الصفحة 34 من 61

قوله تعالى:.َفان َ طَلَقا حَتَّى إِ َ ذا َلقِيَا ُ غَلامًا َفَقَتَله. [74] ، وتتكرر في قوله تعالى:.َفان َ طَلَقا حَتَّى

إِ َ ذا أََتيَا أَهْلَ َقرْيَةٍ اسَْتطْعَمَا أَهَْلهَا. [77] ، تشكلت من الأحداث الثلاث التي تتابعت في الآيات

القصة بعناصرها الموضوعية والشكلية. فكان عنصر الحركة الذي يتفاعل بين الأشخاص

والأحداث ليوصل ذلك إلى الذروة القصصية. فمن زاوية يكون الربط الخارجي الشكلي للقصة

مع قدرة أسلوبية فائقة في اختزال الزمان والمكان في بؤرة الحدث، فقد تكون أحداث مابين هذه

المراحل ولكن القارئ لا يشعر بقطع للأحداث وربما لا يريد أن يعرفها لأنه متلهف كما كان

موسى (عليه السلام) أيضا لمعرفة ما يحدث، فالمفارقة في القصة والشعور بالدهشة والتركيز

على الحدث الرئيس جعلت من بقية الأحداث الثانوية التي لم تذكر مبررا لحذفها من السرد.

فمع كل تكرار كان موسى والسامعون يزدادون إثارة حتى تقف الأحداث وتثبت الص ورة

لتنكشف الأسرار ولتهدأ النفوس بعد قوله تعالى: (هذا فراق بيني وبينك) . تظهر عبارة جديدة.

عبارة التفسير والتأويل لما حصل من أحداث. (أما) قال تعالى:.أَمَّا السَّفِيَن ُ ة َف َ كاَنتْ لِمَسَاكِينَ

يَعْمَُلونَ فِي الْبَحْ ِ ر فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا. [79] ، ويتبعها قوله تعالى:.وَأَمَّا الْ ُ غَلامُ َف َ كانَ أَبَوَاهُ مُؤْمَِنيْنِ

َف َ خشِينَا أَن يُرْهَِقهُمَا ُ طغْيَانًا وَ ُ كفْرًا. [80] ، ويماثلها قوله تعالى:.وَأَمَّا الْجِدَارُ َف َ كانَ لِ ُ غَلامَيْنِ

يَتِيمَيْ ِ ن. [82] ، وهكذا تنتهي قصة موسى مع العبد الصالح بهدوء وارتياح مع شعور داخلي ل و

أن أحداثا أخرى تأتي فتكشف لنا فنشعر بتلك المتعة النفسية والفكرية والتجربة التي قد لا تمر

علينا مثلها إلى يوم يبعثون. فالأدب حقا يجعلك تعيش تجربة لم تمر بها وقد لا تمر بها إلا من

خلال الإبداع الأدبي الفني.

وتعود (أما) بفاعليتها التي نشطت في سياق قصة الخضر مع موسى (عليه السلام) ، في

قصة ذي القرنين. قال تعالى:.ُقلَْنا يَا َ ذا الَْقرَْنيْ ِ ن إِمَّا أَن ُتعَذِّبَ وإِمَّا أَن َتتَّخِ َ ذ فِي ِ همْ حُسْنً ا 86

َقالَ أَمَّا مَن َ ظَلمَ َفسَو َ ف ُنعَذِّبُهُ ُثمَّ يُرَدُّ إَِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَ َ ذابًا نُّكْرًا {87} وأَمَّا مَنْ آمَنَ وعَمِلَ

صَالِحًا َفَلهُ جَزَاء الْحُسَْنى وسَنَُقولُ لَهُ مِنْ أَمْ ِ رَنا يُسْرًا. [88] ، لتفيد أما التفصيل في الجانب

المعنوي، وعامل ربط بنيوي في بناء الوحدة الفنية في داخل السورة، ومكوناتها القصصية،

بالإضافة إلى ما شكله التكرار من وقع إيقاعي بين الصيغتين المتقاربتين (إمّا) و (أمّا) ، في تعاقب

ثنائي رتيب. إما أن وتتكرر، وأما من وتتكرر فتشكل ظاهرة إيقاعية وسردية فاعلة.

القرآن الكريم على كل الاتساع وتعدد القصص والمواضيع التي فيه، فانه يتسم بال وحدة

الموضوعية الكبرى والعضوية البنائية في نصه ولغته. فقد ورد في سورة الكهف في الحديث

عن الفتية قاعدة فكرية اعتقادية في قوله تعالى:.وَرَبَطَْنا عََلى ُقُلوِب ِ همْ إِذْ َقامُوا َفَقاُلوا رَبَُّنا رَبُّ

السَّمَاوَاتِ وَالأَرْ ِ ض َلن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهًا َلَقدْ ُقلَْنا إِذًا شَطَطًا. [14] . هذه الحقيقة الكبرى

وأساس الدعوة وكل أمر غيره سوف يكون عبثا ولهوا وابتعادا عن الحقيقة (شططا) ولن يفلح

صاحبه ولن يهتدي إذًا أبدا.

فمع هذه القاعدة الكبرى ظهرت كلمة (إذًا) ، قال تعالى:.َلَقدْ ُقلَْنا إِذًا َ ش َ ططً ا. [14] ، فإذا

دعوا غير الله فستكون النتيجة والجواب (إذًا) ، يحدث أمر يظهر في قوله تعالى:.أَوْ يُعِيدُو ُ كمْ

فِي مِلَّتِ ِ همْ وََلن ُتفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا. [20] ، وفي قوله تعالى:.وَإِن تَدْعُهُمْ إَِلى الْهُدَى َفَلن يَهَْتدُوا إِذًا

أَبَدًا. [57] ، فالعلاقة الترابطية بين القاعدة والحالات المترتبة أو المتعلقة بها ظاهرة من خلال

التركيب المتكرر. فإذا لم يحرص المؤمنون و تمكن الكفار من رقابهم فلن يتمكنوا من العبادة،

وترتب على ذلك ربما أخرجوهم من الملة في (لن يفلحوا إذًا أبدا) . هذا إذا كان السبب خارجيا

من الأعداء وقد يكون السبب داخليًا فيعرضون عن منهاج الله والقاعدة الكبرى للإيمان والهداية

(ومن أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها) . فتكون النتيجة (ولن يهتدوا إذا أبدا) .

ومن الألفاظ التي تكررت في أكثر من موقع، وكانت تمثل عنصر ربط ولفت انتباه وتوحد

أسلوبي، ما نجده في قوله تعالى:.هَؤُلاء َقوْمَُنا اتَّ َ خُذوا مِن دُونِهِ آلِهَ ً ة لَّوَْلا يَأُْتونَ عََليْ ِ هم

بِسُلْ َ طا ٍ ن بَيِّ ٍ ن. [15] ، وفي قوله تعالى:.وََلوْلا إِذْ دَ َ خلْ َ ت جَنََّتكَ ُقلْ َ ت مَا َ شاء اللَّ ه. [39] ، لقد

تكررت (لولا) في الآيتين، وفي موقفين متماثلين تقريبا؛ موقف المؤمنين واستغرابهم من عمل

الكافرين وطبيعة تفكيرهم وسلوكهم. لولا في الآيتين فيها حض من المؤمنين لغيرهم أن يتخذ وا

التفكير السليم في الاعتقاد المبني على أساس وبرهان، وعلى السلوك والكلام القويم الذي يربط

النعم بالمنعم والقدرة بصاحبها الحقيقي ألا وهو الله. فالأسلوب في الحالتين فيه طلب، ولكنه طلب

بلين فهذا أسلوب يكشف عن نفسية المؤمن، فهو حتى مع الكافر يطلب بلطف واتزان، وهذا ما

يتمثله الدعاة إلى الله من خلق وسلوك.

وتكون خاتمة القصص في سورة الكهف بقصة ذي القرنين الذي أعطاه الله التمكين في

الأرض ومن كل شيء سببا. فأسباب التمكين المتعددة والمتنوعة من الله ولذا كانت الرابط الذي

يربطه في كل أحواله وفي كل مكان وصل إليه، ومع كل فعل قام به. حيث بدأت القصة مع لفظ

(سببا) وحفظ المؤمن (ذو القرنين) السبب الذي وهبه له الله (فأتبع سببا) ، وبدأ بالحركة والعمل

فبدأت أحداث القصة تتوالى، فيظهر لنا ذلك في قوله تعالى:.َفأَتْبَعَ سَبَبً ا {85} حَتَّى إِ َ ذا بََل َ غ

مَغْ ِ ربَ الشَّمْ ِ س وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْ ٍ ن حَمِئَةٍ. [86] وقوله تعالى:.ُثمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا {89} حَتَّى إِ َ ذا

بََل َ غ مَطْلِعَ الشَّمْ ِ س وَجَدَهَا تَطْلُعُ عََلى َقوْمٍ. [90] ، وفي قوله تعالى:.ُثمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا {92} حَتَّى إِ َ ذا

بََل َ غ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِ ِ همَا قَوْمًا. [93] ، وتكرر في قوله تعالى:.آُتونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى

.[إِ َ ذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدََفيْنِ َقالَ انُف ُ خوا حَتَّى إِ َ ذا جَعََلهُ َنارًا َقالَ آُتونِي أُفْ ِ رغْ عََليْهِ قِطْرًا. [96

فمع كل حدث مهم من أحداث القصة ظهرت العبارة لتشكل لازمة لفظية، ثم (اتبع سببا) ،

فتحقق أبعادا فنية جمالية وموضوعية في آن واحد، أما من الوجهة الموضوعية فإن المؤمن الذي

يعطيه الله العزة والتمكين والقوة والنصر يتمسك بأسبابها فلا تنقطع عراها، ولذا يبقى أثره خالدا

إلى يوم يعلمه الله، فبهذا يكون الدرس وتتحقق العبر ة. ومن الناحية الفنية تشكل(أتبع

سببا)عنصرا من عناصر الربط والتطوير الفني، فكما كان الربط النفسي مع أحداث القصة كان

الربط أيضا موافقا للبناء القصصي والتطور المرافق للأحداث. فمع عطف الأسباب إلى بعضها

كان تطور الأسلوب بخاتمة حميدة وهي الاعتراف التام والصريح بنعم الله عليه، فقال الله تعالى

.[على لسان ذي القرنين:.َقالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ. [95

التكرار الأسلوبي المنتظم الذي تحقق في سورة الكهف له انعكاسات وتأثير على الجوانب

المختلفة في النص، لمسنا جانبا منها ومن بينها الجانب الصوتي فقد انعكس أثره بشك ل جلي

فحقق إيقاعا خارجيا وداخليا في آ ٍ ن واحد، وش ّ كل موسيقا تشنف الآذان لسماعها؛ فالتكرار

الجميل المتناغم يصبح قاعدة صوتية تطرب لها الأذن ويشغف بها الفؤاد.

ومن الملامح الأسلوبية التي انتشرت عبر آيات السورة أفعال الطلب التي شكلت في كثير

من الآيات مفتاحية للآية من جانب ولمقطع في الأحداث من جانب آخر. ومن خلال بعض

الأمثلة من أصل كثير نأخذ الفكرة العامة حول هذا الأسلوب. (ولا تقولن) لشيء إني فاعل ذلك

غدا. (قل) الله أعلم بما لبثوا، (واتل) ما أوحي إليك من كتاب ربك. (واصبر) نفسك مع الذين

يدعون ربهم. (ولا تعد) عيناك عنهم، (ولا تطع) من أغفلنا قلبه، (وقل) الحق من ربكم.

(واضرب) لهم مثلا رجلين. (واضرب) لهم مثل الحياة الدنيا. وإذ قلنا للملائكة (اسجدوا) . ويوم

يقول (نادوا) شركائي. قال موسى (هل أتبعك) على أن تعلمن مما علمت رشدا. قال لا تؤاخذني

بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا، قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا.

(فهل نجعل) لك خرجا،. (فأعينوني) بقوة، (آتوني) زبر الحديد، قال (انفخوا) قال (آتوني) أفرغ

عليه قطرا. (قل) هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. (قل) لو كان البحر مدادا لكلمات ربي. (قل) إنما

أنا بشر مثلكم). تنقسم أفعال الطلب إلي صيغ مختلفة وأهداف تتعلق بتلك الصيغ، فمن الأهداف

الرئيسة التي أخذت حيزًا واسعًا في السورة الهدف التعليمي. سواء التعليم المباشر وذلك بصيغ

الطلب المباشر كما ظهرت موجهة للرسول (صلى الله عليه وسلم) .

فالخطاب موجه من الله العليم إلى النبي عليه السلام فيعلمه أصول الاعتقاد والتوكل على الله

وربط المشيئة بالله، قال تعالى:.وَلا تَقُولَنَّ لِ َ شيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ َ غدًا {23} إِلا أَن يَ َ شاءَ

اللَّه. [24] . فيتنوع أسلوب الطلب بين الأمر المباشر والنهي، وهذا التنوع يضفي ظلالا من

التخفيف على النبي الكريم، فلو كان أسلوب الأمر يتكرر لأثقل ذلك عليه والله يعلم ثقل المهمة

التي يتحملها الأنبياء؛ ولذلك خفف عنه بهذا الأسلوب المتنوع. ومن صيغ الطلب التي ظهرت

مابين موسى (عليه السلام) والعبد الصالح وما يماثله بين القوم وذي القرنين. يمتاز الطلب

بالتودد فصاحب الحاجة يطلب ولكن بأسلوب لائق مؤدب، موسى (عليه السلام) طالب العلم

يطلب من معلمه بكل احترام وأدب وتودد؛ فهو حريص على التعلم ويدرك أين يجد ضالته، ولذا

قال تعالى:. َقالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عََلى أَن ُتعَلِّمَ ِ ن مِمَّا عُلِّمْ َ ت رُشْدًا. [66] ، والأمر نفسه نراه

بين من لا يملك ومن يملك من الله القوة فيقولون:.قَاُلوا يَا َ ذا الَْقرَْنيْ ِ ن إِنَّ يَأْ جوجَ ومَأْ جوجَ

مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْ ِ ض َفهَلْ نَجْعَلُ َلكَ خَرْجًا عََلى أَن َتجْعَلَ بَيَْنَنا وبَيَْنهُمْ سَدًّ ا. [94] ، فاستخدم

حرف الاستفهام (هل) نفسه، وبشكل متكرر بما فيه من ملمح صوتي هادئ، ينبعث من ص وت

الهاء؛ ليبقي جو الود مع العبد الصالح في موقف التعلم ومع الملك الصالح في طلب المساعدة.

ومن الأمور الجليلة التي يعلمها الله لنبيه وأصحاب الدعوة ليتمثلوها:

-التأسي والصبر في الدعوة وعدم الحزن كثيرا على الذين لم يؤمنوا، ونلمح ذلك في قوله

تعالى:.َفَلعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عََلى آثَا ِ رهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمُِنوا ِبهَ َ ذا الْحَدِيثِ أَسَفًا. [5] , أسلوب فيه الطلب

بشكل غير مباشر تلطفا بحال الرسول عليه السلام.

-الحوار مهم جدا بالنسبة للداعية، ولذلك وجه الله تعالى نبيه إلى هذا الأسلوب في الدع وة

فكان الحوار هو الطابع العام في السورة، حيث وردت ألفاظ الحوار قال وقل وقالوا ما يقارب

من سبعين مرة وذلك للفت الانتباه إلى هذه الغاية وهي اعتماد الحوار في مرحلة الدعوة أساسا

ومنهجا.

التقديم والتأخير:

ظاهرة التقديم والتأخير للألفاظ داخل النص الأدبي، كما ذكر العلماء، تتم نتيجة عمليات

ذهنية سابقة لعملية الكلام والنطق به، أي قبل تشكله كلاما منطوقا وعبارات تامة، أو في نسق

النص الأدبي. ويكمن وراء عملية الترتيب من تقديم وتأخير لطائف بلاغية قد لا تلمس أثرها

وفق الترتيب المعياري لتراكيب اللغة. فقد وصف العلماء التقديم بأنه"باب كثير الف وائد جم"

المحاسن بعيد الغاية، لا يزال يفترُّ لك عن بديعة، ويفضي بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعرا

يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك، أن قدم فيه

.(شيء، وحول اللفظ عن مكان إلى مكان"(1"

والقواعد النحوية لها أثر في تحديد الترتيب من تقديم وتأخير، فتنتظم مفردات النص الأدبي

من خلالها فيذكر الجرجاني"أن ليس النظم شيئا إلا توخي معاني النح و وأحكامه ووجوهه"

وفروقه فيما بين معاني الكلم" (2) ، ولكن النص الأدبي لا يبقى ملتزما نهجا واحدا وخطا نح ويا"

معياريا بعينه، بل قد يخلق له في أجزاء منه نحوا ثانويا لا يتعارض مع النحو المعياري بل

يحدث انزياحات متاحة وممكنة في قواعد اللغة ونحوها. فتشكل ظاهرة الانزياح ظواهر أسلوبية

-1) الجرجاني، عبد القاهر: دلائل الإعجاز، قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر، ط 5، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1424)

.2004، ص 106

.2) المرجع السابق، ص 525)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت