... إذ أن تعلم المبتدئ جملة من العلوم التي لا يعمل بها ، ولا يستفاد منها ، تجعل منه شخصًا نظريا، فتؤدي الظاهرة عند توسعها إلى عيب كبير في صفوف الدعاة، إذ يتحول الداعية عندئذ إلى أشبه بباحث نظري يبحث في الكتب وحسب ، فيفلسف الأحداث دون استيعاب ، وبالتالي يحصل الفتور في العمل والضعف في الإيمان ، وتصبح بضاعته مجموعة من الأحاديث النظرية والمجادلات، وتكون متعته في المباحث النظرية والمطالعة المجردة ، دون تحمل عبْ المشاكل، ومشقة المخالطة ، ولو ظل على هذا لهان الأمر ، بل قد يتحول الداعية - كما تشهد التجارب - إلى كاتب يبرر الانحراف ، ويفلسف الأخطاء، ويدافع عن الفتن، وينقد العمل الجاد، بل وقد يكبر الأمر الصغير ويهون الشأن الكبير ، وكل ذلك لأنه أسير تأملاته النظرية ، وثقافته غير المتوازنة.
الأمان من الخطأ
... فإن كثرة الحديث تورد كثرة الخطأ والالتباس ، وفي القلة أمان من ذلك ( وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضًا) ، وقد قالت العرب ( من كثر كلامه كثر سقطة ) ، كما أورد مسلم في مقدمه صحيحه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:
( كفى بالمرء أن يحدث بكل ما سمع) ...
... وقد علق الإمام النووي على ذلك بقوله عن هذا الحدث والآثار التي في الباب:
... ( ففيها الزجر عن التحديث بكل ما سمع الإنسان ، فإنه يسمع وفي العادة الصدق والكذب ، فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب، لأخباره بما لم يكن.. ) .
وكذلك:
... ( أنه إذا حدث بكل ما سمع كثر الخطأ في روايته، فترك الاعتماد عليه والأخذ عنه... ) (1) .
الابتداع في الدين
... ما دام عدم الآخذ بهذا المفهوم مما نهى عنه الشارع ، فإن عدم الأخذ به من الابتداع فقال:
(1) - الاعتصام للشاطئ 3/13.