فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 68

ومع أنني قرأت النص، الذي كتبته وصححته لي الصديقة (مارتين) عشرات المرات حتى لاأخطىء، فقد ارتجفت في البداية، في الأسطر الأولى، وتهدج صوتي. وحين استغرقتني الحالة التي حاولت أن أعبر عنها، تجاوزت نفسي، وأنا أحس بالعيون الكثيرة المحدقة بي تتحول من الفضول إلى الدهشة والترقب، وكان صوتي المنفعل بما يقرأ، وحده، الذي يهز الصمت المهيب الذي لفّ قاعة الدرس فجأة بعد الأسطر الأولى.

«أود أن أقول لكم، في البدء، ياأصدقائي: إنني لا أعاني الوحدة والعزلة بالمعنى الذي قد تفهمونه، فلي في هذا البلد أصدقاء أكثر مما يحتاج طالبٌ يريد أن يكتب بحثه الجامعي، ويعمل في صمت. ولاترهقني مشكلة مادّية كآلاف الطلاب هاهنا، فقلمي صديق وفيّ، وبفضله أجد في باريس مكانًا آوي إليه، وأعثر في غرفتي حين أعود في الليل، على شيء من الخبز والجبن يسدّ جوعي حتى يوم آخر. وليس بي وجع عاطفي تحمله المرأة إلى قلبي الذي يسكن صدري، فقلبي قد شاخ وعمّر مئات السنين، ولابدّ أن الصدأ قد تراكم عليه إلى حد مخيف. ولاتثقلني وحشة البعد عن وطني، منذ أن أصبح وطني مرتعًا للغرباء القادمين من كلّ فجاج الأرض، منذ أن أجبرنا، هربًا من جحيم الحديد والنار، على الرحيل إلى المنفى، فأصبح كل مكان لي، غير فلسطين، منفى. وقد ألفت الوقوف على عتبة الحلم، إذا ماجنّ الليل، لأتجول في ربوع قريتي التي كبرت معي في المنافي، وبقيتُ طفلًا على أعتابها.

مااكتبه بعيد إذا أن يكون أمرًا شخصيًا عابرًا إنما هو تعبير عمّا يحسّه إنسان لم يستطع أن يقاوم أحاسيسه أن تعبر عن نفسها. ماأكتبه بعيد أن يكون، كذلك، بحثًا موضوعيًا، يضاف إلى آلاف المقالات والكتب التي عالجت بعقل بارد، موضوع «العنصرية» . مثل هذا كثير تجدونه في المكتبات معروضًا للراغبين وبمبلغ زهيد يمكن أن تعودوا بمعلومات وفيرة عن هذا الموضوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت