «مراكش» الحمراء، وبيوتها القرميدية، وشوراعها الزرقاء، بزهور الجكرندا ومساجدها، وساحة «الفناء» الشاسعة فيها، «طنجة» وهي ترنو من الأزل إلى مضيق جبل طارق، حيث يلتقي البحر بالمحيط، وإلى الأضواء البعيدة المهتزة في العدوة الأخرى من الأرض، القرى الجنوبية على حدود الصحراء، بشجر صبّارها وزيتونها المسمّى (أرغان) ، وبيوتها الطينية الواطئة، التي قادتني إلى رحلة في التاريخ والجغرافية معًا، فأعادتني طفلًا على أعتاب قريتي من فلسطين، وفي أطراف دمشق الشام.

رأيت في المغرب أشياء واشياء، عرفتُ أناسًا كثيرين، تحدثت إليهم وسمعتُ إلى لهجتهم الغريبة المميّزة، أكلت طعامهم المحلّي الشهيّ، أنصتُّ إلى موسيقاهم الأصيلة وغنائهم الشجيّ، قرأت بعض شعرهم ونثرهم، اجتزت الشواطىء من الشمال إلى الجنوب، تفرجت في ساحة «الفناء» علىألعابهم، وأصغيت إلى حكاياتهم ونوادرهم.

ومن عجب فإن هذه التفصيلات التي رأيتها في الواقع، مرارًا، تضيع: تضيع المعالم والوجوه والأحاديث والأطعمة والروائح يضيع كل شيء، ولايبقى لي في المنام، حين أحلم بالمغرب، سوى الحلم القديم الذي يعتادني، بين حين وحين، حلم الزورق المتجه غربًا، بين وجوه لاأعرفها، نحو المدينة المغربية المشتهاة، الطافية على الماء والأضواء المتوالدة أطيافًا وأشكالًا لاتنتهي، وقلبي يرتعش في شوارعها الملتوية بحثًا عن الأميرة الجميلة السمراء، الهاربة أو الأسيرة، التي تختصر نساء العالم، يملؤني فرح طاغ أن أطرق بابًا فيفتح عنها وأعود من رحلتي، أو حلمي بصحبتها.

وأتساءل، بلهفة أتساءل، أيهما الحقيقة: مدن المغرب الحقيقية التي رأيتها وخبرتها أم مدينة الحلم والخيال؟ لماذا لم يتلّوّن حلمي بما رأيت وخبرتُ؟ ولماذا يبقى، على الرغم من مرور الزمن، عصيًّا على الاختراق والتغيّر؟ إنه يبقى أقوى من أيّ واقع عرفته وشاهدته وخبرته. أفي المسألة سر لاأدريه؟

ومازال يعاودني حلم الزورق، والمدينة المشتهاة، والأميرة الأسيرة ومازال قلبي يرتعش بشوق لاحدود له!.

طيف من الماضي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت