فهرس الكتاب
وقد قدر لنا أن نشهد لقاء سطّام (قبضاي حارة القاعة) مع (قبضاي حارة الساحة) وهو من بيت الشربجي. وقد ترامى إلى اسماعنا أن في عنقه قتيلين. كنا خارجين من مطعم (وكالة الغوث) حيث نتناول غداءنا بعد انتهاء دوامنا في المدرسة، في الظهيرة، ويقع بين القاعة والساحة. هناك تمامًا كان لقاء سطّام بابن الشربجي. ومن حسن حظنا أن المعركة لم تبدأ حين خرجنا من المطعم، كان مجموعة من الصبية يتحلقون حولهما، وسرعان ما يتراجعون لدى نظرة نارية من أحدهما. فانضممنا إلى الحلقة، وأقبل بعض الرجال من الحيين، ولم يشأ أحدهم التدخل لفضّ الشجار. كانا يقفان مواجهة، وقد شمر كل منهما عن ذراعيه وساقيه. وكان كل منهما يعدد محاسن حارته ومساوئ حارة الخصم. وعلى الرغم من إحساسنا بالخوف الشديد، إلا أن رغبتنا بالفرجة كانت أقوى. وعلى الرغم مما كان يفعله بنا سطّام إلا أن هوانا كان لمصلحته، فهو ابن حارتنا على كل حال، والآخر قتّال قتلى.
وفجأة وبعد الملاسنة القصيرة، سحب كل من جيب سرواله، في وقت واحد (موسى كباس بست طقات) وفتحه بحركة سريعة، فلمع النصلان في الشمس، ووضع كل منهما الموسى في فمه، وكأنهما يؤديان دورًا على المسرح. ثم خلع كل حذاءيه المكسورين من الخلف، فأصبحا حافيين. وانحنى كل في مواجهة الآخر، وأخذا يدوران في حلقة، وهما منحنيان، حتى إذا تمكن ابن الشربجي من سطّام أنشب أصابعه حول عينيه وضغطه، فاندفع الدم في وجه سطّام، وسقطت طاقيته البيضاء المتسخة. وأيقنا بهلاكه، ولكنه بحركة سريعة قبض على ابن الشربجي من وسطه وألاحه عدة مرات، فصدرت عنه (أخ) قوية، وتراخت يداه عن وجه سطّام، وتهاوى على الأرض منبطحًا وفوقه سطّام يغالب لهاثه محتفظًا بالموسى في فمه، بينما سقط موسى ابن الشربجي على الأرض. عند ذلك أمسك سطّام بالموسى من قبضته ولوّح به في وجه خصمه، وأخذنا ذعر شديد، وظننا أنه سيطعنه في صدره. ولكنه نهض من فوقه وابتعد عنه قليلًا وهو يصيح به:
ـ قوم ولاه... خذ موسك وامش، ولا تعمل من حالك قبضاي!
وفعلًا نهض ابن الشربجي واسترد موساه، وأخذ ينفض الغبار عن ثيابه، تحت تهديد موسى سطّام في يده المرفوعة. واسترد كذلك طاقيته البيضاء التي تدحرجت بعيدًا، ونفضها بقوة، وأعادها إلى رأسه، وانسحب دون أن ينظر إلى أحد، واتجه نحو مدخل حارته، واخترق سطّام الحلقة الملتفة حوله، بكبرياء، وأعاد الموسى، بعد أن طواه، إلى جيبه.