فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 68

اسمي الوحيد الذي يرنّ، بلا انقطاع في المحطات والمطارات والحدود، فأستدعى إلى السؤال والجواب. وبصمات أصابعي تمثل أمام لجان متخصصة، وجواز سفري يُنادى عليه، لتستعرضه العقول الإلكترونية، لعلّ شبهة ماتعلن عن نفسها، وحقائبي تقاد إلى التفتيش والتدقيق مع أنها لاتحتوي، واأسفاه، إلاّ على الكلمات. ولطالما تمنيت أن تستحيل إلى صواعق تكفيني الجواب عن كلّ الأسئلة.

اعذروني ياأصدقائي! فربما لم تواجهوا وحشية العيون. العيون التي تفحصك من كل جانب، تخترقك، تعريك بلا رحمة، تمزّقك، تدفعك، تعيدك إلى التراب الذي منه خرجت، تحرقك بأسئلتها: من أنت؟ ولماذا جئت؟ وكيف؟ وإلى متى؟ وإلى أين؟ وأنت حائر، يسكنك رعب صلد، لاتعرف أن تجيب، أو لايتركون لك الفرصة لتجيب، لأنهم لايسمعون، وإن سمعوا لم يفهموا، وإن فهموا لم يغفروا، وإن غفروا لم يرحموا، وإن رحموا تركوك في شأنك ومضوا إلى شؤونهم، فأمامهم «مشوار» طويل، وقضايا أهمّ منك ومن وجودك كلّه، فانصرف بسلام، أو بغير سلام فانصرف!

لايا أصدقائي! لاتذهبوا إلى معجم «روبير» ولاإلى «لاروس» ولاإلى الموسوعة البريطانية! تعالوا إليّ!»

وعلى غير انتظار انفجر الصمت بعد صمتي، بالتصفيق وبأصوات متباعدة: برافو..برافو

واحتاج الأمر إلى دقائق لألتقط أنفاسي، وأعود إلى مكاني، ويعود الهدوء إلى القاعة، ويعود الطلاب إلى مألوف سلوكهم بعد أن هزّهم صوت الصدق في صوتي وكلماتي، فقليل ما يخرجهم عن مألوفهم، كنت أعلم أنهم لم يصفقوا لي ولم يعجبوا بي بقدر ما صفقوا وأعجبوا بهذه الحالة الفريدة التي يعيشها الفلسطيني في العالم.

وجاءت إلى المنصة، من بعدي، الشابة التونسية الصغيرة (نزار) , جاءت على ريث وتردد. كان عليها أن تتحدث عن معنى (العنصرية) في المعاجم. كان موقفها صعبًا بعد كلامي. أشفقت عليها، أشفقت على رقتها، وتمنيت أن تعفيها الأستاذة من هذه المهمة الصعبة. حاولت نزار أن تتكلم فلم يخرج صوتها. ولعلها أدركت تفاهة ماستقول. وبقيت تحدق في الفراغ ولايجرؤ صوتها على الانطلاق ووجدت الأستاذة في صمتها دافعًا لتعلق ضاحكة:

ـ ليس كل إنسان قادرًا أن يكتب الشعر!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت