فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 68

لم نأت هنا لنتعلم، فمجال هذا بقية الدروس والمحاضرات. نحن هنا لنتواصل، ولقاؤنا، الذي يتجدّد كلّ أسبوع، فرصة تواصل إنساني على مستوى اللغة المكتوبة والمحكيّة بين إنسان وإنسان، لاكلمات عن إنسان من حبر وورق. هذا هو اللون من التواصل الذي يهمنا: هذا الإنسان أمامي بشكله ولونه وعوالمه وهمومه الساخنة وليس الإنسان المجرد، أي إنسان إنها فرصة لتتعرفوا إليه عن قرب، وتفهموه وتتعمقوا ظروفه، وتطرحوا عليه ماشئتم من اسئلة، فتتجولوا في رأسه، وتكونوا نبضة في دم قلبه، فربّما لايجمعكم به دربكم مرّة أخرى وإلى الأبد.

ربما كان دافعي إلى الكتابة ماكان من أصدقائي، الذين قرّروا أخيرًا أن يلجؤوا إلى أحد المعاجم، يستشيرونه لتحديد معنى «العنصرية» كحقيقة موضوعية باردة، قابلة للقبض عليها. أمّا أنا فلا أستطيع، آسفًا، أن أوافقهم على رأيهم هذا، أو أحذو حذوهم. فأنا لستُ في حاجة إلى تعبيرات ميّتّة، دفنت في بطون المعاجم، مادمتُ أعيش هذا «المعنى» في حياتي اليومية. أراه بعينيّ هاتين. اقرؤه على الوجوه. أسمعه عبر تموجات الصوت. أواجهه مع قهوة الصباح على بطاقة إقامتي «الجنسية: غير محددة» ، ألقاه كلما وجدتُ نفسي ألهثُ في الممرات الطويلة، المعتمة، الموحشة، أطرق الأبواب العالية، الموصدة، أطلب إليهم تأشيرة خروج. نلتقي معًا في السفارات الفخمة، في الأحياء الراقية هنا وهناك، على الوجوه المتوردّة صحّة ورضًا وراحة أعصاب، حين أقبل عليهم متوسلًا تأشيرة دخول إلى بلادهم الهادئة العامرة، التي يمكن أن يعكر صفوها، أو يقلبها خرابًا دخولي إليها! أحسه في دمي يجري في العروق، وأنا أحترق أيامًا، شهورًا في انتظار جوابهم يأمرني: تفضّل بالدخول! أو يُقفل الباب في وجهي صارخًا: قفْ مكانك! أراه، ألمسه، أشمّه، أسمعه، حين أطلب فنجان القهوة، أوجريدة الصباح، أو رغيف الخبز. أحسّه حذرًا، شكًا، اتهامًا، عبر النظرات والكلمات، والحركات، عبر ما يُقال ومالايقال، يرفضني، يدفعني بعيدًا، يعدّ وجودي غير مرغوب فيه، تطفّلًا، جريمة ارتكبتها الطبيعة على عمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت