فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 80

قلت: وهذا الحكم ينطبق من باب أولى، على ما إذا لم يكن للأمة سلطان واحد أصلًا، وتأمر على كل قطر من أقطارهم أمير، فإنه يجب عليهم طاعته في طاعة الله تعالى، ومن ذلك إقامة الحدود، ولا يجوز لهم الخروج عليه إلا إذا أتى كفرًا بواحًا فيه من الله برهان، كأن يجوز الحكم بغير ما أنزل الله ويحارب حكم الله.

وإذا حكم فيهم بشرع الله فأبوا بحجة أنه ليس بسلطان، فهم كالإمامية الذين قال فيهم ابن حزم رحمه الله:"فإنهم يدَّعون إمامًا لم يخلق كعنقاء مغرب". [الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/114) ] .

ثانيًا: تقصير السلطان في إقامة الحدود:

سبق في أول هذا الكتاب أن شرع الله واجب التنفيذ، والنصوص الدالة على وجوب إقامة الحدود، والآثار المترتبة على إقامتها، والمفاسد المترتبة على عدم إقامتها، وقد أشار بعض علماء المذهب الحنفي إلى الهدف العام من تشريع الحدود، فقال:"لأن الحدود حق الله تعالى، لأن القصد منها إخلاء العالم عن الفساد" [الهداية بشرح البناية (5/373) ] .

فإذا أهمل من تولى أمر المسلمين إقامة الحدود، فقد أذن بذلك للفساد أن يتمكن في الأرض، أو في العالم، فما موقف المسلمين عندئذ، وبخاصة علماءهم وذوي الرأي منهم؟

إنه لا يخلو الحاكم من حالات ثلاث:

الحالة الأولى: أن يجتمع أهل الحل والعقد لمناصحته، فيستجيب لنصحهم وينفذ شرع الله تعالى، ومنه الحدود، فما عليه عندئذ من سبيل، بل يجب أن يعان على ذلك من قبل الأمة.

الحالة الثانية: أن يرفض إقامة الحدود بنفسه، مقيمًا بعض الأعذار على سبب رفضه، مع إظهاره الإيمان بشريعة الله وأنها حق، ويأذن لعلماء قطره وذوي الرأي منهم أن يقوموا بها حسبة، ولا يعارضهم بل يأمر أتباعه بعدم التعرض لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت