فهرس الكتاب
ومن باب حذف الحروف المتكرر ما ورد في قوله تعالى:.وَُقلْ عَسَى أَن يَهْدِيَ ِ ن رَبِّي
لأَقْرَبَ مِنْ هَ َ ذا رَشَدًا. [24] ، وفي قوله تعالى:.إن ُترَ ِ ن أََنا أََقلَّ مِنكَ مَا ً لا وَوَلَدًا. [39] ، وقوله
تعالى:.َفعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَ ِ ن خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ. [40] ، من خلال الآيات السابقة يلاحظ حذف ياء
المتكلم وياء المتكلم كلمة بذاتها، إلا أنها من حرف واحد ولذا وضعتها في هذا الباب. ففي
(يهدي ِ ن) و (تر ِ ن) (يؤتي ِ ن) وعلى لسان موسى (عليه السلام) مع العبد الصالح. َقالَ لَهُ موسَى
هَلْ أَتَّبِعُكَ عََلى أَن ُتعَلِّمَ ِ ن مِمَّا عُلِّمْ َ ت رُشْدًا. [66] ، فحذف الياء المتكرر في هذه الأمثلة فإنه وإن
كانت اللغة تجيز الحذف في هذا المقام إلا أن نفسية من نوع خاص تكمن وراء الخطاب، وهي
النفس المؤمنة التي يظهر عليها علامات التواضع فلا تظهر تلك الياء إلا مع ذكر الله(فعسى
ربي)، فيشعر المؤمن بالعزة مع ذكر الله ومحبة في إظهار رابطته بالله. وفي هذا المقام يلفت
انتباهنا قول موسى (عليه السلام) :. َقالَ لا ُتؤَاخِذْنِي ِبمَا نَسِي ُ ت ولا ُترْهِقْنِي مِنْ أَمْ ِ ري
عُسْرًا. [73] ، نلاحظ حرف الياء وما ينبعث منه من صوت مد مما يضفي ظلا ً لا من التودد إلى
العبد الصالح المعلم له، وهذا خلق حميد يربي فيه الله عباده مع أولي العلم.
والتخفيف اللفظي في اللغة باب واسع تنبه له العلماء القدماء"وقد فهم النحاة العرب هذه"
الظاهرة فهمًا صحيحًا إذ بنوا علم النحو على مبدأ التخفيف والفرق" (1) ، وعليه فقد فهم باب"
الإدغام ففي قوله تعالى: (إّنا جعلنا) ، و (إّنا لجاعلون) ، حيث تتكون أصلا من (إنّ) و (نا) ،
وللتخلص من تتابع الأمثال حذفت إحدى النونات الثلاثة، وأما في قوله تعالى:.لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ
رَبِّي وََلا أُشْرِكُ ِبرَبِّي أَحَدًا. [38] ، فالأصل في التركيب لكنّ أنا الله ربي، فحذفت الهمزة في أنا
من باب التخفيف فحذف طلبًا للخفة ولكثرة الاستعمال وأدغمت إحدى الن ونين في الأخرى
نطقا (2) ، ولجانب نفسي تمثل في نفس المؤمن، فكان أغلب حديثه عن نفسه يميل باتجاه الحذف
تواضعًا، فيصعد بعد ذلك عندما يرتبط أمره بالله فيشعر بالعزة والقوة، ومن باب التخفيف أيضا
في قوله تعالى:.وعُرِضُوا عََلى رَبِّكَ صَّفًا لََّقدْ جِئْتُمُوَنا َ كمَا َ خَلقَْنا ُ كمْ أَولَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمُْتمْ أَلَّن
،1987 - 1) الموسى، نهاد: نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث ط 2، عمان: دار البشير 1408)
.ص 95
-2) مكي ابن أبي طالب: العمدة في غريب القرآن، تحقيق يوسف المرعشلي، ط 1، القاهرة: مؤسسة الرسالة، 1401)
.1981 ج 1، ص 133
نَّجْعَلَ َل ُ كم مَّوعِدًا. [48] ، والأصل في الجملة أن لن نجعل لكم، فيلا حظ تتابع الأمثال
والمتشابهات من الأصوات ثلاثة أصوات للنون ثلاثة أخرى للام، وأغلبها أصوات رنانة قوية
فتمت عملية تخفيف ممكنة بواسطة الإدغام، ومثل ذلك (من لدّنا) .
ومن الحذف للأدوات كحرف الاستفهام وأداة النداء ومنه قوله تعالى:.إِذْ أَوَى الْفِتْيَ ُ ة إَِلى
الْ َ كهْفِ َفَقاُلوا رَبََّنا آتَِنا مِن لَّدُنكَ رَحْمَ ً ة وَهَيِّئْ َلَنا مِنْ أَمْ ِ رَنا رَشَدًا. [10] ، فالأسلوب نداء من
الفتية المؤمنين إلى الله الأحب إليهم والأقرب إلى قلوبهم؛ ولشعورهم بهذا القرب من الله لم
يحتاجوا إلى أداة النداء، فالله أقرب إليهم من حبل الوريد. ولحذف الأداة غاية"ربما كان ذلك لأن"
الله - سبحانه- يريد أن يعتاد عباده مناجاته ونداءه بغير واسطة" (1) ، في نداء الرب سبحانه"
وتعالى له خصوصية إذ هو"دلالة على التعظيم والتنزيه والثناء الحسن، فيزول معنى الأمر"
.(ويتمحض التعظيم والإجلال ويحمل على معنى الدعاء (2
ومن الحذف ما كان الحذف فيه لتناسب اللفظ مع المعنى والحالة النفسية في موقعين متماثلين
يشكلان ظاهرة لفتت انتباه أغلب العلماء الذين تناولوا سورة الكهف بالتفسير والدراسة وقد اتفق
رأي الباحث مع بعضها ومال إلى رأي آخر في غيرها، وهذا ما نجده في ق وله تعالى:
.سَأُنَبِّئُكَ ِبَتأْ ِ وي ِ ل مَا َلمْ َتسَْتطِع عََّليْهِ صَبْرًا. [78] ، وفي قوله تعالى:. َ ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا َلمْ َتسْطِع
عََّليْهِ صَبْرًا. [82] ، لقد سبق و تناولنا الآيتين السابقتين بالدراسة المقطعية الصوتية وقد ظهر أثر
الحذف لحرف التاء في (تسطع) على التشكل المقطعي، مما أظهر هدوء نفسية موسى عليه
السلام عندما علم الحقيقة وبين له تأويل الأحداث. وقد أورد في هذا النص الدكت ور ع ودة الله
القيسي آراءً ومن ضمنها هذا الرأي بالإضافة إلى ربط الجانب البنيوي وعدد الكلمات مع الفعل
المحذوف وأحداث عملية توازن بين العبارتين. أما الربط النفسي الذي مال إليه الباحث فيقول"إن"
موسى (عليه السلام) كان قبل أن يفسر له العبد الصالح أسباب ما قام به من أحداث غير قادر
على الصبر، فكان نطق الكلمة الدالة على ذلك بكامل حروفها لتعبر تعبيرًا واضحا عن حالته
.1) عطية، مختار: الإيجاز في كلام العرب ونص الإعجاز، ص 277)
، 2) مصطفى، محمود السيد حسن: الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم، ط 1، الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1981)
.ص 329
النفسية، وتكون صيغتها موازية لحالة عدم القدرة على الصبر، وأما بعد أن فسر له الرجل
الصالح، أصبح موسى (عليه السلام) في حال قدرة على الصبر، فلم يعد ما يدعو إلى تأكيد
المعنى الأول باللفظ بعد أن زال أثر المفاجأة عن موسى (عليه السلام) ، فكان أقل لفظ كاف يً ا
.(للتعبير عن الحال (1
وفي صيغة مماثلة في تكرار الكلمات وصيغ الحذف في قوله تعالى:.َفمَا اسْ َ طاعُوا أَن
يَظْهَرُوهُ وَمَا اسَْت َ طاعُوا لَهُ نَقْبًا. [97] ، فالحذف في (اسطاعوا) يعود إلى عدة منا ٍ ح منها
التركيبية وأخرى التوافق المعنوي وكلها مجتمعة تشكل حلقة من حلقات الإعجاز القرآني
وجماليات البناء الفني فيه، فالحذف خفف في اللفظ فكان ذلك ملائما لطبيعة الفعل المتعلق به،
فنقب الردم أصعب من أن يظهروه ولذلك كان اللفظ الأثقل مع الفعل الأثقل والأخف مع الأخف.
