فهرس الكتاب
كانت رحلتهما إلى صنعاء عن طريق القاهرة، وكان عليهما أن يقضيا فيها ليلة واحدة، ليتابعا في الغد الرحلة إلى اليمن وليلتحقا بعملهما في المساء. ارتديا أفخر مالديهما من ثياب، وفاحت منها عطور باريسية ابتاعاها من المنطقة الحرة بالمطار، وغادرا الفندق إلى هدفهما المرسوم. واستقلا سيارة أجرة إلى _ «العتبة» حيث يُحيي محمد عبد المطلب لياليه الساهرة لعشاق الطرب الأصيل. وتوجها مباشرة إلى مدير «الكازينو» وطلبا منه، بهدوء وحزم، مقابلة الفنان الكبير. فقادهما إلى غرفة أنيقة، ورجاهما أن يجلسا دقائق، فموعد حضور الأستاذ قد اقترب. ولمّا أطلّ عليهما محمد عبد المطلب مرحبًّا، قاما لعناقه فاحتضناه طويلًا، وهما يطلقان عليه عبارات: أبو الطرب، شيخ المطربين، عملاق الفن، نشوة الماضي. وحين التقط أنفاسه بعد هذه المفاجأة، التي كانت في انتظاره، سألهما عما يريدان. فنكّسا رأسيهما قليلًا وكأنهما يفكّران ثم تكلّم حسن، المقامر، بهدوئه ورزانته وجدّيته:
ـ أستاذ محمد! نحن من عشاقك في سورية. ولم نستطع أن نداري عشقنا طويلًا، فحضرنا إليك بأنفسنا. وبما أننا رجال أعمال، وليس لدينا وقت كافٍ، فقد ركبنا الطائرة من دمشق، وسنعود عليها غدًا إلى دمشق! كل مانرجوه، وماجئنا إليك خصيصًا بسببه، هو أن نسمع أغنيتك المشهورة الرائعة: «بتسأليني بحبك ليه» ، ونرجو ألاّ تخّيب رجاءنا! .
وتهلل وجه المطرب الكبير، ولم يشكّ لحظة واحدة في صدقهما، وأخذ يردد:
ـ من عينيّ الاثنتين، يامرحب.. أهلًا وسهلًا من عينيّ
وحين اعتلى منصة الغناء، ارتجف صوته تأثرًا، وامتنانًا وهو يرحب أمام الجمهور، بالقادمين الضيوف من الشام الحبيبة، الذين حضروا قاصدين سماعه، على الرغم من مشاغلهم وضيق أوقاتهم. ووعد أنه سيلبيّ لهم الرغبة التي جاؤوا من أجلها.
وغنّى محمد عبد المطلب لهما وللجمهور أغنيته الذائعة الصيت «بتسأليني بحبك ليه» . غنّاها بأشواقه وذكرياته وأمجاده التي أطلقها هذان المغامران العابثان، غنّاها «متسلطنًا» متربعاَ، تلك الليلة التي لاتنسى، واستشرف آفاقًا لاحدود لها، وغدا روحًا هائمة تسمو على الإنس في ملكوت الإبداع، غنى فأطال، وردّد، وأعاد، وأطرب، وأهاج في النفوس الأشواق والآهات والتنهدات وصرخات الإعجاب والاستحسان. واختصر عمره وفنّه وخياله وأحلامه في ليلة واحدة امتدت.. وطالت حتى قصرت وانفضت في لحظات من الزمن الذي لايعود.