فهرس الكتاب
هل أحسّ حسن وعبد الرحمن، تلك الليلة، بنجاح مغامرتهما؟ هل أشفقا على هذا الفنان والإنسان الطيب؟ هل ساورهما الإحساس بالخديعة فندما على فعلتهما؟ لاأدري تمامًا. فهما لم يفصحا في روايتهما القصة عن ذلك، ولم أشأ أن أصل منهما إلى جواب ولعل ماعصر قلبي آنئذ هو هذا الوهم الكبير الذي أطلق الرجل من عقاله فأبدع.
كل ما فعلاه في اليوم التالي أنهما ركبا الطائرة وتابعا رحلتهما إلى صنعاء اليمن، وليس إلى دمشق الشام كما زعما.
وعادت بي الذكرى إلى ليلة جزائرية في أعقاب الاستقلال، وكنت مع زملاء لي نعمل في تعليم اللغة العربية في المدارس الابتدائية. كنا تلك الليلة على موعد مع محمد عبد المطلب وفنانين آخرين جاءوا من القاهرة لإحياء ليلة فنية، بينهم فريد شوقي وإسماعيل ياسين وشريفة فاضل ومحمد قنديل كما أذكر.
وكنت أمني نفسي تلك الليلة بأغنية «أجمل من الذكرى في الدنيا إيه تاني» التي كنا نرددها في رحلاتنا حين كنا صغارًا في المدرسة الثانوية، حول النار في الليالي الطويلة أمام الخيمة وفي أماكن كثيرة.
وحين جاء دور محمد عبد المطلب، قدّمه عريف الحفل، وبدأت الموسيقى تعزف إحدى أغنياته، وفجأة طلع على الجمهور في الساحة الواسعة بقامته الطويلة، بكامل أناقته، وأخذ، من منتصف المسرح، يتأمل الجمهور الذي استقبله بفتور إلى حد ما. وبقي لحظات ينقل نظراته بين الصفوف. ويبدو أنه لم ير لدى الناس الاستعداد الذي ألفه لسماع لونه الخاص في الغناء، فأعطى إشارة من يده فبدأ صوت الموسيقى يتراخى شيئًا فشيئًا حتى توقف تمامًا، عندها أدار محمد عبد المطلب ظهره للجمهور، ومضى بخطوات ثابتة وراء الكواليس، وغاب عن عينيّ إلى الأبد.
التقيت (حسن) من عشر سنوات تقريبًا في شارع الحمراء بدمشق، عرفته من بعيد. كان يمشي، وكأنه يفتش، بين قدميه، عن شيء فقده. استوقفته، وعانقته، وذكرته بأيام اليمن البعيدة القريبة. سألته عن أحواله وأحوال عبد الرحمن. فهز رأسه أسفًا، وفاجأني بصوت أبحّ:
ـ عبد الرحمن مات! أصيب كبده. سافر إلى كل مكان ليجد علاجًا، فما نفعه شيء.. مات!