فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 68

وجلس على المقعد المجاور لي. وبقيتُ أنا أحدق فيهم بدهشة. ولما يئسوا من ردّ فعلي، انتقلوا إلى الجزائري، وصبوا عليه شظايا شتائمهم. فلّما طال عليه الأمر تلفظ بكلمة واحدة، كلمة لاغير: شكرًا..! قالها بالفرنسية وكأن القيامة قامت بهذه الكلمة، وكأنهم ينتظرونها، فقفزوا نازلين واحدًا واحدًا على سكة الحديد، التي كنت أعتقد أنها مكهربة، وأقبلوا نحونا، قاصدين هذا الرجل الجزائري. وتمنيتُ في هذه اللحظة أن يقبل القطار الذي تأخر من هذا الاتجاه أو من الاتجاه الآخر ليفسد عليهم أمرهم. ونهض الجزائري، وأخرج من جيبه بسرعة سكينًا صغيرًا جدًا، ولم أتحرك أنا من مكاني، ولم أغير جلستي، ورأيت صديقي علي ذاهلًا، على الرصيف المقابل بما يرى. وقلتُ في نفسي: إنه سيدافع عن نفسه، على الأقل، بهذا السكين الصغير! وهو خير من لاشيء، وعليّ ألا أتدخل حتى لاأعطيهم مسوغًا لسحقنا معًا. وانتبهتُ للأحذية المطاطية الرياضية التي ينتعلونها. ورأيت زعيمهم الأطول والأقوى يسبقهم. وقبل أن يصعد إلى الرصيف شبّ شبة قوية، وتناول عنق الجزائري ورماه أرضًا، ولم ينفعه السكين الصغير، ثم صعد وأخذ يدوسه، بقوة يدوس ظهره، بطنه، رأسه. ولم أتحرك من مكاني، ورأيت الشابة الفرنسية وهي تقترب من العملاق، وتشده من كتفه وترجوه أن يكفّ عن ضرب الرجل، فدفعها بيده دون أن يلتفت إليها فسقطت على الأرض. وكان أصحابه قد قفزوا من الأسفل إلى الرصيف وتجمعوا حول الضحيّة، وزعيمهم يمعن في ضربه. ولما أيقنوا أنه أدّبه، ولم يتدخل أحد، سحبوا الضارب بعيدًا عن ضحيته، وقفزوا عائدين من حيث أتوا، تاركين ضحيتهم مكومًا على الرصيف، مدمىً في أكثر من موضع. عند ذاك تحركتُ من مكاني، واقتربتُ أنا والفتاة الفرنسية من الرجل، ورفعناه وقدناه بصعوبة نحو الخارج، ولم انتبه إلى صديقي علي، ونحن نغادر الرصيف، لنخرج إلى البرد الشديد الذي لايقاوم. وطلبتُ أنا والفتاة من الجزائري أن نأخذه إلى المستشفى لإسعافه، ولكنه رفض بشدة، فعرفنا أنه لايملك إقامة نظامية، فأوقفنا له «تاكسي» يحمله إلى حيث يعالج جروحه بنفسه. وعدنا، من جديد، نتتظر (المترو) وكان الرصيف المقابل خاليًا.

وتلك ليلة لم أنسها، كان الاحساس بالذل والخجل والقهر يتآكلني حتى الصباح، وكنت افكر بصديقي علي الذي رأى في يومه الأول وجوهًا مختلفة من باريس، وتنتظره وجوه سيكتشفها شيئًا فشيئًا.

الفهرس

سخريات الظلال…

سخريات صغيرة…

الاختبار…

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت