فهرس الكتاب
وظننا يومها؛ أن لا أحد في العالم يستطيع أن يغلب سطّام ، واستعدنا خوفنا منه، فتفرقنا مذعورين قبل أن ينتبه إلأى وجودنا خلفه.
ولاحقنا سطّام النحس بألوان من الرعب والخوف، وانضافت شخصيته إلى شخصيات أخرى حقيقية أو خرافية عرفناها، وارتبطت بالمشاجرات، وضرب السكاكين والعصي، ونطح الرؤوس، وبالقمار والمشروب في الأزقة أو البراري المحيطة بالحي. وصرنا نتبادل قصصه التي نسمعها ونضيف إليها قصصًا لم تحصل. وبقي سطّام جزءًا أصيلًا من الذاكرة الشقية لأيام البراءة والدهشة والفقر والأحلام. وتباعدت صورته والأيام تتقدم بنا، وننتقل إلى حيّ آخر، وغدت نوعًا من الذكرى الجميلة قد نستعيدها، حين نعود إلى تلك الفترة من حياتنا، وأغرقتنا الحياة والأولاد والمسؤوليات والهموم السياسية والثقافية والمعيشية. وغاص سطّام في شبه غياب من الحافظة المتعبة المثقلة.
ومنذ فترة قريبة، تم انتشال سطّام من شبه العدم إلى حضور مختلف. إذ فوجئت وأنا أمر من أحد شوارع المدينة الحديثة بعبارة واضحة، وبخط عريض (أفران الحاج سطّام... وأولاده) . وصدرت عني من الأعماق: يا إلهي!. وعرفت بعد السؤال أن صاحب الفرن هو سطّام ذاته، وليس ثمة تشابه في الأسماء. ولما حاولت زيارته في الفرن قال لي العمال: الحاج لا يداوم وهو في منزله. وصرت أتخيل شخصية سطّام الجديدة بعد أن كبر وتاب، وتزوج، وحج البيت الحرام، فتقفز صورة الشقي سطّام وتختلط بها، فأعجز عن تخيل هذه الصورة الجديدة. وبقيت متلهفًا إلى لقائه ولو لم يبق من عمري سوى يوم واحد.
وكنت سهران، ذات ليلة، عند قريبي وصديقي القاضي، وأوغلنا معًا في ذكريات الماضي المشتركة. وفجأة بادرني بقوله:
ـ أتعرف من حضر إلي بالأمس في المحكمة؟
ولم يمهلني، فتابع كلامه:
ـ لقد حضر عندي الابن الأكبر لسطّام... يحمل لي سلامًا من والده ويذكرني بالحارة العتيقة ويرجوني أن أساعد ولده في الدعوى التي أنظر فيها، ويدعوني لزيارته.
وسرعان ما قررنا زيارة الحاج سطّام معًا في أقرب وقت. واقترح قريبي أن يكون ذلك في اليوم الأول من عطلته القضائية.
ودخلنا معًا في المساء المحدد في حارات الميدان، وكأننا ندخل مكانًا مقدسًا، تسبح فيه أطياف الماضي وأصداؤه. وفوجئنا ، حين أطل علينا البيت، الذي نعرفه جيدًا، بأضواء باهرة، وأناس يروحون ويجيئون، وصوت مقرئ القرآن يردد: «كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فبأي آلاء ربكما تكذبان» .