هذا من جانب والمفعول به مع الفعل اسطاعوا أي المخفف بالحذف يتشكل من المصدر المؤول
(أن يظهروه) وهو طويل بالنسبة للمفعول به للفعل استطاعوا (نقبا) ، ولذا كان الفعل المخفف
بالحذف مع المفعول الذي يتسم بالطول، والفعل الذي جاء على أصله مع المفعول الذي يتسم
.(بالقصر، فشكل هذا التنوع في الصياغة للفعل توازنًا بنيويا(2
ومن حذف كلمة:
قد يحذف من الجملة أحد ركنيها الأساسيين المسند أو المسند إليه أو أسم فضلة، وليس لسبب
تقتضيه قواعد اللغة المعيارية ليشكل ذلك ظاهرة في اختيار الأسلوب ليوصل المعنى بطريقة
الأديب الخاصة، ومن الحذف الاختياري في قوله تعالى:.الْحَمْدُ لِلَّ ه. [1] ، في الجملة الحمد
مبتدأ، خبره محذوف جوازا. وهذا المثال على الحذف يؤكد ما ذهب إليه الإمام عبد القاهر
الجرجاني بأن تقدير المحذوف قد يقلل من بلاغة التعبير، فلو قدر خبر كائن أ و موج ود أو
حاصل أو خاص، أو أي تقدير محدد لم يعط الدلالة التامة، فالحمد لله في كل وقت وحال ولذا
فإن تقدير للمحذوف قد لا يكون مقبولا في مثل هذا المقام فيفسد مذاق العبارة.
.1416، ص 98 - 1) القيسي، عودة الله: سر الإعجاز في القرآن الكريم، ط 1، عمان: دار البشير، 1996)
.2) ينظر المرجع السابق، ص 100)
ومن الحذف للكلمة ما في قوله سبحانه وتعالى:.لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ
الْمُؤْمِنِينَ. [2] . الفعل ينذر ينصب مفعولين ولكن حذف أحدهما على أن المقصودين في الإنذار
هم الكفار، ولكن لقلة شأنهم وهوانهم واستكراها لذكرهم حذف اللفظ الدال عليهم، وعلى العكس
فان مع التبشير ظهر (المؤمنون) ، وفي موازنة جمالية تنجلي لنا معالمها وإشاراتها في المقارنة
بين (بأسا شديدا) و (أن لهم أجرًا حسنا) ، فإن التلميح والأسلوب الإشاري يعطي متعة للتعبير، فلم
يصرح بذكر النار والجنة بل بالإشارة إليهما بأوصاف تنم عنهما وهذا وإن لم يكن من الحذف
فإنه مما يعمل الذهن في الوصول إلى المشار إليه وهذا ما يسمى إيحائية اللغة. ولحذف المُن َذر
في هذه الآية فائدتان: الأولى أنه"بذلك يعم جميع أصناف المتمردين المخالفين في أي صورة من"
صور الخلاف والتمرد، والثانية أنه يعف عن ذكرهم ويترفع عن النطق بصفتهم تصونا وتنزه ًا
.(عنهم وإهما ً لا وتحقيرًا لهم"(1"
والحذف للمفعول به على الرغم من شدة الحاجة إليه له خصوصية تتجلى؛ إذ كما ذكر
الجرجاني"فإن الحاجة إليه أمس، وهو إلى ما نحن بصدده أخص، واللطائف فيه أكثر، ومما"
يظهر بسببه من الحسن والرونق أعجب وأظهر" (2) ، إن مما استكره لفظه فحذف ما في ق وله"
تعالى:.إِن يَُقوُلونَ إِلا كَذِبًا. [5] ، (فكذبا) وصف لمحذوف وتقديره قولا كذبا، ولأن ق ولهم
منكر، والقول المنكر لا يستحق الذكر فحذف، فجاء وصف له ليدل عليه، ومثل ذلك يتكرر في
قوله سبحانه وتعالى:.رَبَُّنا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْ ِ ض َلن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إَِلهًا َلَقدْ ُقلَْنا إِذًا
َ ش َ ططً ا. [14] ، أي لقد قلنا قولا شططا فحذف الموصوف وهو قو ً لا- أي أن يدع و غير الله
استكراهًا لذكر الآلهة أو الإشارة إليها بلفظ.
وفي قوله سبحانه وتعالى حذف الفاعل:. َ كبُرَتْ َ كلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَُقوُلونَ إِلا
كَذِبًا. [5] ، فنصبت كلمة على التمييز وحذف المسند إليه وهو الفاعل للفعل َ كبُرت؛ ولأن تلك
الكلمة أي ادعاؤهم بأنّ الله اتخذ ولدا كلمة منكرة فحذفت من السياق، فحسن التخلص من ذكر
كلمة مكروه ذكرها وشكل التركيب أسلوبا لافتًا في أسلوب التعجب من نصب (كلمة) .
.1) المدني، محمد: القصص الهادف كما نراه في سورة الكهف، ص 49)
.2004، ص 153 - 2) الجرجاني، عبد القاهر: دلائل الإعجاز، ط 5، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1424)
ولتكرار ظاهرة الحذف مع أسلوب المدح والذم في سورة الكهف، جعل للنص الأدبي
خصوصية أو نحوا خاصا لا يخرج عن قواعد اللغة الأصلية ومثل ذلك في قوله تعالى:.ِبئْسَ
لِلظَّالِمِينَ بَدَ ً لا. [50] ؛ أي بئس إبليس للظالمين بدلا فحذف لفظ إبليس وذريته احتقارا لهم وتقليلا
لشأنهم.
ومما كان فيه الحذف لسر ينكشف من خلال السرد، وهو أسل وب يدفع بالمتلقي لزيادة
الانتباه، ما جاء في قوله تعالى:.وَ َ ك َ ذلِكَ بَعَثَْناهُمْ لِيََتسَاءُلوا بَيَْنهُمْ َقالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ َ كمْ
َلبِثُْتمْ. [19] ، فقد حذف التمييز بعد كم الاستفهامية، ويقدر كم يوما أو سنة أو شهرا أو غير ذلك،
والمسألة لها وجهان: الأول أن السائل لم يكن متأكدا مما حصل معهم والمدة التي استغرقوها في
نومهم؛ فهيئتهم توحي بشيء وفي إحساسهم شيء آخر، والوجه الثاني أن الله سبحانه وتع الى
أراد في هذا القصص أن يركز انتباه البشر إلى حقيقة الأيمان وأهله (إنهم فتية آمنوا بربهم) ، لا
بما قد يكون من أمر ثانوي كما حصل مع الكفار فيسألون عن الأمور الجانبية في القصة
وينسون الجوهر والحقيقة.
وتكرر أسلوب الحذف في قوله تعالى:.وُق ِ ل الْحَقُّ مِن رَّبِّ ُ كمْ َفمَن َ شاء َفلْيُؤْمِن ومَن َ شاء
َفلْيَكُْفرْ إِنَّا أَعَْتدَْنا لِلظَّالِمِينَ َنارًا أَحَا َ ط ِب ِ همْ سُرَادُِقهَا وإِن يَسَْتغِيُثوا يُ َ غاُثوا ِبمَاء َ كالْمُهْ ِ ل يَشْ وي
الْوجُوهَ ِبئْسَ الشَّرَابُ وسَاءتْ مُرَْتَفقا. [29] ، فقد تم الحذف في (بئس الشراب) والتقدير بئس
الشراب ماء جهنم الذي كالمهل، فمن جانب دل السياق عليه ومن جانب آخر هو من الأم ور
المستكره ذكره، وهذا ما نلاحظه في قوله تعالى:.وسَاءتْ مُرَْتَفقا. [29] ، فقد حذف فيه الفاعل
للفعل ساءت وهي جهنم. فتكرر حذف جهنم، فشكل بذلك تكرارا له في النص لطائفه.
، [ومن الحذف لعدم التكرار ما بظهر في قوله سبحانه وتعالى:.أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع. [26
والأصل في التركيب وأسمع به مع تكرار حرف الجر الزائد مع الضمير الفاعل وبما أنه قد
سبق ذكره والسياق دال عليه، فيكون الحذف أولى، ويخلق نوعا من التنوع والتغير والإيجاز
وهذا مطلب بلاغي جميل.