فهرس الكتاب
وتهاوى في خيالي جبل أشم إذ دك دكة واحدة! وعلى استحياء عرفت منه أنه حصل على إجازة بلا راتب لمدة سنة ليطوف على بيوت القمار السرية في مدينته؛ فحظه مقبل هذه الأيام. وزهد في دعوتي له. وغاب في الزحام كما ظهر. ولا أدري ما المصير الذي لاقاه أو يلاقيه اليوم، بعد أن ابيض شعره، وتهدّلت ملامحه، وتساقط معظم أسنانه.
ولم يطل الأمر بمحمد عبد المطلب، بعد تلك الليلة الاستثنائية، فودع هذا العالم، ليطوله النسيان الذي يطول كل شيء! وأضحت أيام الجزائر واليمن بعيدة لا تطولها إلا الظنون!
درس الخامسة من يوم الخميس
الخامسة تمامًا، وأنا أجري في ممرات (المترو) بمحطة ( سانسييه) واقفز لاهثًا الدرجات الباقية، وأخرج من جهة مقهى ( ميرابل) ، وأحثّ الخطا في درب الجامعة. لم أكن أدري أن الطريق ستستغرق كل هذا الوقت. لقد تأخرت ولابد أن أستاذتنا الدقيقة في ميعاد دخولها إلى الفصل، أخذت موضعها خلف الطاولة تنتظر، وأمامها، على شكل حلقة واسعة، ستون طالبًا وطالبة تقريبًا من أنحاء العالم كله ينتظرون معها، طلاب من فرنسا وأمريكا اللاتينية وكندا وأفريقيا واليمن وتونس وفيتنام وإيران. سينتظرون خمس دقائق ثم يتجاوزونني ويبدؤون عرض موضوع «العنصرية» حسب المخطط المرسوم. وسيتناول كل واحد من الفريق الذي اختار هذا الموضوع عنصرًا يتحدث عنه. حين سألوني عما أختار لم أتردد. قلت لهم: سأكون أنا الحالة التي تمثل الضحية للعنصرية، وتحت إلحاح نظراتهم المتسائلة قلت: نعم، فأنا عربي.. فلسطيني.. اسمر.. لم أتقن اللغة الفرنسية، ولم تتحدد الجنسية على بطاقة إقامتي بعد.
قالوا:
-إذًا ستكون أول المتحدثين
رأيت على باب مقهى (كاروس) فهد السعودي النحيف الوسيم الأنيق كعادته. وكان يعمل مراسلًا لمجلة (اليمامة السعودية) يقف وكأنه ينتظر أحدًا على قلق، فسلمت عليه من بعيد. ولمحت من وراء الزجاج عبد الرحمن، الذي يقوم بإعداد معجم اللغة الكردية، يجالس فتاة فرنسية، وهو ماض في حديثه وهي تصغي.
وبخطوات سريعة اجتزت ساحة الجامعة وصعدت الدرجات اثنتين اثنتين حتى وصلت إلى الطابق الثاني، وهرعت في الممر الطويل المعتم، إلى القاعة (69) . وبهدوء شديد فتحت الباب يداخلني إحساس بالخجل والحرج فتوجهت إليّ الأنظار وانفرج ثغر استاذتنا الشقراء المهيبة عن ابتسامة ساخرة وهي تقول:
-وأخيرًا.. وصل! هيا لنبدأ