فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 68

-هذه بعض وجوه باريس الرائعة، وعليك أن تكتشف الوجوه الأخرى التي لاتسرّ، وخاصة الوحدة للمسنين في الطوابق العليا ولبعض الناس حتى الشباب منهم، الذين يتحدثون إلى أنفسهم وهم محاطون بالناس.

وتعانقنا، ونزل كل منا في اتجاه: هو نحو الشمال، وأنا نحو الجنوب، وكانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل.

وعند المدخل المباشر إلى الرصيف، حيث يتوقف «المترو» التقيت إفريقيًا أسود يخرج، وهو يلتفت وراءه، وسرعان ماأدركتُ أنه قد فرَّ من شتائم مقذعة يطلقها شبان مراهقون يقفون على الرصيف المقابل، ستة أو سبعة شبان طوال القامة، حليقو شعر الرأس، رياضيو الأجسام، سمعتُ أن أمثالهم ينتمون إلى تيار يميني عنصري متطرف، لكنهم ــ بحمد الله ــ قلة قليلة. واستطاع الافريقي أن ينجو بذكاء من مرمى كلامهم وشتائمهم، ووقعتُ أنا. فحين دخلتُ، كان الرصيف خاليًا إلا من فتاة شابّة فرنسية متعبة، غارقة في تأملاتها، تجلس على أحد المقاعد الفارغة، وجلستُ إلى مقعد مجاور قريب منها.

ورايتُ صديقي علي يصل أيضًا إلى رصيفه، ولكن شكله وملامحه لم تثر هؤلاء الشبان، فهو قريب إلى شكل الفرنسيين وملامحهم، فلم يأبهوا به. وانصبّت شتائهم المقذعة عليّ أنا، على الرصيف المقابل:

ـ وأنت أسود، حشرة حقيرة، إرجع من حيث أتيت، لانريدكم بيننا،... أمك...

أحسست فجأة أنني وقعتُ، دون أن أدري، في الشرك، وصعب عليّ الهروب أمام عيني صديقي الذي لم يكن يفقه مايقولون، ولا إلى من يتوجهون بكلامهم، على الرصيف المواجه، وأمام عيني الفرنسية الشابة التي أخذت، من بعيد، تحدثني، حتى لاأسمع مايقولون. وكانت تنصحني بألا ارد عليهم. ووضعتُ رأسي بين يديّ، وأخذتُ أحدّق فيهم، دون أن تصدر عني كلمة واحدة، ورحتُ افكر بهذه المصادفة التي وضعتني في هذا الموقف الصعب، في هذه الليلة الأخيرة، إذ مرّت إقامتي ودراستي بسلام، وهاأنذا أواجه هذا المصير بهدوء أعصاب، لاأدري من أين أتاني. ودخل إلى الرصيف رجل جزائري تجاوز قليلًا مرحلة الشباب، قصير القامة، مربوع الجسم، قلت له حين مرّ من أمامي بالعربية:

أرجوك.. لاتردّ عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت