فهرس الكتاب
فإذا ترك هذا الأصل بسبب عصيان بعض الرعية من النواب أو غيرهم لسلطان المسلمين، ولم يقدر السلطان والموالون له على القضاء على تمرد الأمير أو الأمراء الذين خرجوا عن طاعته في بعض الأقطار الإسلامية، واستقلوا بالحكم فيها بشوكة ومنعة، وأقاموا شريعة الله تعالى، ومنها الحدود، فإن الواجب على أهل كل قطر أن يطيعوا أمير ذلك القطر، ويتعاونوا معه على تنفيذ شريعة الله، وأن لا يعصوه في معروف، لأنه أصبح هو سلطانهم، لعدم استطاعتهم السمع والطاعة للسلطان العام، وامتناعهم عن طاعته في المعروف بحجة أنه ليس بسلطان هو تعطيل لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فالواجب على الأمير الذي خرج عن طاعة السلطان أمران:
الأمر الأول: التوبة إلى الله والعودة إلى طاعة السلطان.
الأمر الثاني: إقامة شريعة الله في القطر الذي له عليه ولاية، فإذا عصى في الأمر الأول، وأطاع الله في الأمر الثاني، فإن الواجب على الرعية أن يطيعوه فيما أطاع الله فيه ويكرهوا ما عصى الله فيه، وإذا قدروا أن يأمروه بالمعروف فلهم ذلك، بل يجب عليهم إذا لم يكن في أمرهم له مفسدة أعظم من عصيانه للسلطان العام.
ومن الأدلة على وجوب طاعة الرعية لهؤلاء الأمراء في المعروف قوله تعالى:
(( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ) [النساء: 59] .
وهؤلاء الأمراء أصبحوا بحكم الضرورة، هم ولاة أمور تلك الأقطار، ومن ذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف بريء، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع) قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: (لا ما صلوا) [مسلم (3/1480) ] .