فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 68

سطّام النحس (والنحس لقبه) صاحب الشخصية الرهيبة، التي أفزعتنا ليل نهار، في النوم واليقظة، عرفناه في الخمسينيات، ونحن أطفال في المدرسة الابتدائية، في الأزقة العتيقة المتعرجة الضيقة المسكونة بالأسرار، من حي «الميدان» . وكان مجرد ذكر اسمه يجعل وجوهنا تصفر، وعيوننا تزوغ، وأرجلنا تشل عن الحركة، وقلوبنا تخفق كالعصافير التي وقعت في الشباك. كان يفاجئنا في منعطف زقاق ونحن عائدون من المدرسة، أو في حارة مسدودة نلعب، بلباسه الشعبي: السروال الأسود الواسع حتى يكاد يمس الأرض لطوله من الخلف، الضيق عند الساقين، المشدود بنطاق عريض عند الخاصرة، والقميص الذي لا نعرف له لونًا وفوقه الصّدار المخطط ذو الأزرار القماشية الكثيرة، والمفتوح دائمًا، والطاقية البيضاء المتسخة فوق الرأس الضخم الحليق، والوجه المشطب بضربات سكاكين في أكثر من موضع، والعينين اللتين تقدحان مثل الشرر، والصوت العميق ذي البحة المميزة. يقف كالمارد وسط الطريق، منفرج الساقين، ويداه تزنران وسطه، فلا نستطيع الهرب عن يمين أو يسار، فنتسمر في أماكننا، ونحن نرتجف كغصن فاجأته ريح عاصفة، ننتظر، بلا حول، ما سينطق به، أو يفعله. ويصيح بنا صيحته المشروخة المعهودة: ولاه!.. اضرب سلام انت وهو..!

فما يكون منا إلا أن نرفع أيدينا الصغيرة بالتحية، ونثبتها عند الجبين، حتى يأمرنا بالانصراف. والانصراف يعني عنده المرور من بين رجليه المنفرجتين، فيصفعنا واحدًا واحدًا، أو يشد ساقيه القويتين على رؤوسنا الصغيرة حين المرور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت