فهرس الكتاب
ومن بديع التقديم والتأخير وعلاقة ذلك بالتصوير الدقيق للنفس البشرية قوله تعالى:.َل و
اطََّلعْ َ ت عََليْ ِ همْ َلولَّيْ َ ت مِنْهُمْ فِرَارًا وَلمُلِئْ َ ت مِنْهُمْ رُعْبًا. [18] ، الأصل في حركة الإنسان وسل وكه
باعث داخلي، كالفرح والحزن أو الخوف، فيحصل الشعور الداخلي أولا. وعلى هذا الأساس فمن
يشعر بالرعب من شيء يبتعد عنه. فيكون التقديم لعلاقة السبب والمسبب. ولكن في الآية تقدم
السلوك (الفرار) على الباعث الداخلي (الرعب) ، وذلك لحكمة من الله، فالحماية من الله للفتية
كانت في أكثر من صعيد وفي منا ٍ ح متعددة، ولذا فالذي ينظر إليهم ويلمح هول المفاجأة فانه
يبادر في الحركة والفرار قبل أن يفكر في شيء، فلو انتظر وفكر لربما تنكشف له الحقيقة وحتى
لا يعود إليهم يمتلئ قلبه منهم رعبا فلا يعود يفكر بالعودة إليهم تارة أخرى.
وتظهر جوانب من طبيعة النفس الكافرة في قوله سبحانه وتعالى:.إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عََليْ ُ كمْ
يَرْجُمُو ُ كمْ أَوْ يُعِيدُو ُ كمْ فِي مِلَّتِ ِ همْ. [20] ، هذه طبيعة الكفار وديدنهم فأول ما يفكرون به إذا تمكنوا
من رقاب المؤمنين هو التعذيب وإيقاع الضرر بهم، وليس عودتهم إلى ملة الكفر، إذ هم لا
يعملون من أجل ما يعبدون ويعتقدون، فالمبادرة إلى الرجم والتعذيب قبل التفكير بإعادتهم إلى
ملتهم (ملة الكفر) ؛ ولذا كان التعبير أصدق ما يكون في الكشف عن حقيقة الكفر فليس ما هم
عليه انتماء بقدر ما هو معاندة ورغبة في إيذاء المؤمنين.
ويظهر أثر الدهشة في التقديم على لسان المجرمين في قوله تعالى:.ووضِعَ الْكَِتابُ َفَترَى
الْمُجْ ِ رمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ويَُقوُلونَ يَا ويَْلَتَنا مَا ِ ل هَ َ ذا الْكَِتا ِ ب لا يُ َ غادِرُ صَ غيرَ ً ة ولا َ كبِيرَةً إِلا
أَحْصَاهَا ووجَدُوا مَا عَمُِلوا حَاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. [49] ، فإذا كانت جمالية التعبير في
المحسنات البديعية في بعض الأحيان مثل صغيرة وكبيرة، فإن التقديم والتأخير يكشف أبعادًا
جمالية وفنية عميقة، فالكافر لا يظن أنه يوما ملاقي ربه وأنه محاسب على عمله، وإذ به وفجأة
أمام كل ما قدمت يداه، يرى الكبائر فلا ينكرها، ولكنه يندهش بحسرة على أنه مثبت له حتى
صغائر الأمور، ولشدة دهشته منها وإحصائها له، يبادر بالنطق بها فإذا كان محاسبا على
صغائر الأمور فكيف بالكبائر وبعظائمها؟!.
ويفيد التقديم دلال َ ة المحبة والتعلق بالمتقدم كما في قوله سبحانه وتعالى:.الْمَالُ وَالْبَُنونَ
زِينَ ُ ة الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَا ُ ت الصَّالِحَا ُ ت خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ َثوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا. [46] ، ومثلها في قوله
تعالى:.وَ َ كانَ لَهُ ثَمَرٌ َفَقالَ لِصَاحِِبهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أََنا أَكَْثرُ مِنكَ مَا ً لا وَأَعَزُّ نَفَرًا. [34] ، فقد تقدم
ذكر المال على البنيين في المثالين الأول والثاني، ومع أن كثيرا من العلماء تنبه إلى أهمية
الربط بينهما بحرف العطف الواو الذي يفيد العطف المطلق إلا أن الترتيب يبقى بحاجة إلى
إظهار وإدراك وتبيان لأسبابه، فبالاعتماد على فهم طبيعة السامعين أو المتكلمين(أي ما يسمى
سياق الحال)الذين كانوا على حال الكفر وزيغ الموازين لديهم و تغيرا لفطرة البشرية، فقدم وا
الأقل أهمية على المهم، إذ في سورة آل عمران المدنية والمستمع ون من المسلمين أهل
الفطرة. قال تعالى:.زُيِّنَ لِلنَّا ِ س حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِي ِ ر الْمَُقنطَرَةِ مِنَ
الذَّهَ ِ ب وَالْفِضَّةِ وَالْ َ خيْ ِ ل الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَا ِ م وَالْحَرْثِ َ ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حسْنُ
الْمَآ ِ ب. [آل عمران، 14] ، علما أن هذه النعم مزَيَّنة وتغري فتغوي، إلا أنها مرتبة بحسب الفطرة
البشرية. فإذا كانت للفتنة خالف الترتيب الأصل.
والترتيب للحواس الذي اعتمدته الآية في قوله تعالى:.الَّذِينَ َ كاَنتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِ َ طاء عَن
ذِكْ ِ ري وَ َ كاُنوا لا يَسَْتطِيعُونَ سَمْعًا. [101] ، تقدمت في الآية حاسة البصر على حاسة السمع،
وذلك ما يناسب حال الكفار، فهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب أو الآيات، بل أرادوا أن يروا الله
جهرة وكانوا يطلبون ذلك مخالفين الطبيعة التي وضحها القرآن في قوله تعالى:.وَ َ لا تَقْ ُ ف مَ ا
َليْسَ َلكَ ِبهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالُْفؤَادَ ُ كلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُو ً لا. [الإسراء، 36] ، فعلى
الأغلب يتقدم السمع على البصر إلا مع الكافرين، فتم الترتيب في قوله تعالى:.مَا َ كاُنواْ
.[يَسَْتطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا َ كاُنواْ يُبْصِرُونَ. [هود، 20
ومن التقديم والتأخير على مستوى ترتيب السورة، ما ورد في قوله تعالى:.إِنَّ الَّذِينَ آمَُنوا
وعَمُِلوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا َلا ُنضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَ ً لا. [30] ، وفي قوله تعالى:.إِنَّ الَّذِينَ آمَُنوا
وعَمُِلوا الصَّالِحَاتِ َ كاَنتْ َلهُمْ جَنَّا ُ ت الْفِرْدَو ِ س ُنزُ ً لا. [107] . تشابه التركيبان بداية(إن الذين آمنوا
وعملوا الصالحات)، فينتظر السامع جوابا. فكان في الآية الأولى منهما تحمل جواب الخير ولكنه
غير محدد، فجاءت الثانية لتبين الجائزة والثواب بوضوح (جنات الفردوس) ، فقدمت الآية الثانية
تفصيلا لما كان معمما في الأولى.
من خلال الآيات التي تمت دراستها نتبين أن التقديم والتأخير الذي تبيحه ق واعد اللغة
بنحوها ونظام التراكيب فيها تتركز لعلاقة الترتيب الزمني والسبق إلى الوجود سواء في أحداث
القصة أم في الحياة وبداية الخلق، والتعلق النفسي محبة كان أو دهشة أو اختلال في الميزان
العقلي تجاه الحياة لخلل في الاعتقاد. واعتماد قانون السبب والمسبب في الترتيب، وفي أحيان يتم
تجاوزه لإثارة الفكر في البحث وراء السبب الظاهري والسبب الحقيقي من وراء الحدث، ومن ثم
التنوع في الأساليب وتحقيق الإيقاع الداخلي، وفسح مجال أمام الفاصلة للتمكن والقيام بد ورها
الصوتي والمعنوي دون أن يؤثر ذلك على المعنى.
إنّ ما تناوله البحث هي أمثلة ونماذج للدراسة وليس كل النماذج البلاغية التي لا يحيط بها
دارس بمفرده بل وحتى الجماعة من العلماء والتاريخ كان ولم يزل شاهدا على أن الإحاط ة
بالعلم الكامل أمر عسير بل مستحيل؛ ولذا فإن دارسين سيأتون فيتمون ما لم نحط به خبرا.
الحذف:
إن من أدق أبواب البلاغة وأخطرها على اتساعها وتنوعها؛ الحذف، وقد وضعه ابن جني
على رأس باب في شجاعة العربية (1) ، ووصفه عبد القاهر الجرجاني"هو باب دقيق المسلك،"
لطيف المأخذ، عجيب الأمر شبيه بالسحر، فانك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت
عن الإفادة أزيد للإفادة" (2) . وقد اشترط علماء اللغة أن لا يؤثر الحذف على المعنى فيخل في"
شرط التوصيل والإفهام"يرجع حسن العبارة في كثير من التراكيب إلى ما يعمد إليه المتكلم من"
.1) ابن جني، أبو الفتح عثمان: الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، القاهرة: المكتبة العلمية، ج 2،.ص 360)
2)الجرجاني، عبد القاهر: دلائل الإعجاز، ط 5، القاهرة: مكتبة الخانجي، ص 146. وينظر الباقلا ني: إعجاز القرآن)
.ص 262
حذف لا يغمض به المعنى وإنما هو تصرف تصفى به العبارة ويشتد به أسرها وهو من جهة
.(أخرى دليل على قوة النفس وقدرة البيان"(1"
وتميل اللغة في طبيعتها إلى أن تحذف وتسقط الألفاظ التي يدل على معانيها غيرها في
داخل التركيب أو ما يرشد إليه السياق والحال، فتثير إحساس المتلقي لكشف السر فينشط خياله
ويشعر بالمتعة في تلك اللحظة"والمتذوق للأدب لا يجد متاع نفسه في السياق ال واضح"
والمكشوف، وإنما يجد متعة نفسه حيث يتحرك حسه وينشط ليستوضح الأسرار والمعاني وراء
الإيحاءات والرموز" (2) . وإن مما يفقد أسلوب الحذف فائدته ونشاطه وثراء النص أن يحا ول"
المتلقي أو السامع أن يعيد المحذوف ويقدره بعد أن حذف"فعليك إذن أن تتناسى المحذ وف"
وإسقاطه من النفس كما أسقط من اللفظ لأنه يطلب منك أن تحذفه من نفسك فلا تخطره بوهمك
لأن هذا الخطور يفسد مذاق العبارة" (3) . وهذا الفرق بين اللفظ المحذوف لغرض بلاغي يحققه"
حذفه أكثر من ذكره وبين الضمير المستتر مثلا، فالضمير المستتر موجود في الذهن مستتر في
اللفظ فقط.
وقد عد أصحاب النحو التوليدي التحويلي الحذف من وسائل التحويل، ليكشف عن عمق
العبارة، ويحقق منحى بلاغيا عبر الإيجاز والرمز، حيث تشكل بها قواعد تح ويلية اختيارية
.(فتكون قواعد أسلوبية"(4"
ومن خلال الملاحظ في باب التصوير فإن أسلوب الحذف يقوم على تكثيف المعنى من خلال
الصورة الفنية"فتسهم الصورة إسهاما كبيرا في تكثيف المعنى بحيث نجد علاقة كبيرة بين"
الاستخدام المجازي والتكثيف الذي هو قوام الإيجاز" (5) ؛ فالمجاز بنوعيه لا تقتصر علاقته على"
التصوير بل لبعض أشكال المجاز بواعث أخرى ومنها الاختزال اللفظي والحذف مما يعود إلى
.1) أبو موسى، محمد: خصائص التراكيب دراسة تحليلية لمسائل علم المعاني، ط 2، القاهرة: مكتبة وهبة، ص 111)
.2) المرجع السابق، ص 111)
.3) نفسه، ص 129)
، 4) ينظر ليون، جون: نظرية تشو مسكي اللغوية، ترجمة حلمي خليل، ط 1، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1985)
.34 - ص 33
.5) عطية، مختار: الإيجاز في كلام العرب ونص الإعجاز، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية 1997، ص 252)
عناية المتحدث واهتمامه بأن يضفي على عبارته طاقة تعبيرية هائلة متعددة الجوانب. والحذف
أنواع منها:
-حذف جزء من الكلمة:
فمن الحذف ما يكون لجزء من كلمة ونقصد به الحرف أو الحركة ولا يك ون ذلك لعلة
صرفية أو نحوية، وإنما لسر ونكتة بلاغية لطيفة أو ليحقق تناغما صوتيا يكسب الكلام والنص
الأدبي جمالا، ومثل ذلك في قوله سبحانه وتعالى:.وََترَى الشَّمْسَ إِ َ ذا َ طَلعَت تَّزَاوَرُ عَن َ كهْفِ ِ همْ
َ ذا َ ت الْيَمِي ِ ن وَإِ َ ذا َ غرَبَت تَّقْرِضُهُمْ َ ذا َ ت الشِّمَا ِ ل وَهُمْ فِي َفجْوَةٍ مِّنْهُ َ ذلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ
َفهُوَ الْمُهَْتدِ وَمَن يُضْلِلْ َفَلن َتجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا. [17] ، فقد تكرر حذف الحروف في هذه الآية
في كلمة (تزاور) و (المهتدِ) و (يهد) . فكلمة ّتزاور يتتابع في بدايتها حرف التاء مرتين أصلها
(تتزاور) ، وسبقت بتاء طلعت، فتتابعت الأمثال واللغة تنفر من ذلك؛ لثقله على النطق فحذف
إحداها للتخفيف. أما في (المهتدِ) حيث الأصل المهتدي فهو اسم منقوص محلى بال التعريف،
فتحذف الياء منه في حالة كونه مجردا من التعريف، أما سبب الحذف فيع ود لسببين أ ولهما
صوتي وذلك لإحداث تناغم في العبارة إذ جاء الفعل (يهدِ) المجزوم محذوف منه الياء. والسبب
الثاني قصر المسافة الصوتية في لفظ الكلمة فالمسافة إلى الهداية قصيرة، وعلى العكس فان
الضلال طرقه متشعبة ومفككة؛ ولذا كان اللفظ يعبر عن ذلك (ومن يضلل) بفك اللام، فتماثل
اللفظ والمعنى.
ومن الحذف للحروف ما نجده في قوله تعالى:. َقالَ َ ذلِكَ مَا ُ كنَّا َنبْغِ. [64] ، وهذا باب أشار
إليه علماء اللغة والنحو بحذف الكفاية، فلا يوجد سبب في قواعد النحو المعياري للحذف. وقد
أشار الأخفش عن سبب الحذف من غير ناصب ولا جازم فقال: عادة العرب أنها إذ عدلت
بالشيء عن معناه نقصت حروفه، وهذا ليس بقاعدة، فالناظر إلى الموقف والحالة النفسية التي
كان عليها موسى عليه السلام من تلهف إلى الملتقى، فعندما ظهرت أمارته لم يكن أمام موسى
(عليه السلام) إلا أن يبادر مسرعا يختصر الزمن ليصل إلى المكان، فكان كلامه معبرا عن حاله
تلك.