فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 68

لا أريد أن أتحدث عن المشاعر الغريبة المتباينة التي انتابتنا. لقد دخلنا إلى الساحة الواسعة، ذات البحرة، التي جفت، وأشباح أشجار النارنج والليمون وبقايا شجيرة ياسمين ذابلة والجدران المتشققة. وجلسنا صامتين في السرداب المقام، نترحم على الحاج سطّام، الذي أبى إلا أن يبقي صورته (الشقية) القديمة في ذاكرتنا، فرحل قبل يوم واحد فقط من زيارتنا له!

مصائر

كانا مدرسين للغة الإنكليزية. جاءا إلى اليمن معارين من مدينة واحدة، صديقين لايفترقان، ربطتهما روح تكاد تكون روحًا واحدة، فأحدهما مقامر والآخر مغامر. يتفجران شبابًا وصحة وقوة، ويقبلان على الحياة بنهم من يفارقها غدًا، وينهلان من متعها الصغيرة والكبيرة بظمأ من لايرتوي من ظما. وعمّقت قراءتهما للكتب من رؤيتهما للعالم، فجعلت لحياتهما فلسفة نظرية كانت خلفية لحواراتهما وسلوكهما اليومي.

مازلت أذكرهما حتى الآن على الرغم من ربع قرن ويزيد يفصلني عن هاتيك الأيام: حسن المقامر، ربعة قصير، شعره مفلفل، تشع عيناه الصغيرتان حياة داخلية موّارة وراء نظرات كسلى، لامبالية، صامت في أغلب الأحيان، عابس إلاّ إذا استفزته مفارقة، فإنه يدفن رأسه في صدره ليأخذ حظه من الضحك. أما عبد الرحمن، المغامر، فطويل جسيم، شعره الأشقر خفيف يتكشف عن صلعة لامعة، يتفجّر وجهه دمًا وحيوية دافقة، يتحدث في حماسة ويضحك بصخب، ويهتز جسده كله مستجيبًا لحديثه وضحكه وسخرياته، وحين يشرب لايوقفه شيء عند حد، وكأنه ينتقم من شخص آخر في داخله، يشرب حتى تدمع عيناه، فيرق حديثه، وينساب الشعر في ثنايا كلماته.

وكنتُ على الرغم من تحفظي وخجلي معجبًا بهما، بما لديهما من جرأة على الناس، والقيود الاجتماعية، وعلى الإقبال على الحياة، وإن كنت لاأقرّهما على ذلك، ولا أجرؤ على التفكير، مجرد التفكير، في أن أحاول ما يحاولانه. وكنت حين أجلس إليهما أشعر أن شخصيات روائية عرفتها عبر قراءاتي تخرج من الكتب، وتتحرك أمامي، شخصيات من لحم ودم، تمارس حياتها، وتكتب مصائرها بنفسها.

مازلت أذكرهما وهما يتعاوران سرد قصتهما المؤثرة مع المطرب المشهور محمد عبد المطلب، هذه القصة التي حفرت في أعماقي وتركت في نفسي أثرًا لايُمحى إذ لامست، ولاأدري لماذا، شغاف قلبي، وهزّتني من الأعماق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت