الصفحة 35 من 61

خاصة في النص والدراسة الأسلوبية تنشط في إبراز تلك الانزياحات ودراستها وتحليل جمالياتها

التشكيلة الفنية والموضوعية.

من خلال دراسة السورة سوف تظهر نماذج متنوعة من التقديم والتأخير منها ما تفرضه

القواعد النحوية العامة، ومنها ما تشكل ليحقق هدفا بلاغيا يلفت الانتباه إليه. فتشكل تلك التراكيب

العدوليّة فيما بينها ظاهرة أسلوبية تحفل بالعديد من اللطائف البلاغية، ومع تنوع الجمل التي

يتكون منها النص الأدبي بين اسمية وفعلية وترتيب المسند مع المسند إليه واللواحق وأشباه

الجمل وما يتعلق بهما يكون مجال الدراسة، ويكون مداها فيما يتحقق من أهمية ستكون الدراسة

لمعرفة أسرار المتقدم وكشف العناية به، تتحقق بذلك نظرة الأسل وبية تجاه التقديم والتأخر

باعتباره مقوما تركيبيا كاشفا عن فنية الأسلوب وأدبية النص.

وعرف التقديم والتأخير أنه من الوسائل اللغوية النحوية التحويلية، فيتم تحويل الجملة من

فعلية إلى اسمية أو العكس، وهذا الترتيب الجديد، وخاصة إذا لم تفرضه القواعد النح وية

المعيارية للغة، فيكون مرتبطا بالمعنى الأولي في الذهن وكاشفا عنه؛ فمقدار أهمية العنصر في

.(الجملة واهتمام المتكلم به يؤثر على رتبته في الجملة وترتيبه"إنما التقديم للعناية والاهتمام"(1

ولباب التقديم والتأخير (الترتيب) فوائد بلاغية متنوعة، فما بين الكشف عن البنية العميقة

والدلالة البعيدة (2) ، وما يفيد من اختصاص المتقدم كما في قوله تعالى:.إِيَّاكَ َنعْبُدُ وإِيَّاكَ

َنسَْتعِينُ. [الفاتحة، 5] ، وقد يؤدي التأخير إلى لبس وخلل في المعنى ولذا يكون التقديم السبيل إلى

التخلص من هذا اللبس (3) . وبما أن لكل نص أدبي خصوصيته التي عليها تنتظم تراكيبه وأبنيته،

لذا سنجد أمثلة متنوعة من التقديم والتأخير تتوافق بعضها وأخرى تتمايز وذلك لطبيعة معطيات

النص المتنوعة.

.1) السامرائي، فاضل صالح: التعبير القرآني، عمان: دار عمار، ص 51)

.2) ينظر عمايرة، خليل: في نحو اللغة العربية وتراكيبها، ص 92)

.3) ينظر أبو موسى، محمد: خصائص التراكيب، ص 291)

ومما يظهر فيه التقديم والتأخير قوله تعالى:.الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عََلى عَبْدِهِ الْكَِتابَ وََلمْ

يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا {1} قَيِّمًا. [2] ، فالتقديم في (ولم يجعل له عوجا) على (قيما) له من الأسرار ما

تستحق البحث والكشف عن جمالها ومدى تأثيرها على نفس المتلقي وعلى بناء النص فيها. لقد

شغلت هذه الآية علماء النحو والقراء وعلماء الصوت في سر تركيبها، ونأخذ في هذا المقام

جانب الترتيب الذي تمثل بين الآيتين، فالربط المعنوي واضح بينهما فدلالة المعنى الذي يعطيه

(ولم يجعل له عوجا) و (قيما) معنى متقارب جدا. والسؤال ما سبب تقديم أسلوب على آخر،

فجاء النفي بداية وتبعه الإثبات."وهنا ذكر نفي العيب أو ً لا ثم إثبات الكمال ثانيا" (1) . إن الدين

الجديد جاء على أمة عقائدها باطلة ولا أساس لها، والدين الجديد لا يمكن أن يقوم على ما كان

موجودا فلا بد إزالة الأباطيل والبناء على أرض صالحة وعلى هذا تقدم أسلوب التخلية للإزالة

والتمهيد ومن ثم التجلية في البناء والتحلية في إظهار الدين.

-1 ما يفيد الاختصاص:

القرآن الكريم في أسلوبه يراعي حالة المتلقي ونفسيته، فالله على علم بنفسية البشر وبما

يفكرون ويتمنون، ففي قوله تعالى:.الَّذِي أَنزَلَ عََلى عَبْدِهِ الْكَِتابَ. [1] . فقد تقدم شبه الجملة

المتعلق (على عبده) على المفعول (الكتاب) ، إذ من الممكن أن يكون الترتيب(أنزل الكتاب على

عبده). فأهل الكتاب من اليهود والنصارى و مشركو قريش كانوا على خبر في أمر الرسالة

بأنها ستكون، ولكن كلٌ كان يطمع أن تكون له دون غيره، فكان بهذا الترتيب والتخصيص قطع

الشك باليقين وخص الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالعبودية والرسالة، فالتقديم أفاد

الاختصاص. بالإضافة إلى ظلال التكريم التي يستشعرها السامع من حرف الجر على إذ يمكن

استبداله بحرف الجر إلى فإنه يعطي ظلالا من التكليف أما (على) فبه من الرفعة والتكريم

للرسول صلى الله عليه وسلم (2) . وهذا يؤازره باب الإضافة في عبده.

1)العثيمين، محمد بن صالح: تفسير القرآن الكريم، سورة الكهف، ط 1، المملكة العربية السعودية: دار ابن الجوزي)

.1423، ص 9

.2) ينظر، الخضري، محمد أمين: من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم، ص 94)

ومن التقديم الذي يفيد الاختصاص في قوله تعالى:.نَحْنُ نَُقصُّ عََليْكَ َنبَأَهُم ِبالْحَقِّ. [13] ، فقد

تقدم المتعلق شبه الجملة (عليك) على المفعول به نبأهم، وكان من الممكن أن تكون"نقص نبأهم"

عليك بالحق"، فكان علماء أهل الكتاب يظنون أنهم يعلمون الحق وغيرهم لا علم لهم، فقد خص"

الله سبحانه وتعالى نبيه بالعلم الحق دون سواه فقدم ذكره على غيره إذ المقدم هو الرسول(صلى

الله عليه وسلم)وهو أهم بالذكر من نبأهم.

ومثل ذلك في التقديم فيفيد الاختصاص قوله تعالى:.ُق ِ ل اللَّهُ أَعَْلمُ ِبمَا َلِبُثوا لَهُ غَيْبُ

السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. [26] ، ترتيب الجملة أمام اختيارات تتيحها قواعد اللغة، فيجوز تقديم المبتدأ

أو تقديم الخبر، فتقديم الخبر خلافا للأصل لا بد أن يكون لغاية معنوية أو جمالية فنية يح ققها

الجانب الأدبي للنص القرآني، فمن المعلوم أن هنالك مغيبات عن الإنسان لا ي دركها بعلمه

المحدود، وقد يُظَنُّ أن هنالك من يصل إلى علم الغيب، وهذا محال لأن علم الغيب خاص لله؛

ولذا تقدم اللفظ المتعلق بجلال الله لإفادة الاختصاص. فمهما بلغ الإنسان من علم تظل أشياء

مغيبة عنه في السماوات والأرض اختصها الله بعلمه. وعلى هذا المعنى ولتأكيده جاءت قصة

موسى عليه السلام مع العبد الصالح، إذ إنّ كل قصة من القصص في س ورة الكهف جاءت

تعليقًا أو تأكيدًا لمضمون أو لفكرة سبق ذكرها في السورة؛ فشكلت القصة تفصيلا وتوضيحا بعد

تعميم.

ومما يفيده التقديم تخصيص العذاب في قوله تعالى:.وَرَبُّكَ الْغَُفورُ ُذو الرَّحْمَةِ َلوْ يُؤَاخُِذهُم

ِبمَا َ كسَبُوا َلعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَ ِ جدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِ ً لا. [58] ، ففي عملية كشف

واستبدال من تقديم وتأخير تجيزها قواعد اللغة (لعجل العذاب لهم) ، فكما يظهر من الآية أن

العذاب متحقق ولا شك فيه ويشعر بذلك الكفرة والفسقة، ولكن حتى لا يظن ظانٌ منهم أن هذا

العذاب بعيد عنهم، فقد قدم ذكرهم ليدل على أن العذاب خاص لهم.

ويبدو الاختصاص في قوله تعالى:.حَتَّى إِ َ ذا بََل َ غ مَطْلِعَ الشَّمْ ِ س وَجَدَهَا تَطْلُعُ عََلى َقوْمٍ لَّمْ

َنجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا. [90] ، فالحال من الشمس وهي كذلك خاص بهم دون غيرهم من

البشر الذين تطلع عليهم. وقوله تعالى:.إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْ ِ ض. [84] ، أما التمكين في الأرض

قاطبة فاختص الله به عبادا له منهم من عمروا الأرض في إيمانهم ومنهم غير ذلك، ومما فيه

من اختصاص قوله تعالى:.َفهَلْ نَجْعَلُ َلكَ خَرْجًا. [94] ، فالخرج بالنسبة لذي القرنين شيء

ثانوي، فقدم الضمير العائد عليه"لك"على الخرج في مناسبة بين ترتيب الألفاظ مع المعنى

الباطن العميق، قال تعالى:.َفلا ُنقِيمُ َلهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا. [105] ، وقوله تعالى:.إِنَّ الَّذِينَ

آمَُنوا وَعَمُِلوا الصَّالِحَاتِ َ كاَنتْ َلهُمْ جَنَّا ُ ت الْفِرْدَوْ ِ س ُنزُ ً لا. [107] ، نلاحظ من جميع الآيات

السابقة تقدم المتعلق على غيره ممن له التقدم، وهذا بحد ذاته أسلوب انزياح معياري، والتقدم هنا

ليلفت الانتباه إلى طبيعة المتقدم الذي لحقت به اللام التي تفيد الاختصاص.

-2 تقديم السبب على المسبب:

وأما التقديم لعلاقة السبب بالمسبب فنجد منه في قوله تعالى:.وإِذِ اعَْتزَلْتُمُوهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ

إِلا اللَّهَ َفأْووا إَِلى الْ َ كهْفِ يَن ُ شرْ َل ُ كمْ رَبُّ ُ كم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ َل ُ كم مِّنْ أَمْ ِ ر ُ كم مِّرْفَقًا. [16] ، فتقدمت

رحمة الله لهم على غيرها من النعم التي من الله عليهم بها؛ فالرحمة هي أساس النعم وسبب

بقائها، وعلى هذا الفهم فالفتية المؤمنون في دعائهم وطلبهم من الله قدموا طلب الرحمة:.إِذْ

.[أَوى الْفِتْيَ ُ ة إَِلى الْ َ كهْفِ َفَقاُلوا رَبََّنا آتَِنا مِن لَّدُنكَ رَحْمَ ً ة وهَيِّئْ َلَنا مِنْ أَمْ ِ رَنا رَشَدًا. [10

ومنه في تقديم السبب على المُسَبَب قوله سبحانه وتعالى:.َفوجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادَِنا آَتيَْناهُ

رَحْمَ ً ة مِنْ عِندَِنا وعَلَّمَْناهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا. [65] ، فحاجة الإنسان إلى الرحمة من الله أولا، ومن ثم

تتجلى آثارها على العبد رحمة وعلما ويقينا. وكما سبق ذكره أن الرحمة من الله هي أساس كل

نعمة التي منها هبة العلم وتمكينه. وهذه الرحمة التي تتجلى رحمة عامة لكل المخلوقات ورحمة

خاصة لمن اتصفوا بالطهر والزكاة والإيمان كما يظهر ذلك في قوله تعالى:.َفأَرَدَْنا أَن يُبْدَِلهُمَا

.[رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَ َ كا ً ة وأَقْرَبَ رُحْمًا. [81

-3 التغليب:

وتظهر حالة التغليب في قوله تعالى:.وَاذْ ُ كر رَّبَّكَ إِ َ ذا َنسِي َ ت. [24] ، وع ودة إلى أصل

التركيب لجملة الشرط (إذا نست فاذكر ربك) ، ولكن المتوقع من المؤمن وهذا الحق بالنسبة

للرسول (صلى الله عليه وسلم) ، أن يكون الذكر لله هو الأصل والحالة الغالبة. وأما النسيان فهو

حالة طارئة، ولذا تقدم الأصل والغالب في التعبير.

ومثل ذلك في التغليب قوله تعالى:.وُق ِ ل الْحَقُّ مِن رَّبِّ ُ كمْ َفمَن َ شاء َفلْيُؤْمِن ومَن َ شاء

َفلْيَكُْفرْ. [29] ، فإذا كان ظاهر السياق يفيد التخيير فإنّ المتابع يعلم أن من يختار غير الإيمان فإنه

ظالم ويستحق ما أُعد له من عذاب، وقدم الفعل (فليؤمن) من باب الحرص على الإيمان والتمسك

به فهو الأصل والغالب.

ومن التقديم لرابط نفسي ما تمثل في علاقة الثواب بالأمل في قوله تعالى:.الْمَالُ والْبَُن ونَ

زِينَ ُ ة الْحَيَاةِ الدُّنْيَا والْبَاقِيَا ُ ت الصَّالِحَا ُ ت خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ َثوابًا وخَيْرٌ أَمَلًا. [46] ، فمن المعل وم أن

الشعور بالأمل له مسببات تتقدمه، فالتقدم بالخير والحسنات والأعمال الصالحة التي وصفها الله

بالباقيات الصالحات التي أيضا فيها تقديم الصفة التي تتعلق بها نفس المؤمن أن تبقى حسناته بل

وتزيد، وبما أن الثواب هو أساس الأمل، فمراعاة لذلك تقدم الثواب على الأمل.

الترتيب للتقدم المعنوي:

لقد أشار العلماء إلى علاقة الترتيب بين الألفاظ والمعنى وتبعيتها لها"إما أن يقدم المعنى"

عليه أو يقدم وهو في المعنى مؤخر أو بالعكس" (1) ، فالربط المعنوي والترتيب في قوله تعالى:"

.ومَا مََنعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى ويَسَْتغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَن َتأْتِيَهُمْ سُنَّ ُ ة الأولِينَ أو

يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ ُقبُ ً لا. [55] ، فالاستغفار متعلق بالإيمان، إذ المؤمن ه و الذي يستغفر فالتعلق

المعنوي بين الثاني والأول لتلك العلاقة الرابطة في المعنى.

والترتيب الزمني للمخلوقات والسبق في الوجود يظهر في قوله تعالى:.مَا أَشْهَدتُّهُمْ َ خلْ َ ق

السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا َ خلْ َ ق أَنُفسِ ِ همْ. [51] ، فالترتيب تابع للسبق الزمني في الوج ود، فخلق

السماوات والأرض سابق لخلق الإنسان، فقد هيئ الله المكان والأسباب لمعيشة الإنسان ومن ثم

أوجده فيه.

1)الزركشي الإمام بدر الدين محمد: البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل، ط 1، القاهرة: دار إحياء الكتب)

.العربية، 1958، ج 3، ص 238

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت