الصفحة 38 من 61

ومما حذف منه الفعل ما جاء في قوله تعالى:.وَعُرِضُوا عََلى رَبِّكَ صَّفًا لََّقدْ ِ جئُْتمُوَنا َ كمَا

، (َ خَلقَْنا ُ كمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. [48] ،(فلقد جئتمونا) يحتاج إلى إضمار فعل، أي فقيل لهم لقد جئتمونا"(1"

فيحذف لدلالة السياق عليه دون ذكره.

ومن الاكتفاء بالمذكور في قوله تعالى على لسان ذي القرنين:.َقالَ مَ ا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي

خَيْرٌ. [95] ، وأصل التعبير خير من خرجكم، بداية تقدم القوم بعرض أن يجعلوا لذي القرنين

خرجا مقابل أن يمنع أذى الآخرين عنهم، ولكن ذا القرنين، الرجل المؤمن، أراد ما عند الله

واكتفى به فوقف عند خير ولم يتعد إلى ما عند الناس، فما كان بعيدا عن قلبه ابتعد عن لسانه.

والمسند إليه على أهميته في الجملة إلا أنه يمكن أن يحذف، ففي قوله تعالى:.سَيَُ قوُلونَ

ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ويَُقوُلونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا ِبالْ َ غيْ ِ ب ويَُقوُلونَ سَبْعَةٌ وَثامُِنهُمْ كَلْبُهُمْ

ُقل رَّبِّي أَعَْلمُ ِبعِدَّتِ ِ هم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ َفلا ُتمَا ِ ر فِي ِ همْ إِلا مِرَاء َ ظاهِرًا ولا َتسَْتفْتِ فِي ِ هم مِّنْهُمْ

أَحَدًا. [22] ، أي يقولون هم ثلاثة، هم خمسة، هم سبعة، فالحذف هنا من باب ما يسمى الاحتراز

من العبث (2) ، ويكون"بترك ما لا ضرورة لذكره، وذلك يكسب الكلام قوة وجمالا" (3) ، فالقرينة

تدل على المحذوف ولذا يكون ظهوره عبثا ويقلل من قيمة العبارة بلاغيًا.

ومن الحذف ما كان لصرف الانتباه عنه كما في قوله تعالى:.وََلبُِثوا فِي َ كهْفِهِمْ َثَلا َ ث مِائَةٍ

سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا. [25] ، لقد اختلف الناس في العدد (تسعا) هذه أهي يوم أم شهر أم سنة أم

ماذا؟. ولماذا ظلت مبهمة داخل السياق وحذف تمييز العدد. وقد دخل كثير من العلماء في جدل،

ولكن المتمعن في القصة وأسلوبها والغاية منها يدرك السبب في حذف التمييز؛ لأن العبرة ليست

في المحذوف بل بالبعد الإيماني الذي هو جوهر القصة، ولذا على هذا البعد يك ون التركيز

وينصب الاهتمام.

.1) مطلوب، أحمد: أساليب بلاغية، ط 1، الكويت: وكالة المطبوعات، 1980، ص 215)

2)عتيق، عبد العزيز: علم المعاني. القاهرة: دار النهضة المصرية، 1974، ص 134)

.3) مطلوب، أحمد: أساليب بلاغية، 1980، ص 161)

ومن لطائف ما جاء به الحذف للتنوين ما في قوله تعال ى:.َقالَ هَ َ ذا فِرَا ُ ق بَيْنِي

وَبَيْنِكَ. [78] ، فمن خلال الحركة الإعرابية يتبين لنا أن كلمة فراق جاءت غير منونة، وهي

نكرة مما يدل على أنها مضافة وعلى هذا أجمع أغلب العلماء. فقدروها هذا فراق ما بيني

وبينك (1) . والفرق بين الحالتين؛ مع التنوين أو بغيره؛ شاسع فلو كان مع التنوين هذا فراقٌ، لفهم

أن آخر شيء سيكون بينهما هو الفراق فقطع بالأمر، ولكن القضية كانت غير ذلك و أبعد.

فالعبد الصالح لا يريد أن يقطع الحديث والمسير مع موسى دون تأويل لما حدث، ولذلك تابع

الحديث وأوقف المسير ليوضح لموسى (عليه السلام) ما خفي عليه من أحداث، وهذا بالفعل ما

حصل. فالمسألة بلاغيا لا تنتهي عند حد التخريج النحوي بل تتعداه لتفسر وتكشف أسرار

التراكيب ليتبدى أمامنا الجمال الفني الأدبي.

ومن حذف الصفة والبقاء على الموصوف ما ورد في قوله تعالى:.وَ َ كانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ

يَأْ ُ خُذ ُ كلَّ سَفِيَنةٍ غَصْبًا. [79] ؛ أي كل سفينة صالحة ولذا كان خرقها إنقاذًا لها من الملك. و

تتبين ما يمكن أن يحققه الحذف في العبارة السابقة، يمكن أن نكشفه في إجراء أسلوبي استبدالي،

وهو العودة بالمحذوف، كلمة صالحة، مما يفقد العبارة رونقها اللفظي ويعطيها طولا، كما يفقدها

عمق الربط المعنوي والبحث في أسرار القصة القائمة في أغلبها على المفاجآت.

ومن حذف الصفة ليسبل على الموقف جوا من الرهبة وما يشعر بالخطر في قوله سبحانه

وتعالى:.َفلا ُنقِيمُ َلهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا. [105] ، أي وزنا نافعا، ينتفعون به في ي ومهم هذا،

فذكر الموصوف (وزنا) وحذف الصفة.

-حذف الجملة:

ويتسع باب الحذف ليشمل جملة بذاتها، وهذا أدعى للبحث والكشف والتأمل، فمما كان

الحذف فيه جملة تامة، في قوله تعالى:.َلَقدْ ُقلَْنا إِذًا شَطَطًا. [14] ، وأصل التركيب اللغوي أنهم

(الفتية) إذا قالوا أن هنالك إله غير الله- وهذا ما لن يرضوا به- فكلامهم شطط وابتعاد عن

.1999، ص 33 - 1) الأنصاري، ابن هشام: رسالتان في لغة القرآن، تحقيق صاحب أبو جناح، عمان: دار الفكر، 1419)

الحق والحقيقة" (1) . فما رفضوه فعلا وعلى أرض الواقع حذفوه أيضا من كلامهم. والسر في"

حذف جملة في أسلوب الشرط"أنهما لما ارتبطت إحدى الجملتين بالأخرى حتى صارا جملة"

.(واحدة أوجب ذلك لها فضلا وطولا، فخفف بالحذف، خصوصًا مع الدلالة على ذلك"(2"

ومما تكرر حذفه العامل الناصب في قوله تعالى:.وَيَوْمَ ُنسَيِّرُ الْ ِ جبَالَ. [47] ، وفي قوله

تعالى:.وَيَوْمَ يَُقولُ َنادُوا ُ شرَكَائِيَ. [52] . على تقدير فعل محذوف تقديره (اذكر) يوم، وبما أن

ذكر الفعل وحذفه يتساويان، فيكون الحذف أولى وأجمل ويحقق منحى بلاغيا. وإعادة المحذوف

أيضا تقلل من تأثير أسلوب التنكير الذي تكرر مرتين مع كلمة (يوم) وما يعط ي من ظلال

الهيبة والهول العظيم غير المعروف حدوده، فالتقديم بكلمة يوم وحذف العامل فيها يسلط الضوء

على مركز الجملة المتعلق بالبعث وهو من القضايا الرئيسة في السورة، ويلاحظ ذلك في باب

الصورة الفنية وعلاقتها في العنصر الزماني والمكاني.

ومن الحذف لجزء من القصة فيدل عليه المذكور في السرد، فلا يقتصر أسلوب الحذف على

المفردات بل يتجاوز ذلك إلى التشكيل العام للسرد القصصي، إذ من جماليات السرد أن يفضي

بعضه إلى بعض وتتواصل ظلاله فيدرك المتلقي أبعادا في القصة ذكرها يك ون في ه خف وت

للإيحاء اللغوي والأسلوبي، والوصول إلى هذا المستوى في التركيب يكشف جوانب من الوحدة

الموضوعية داخل النص الأدبي، ومثل هذا الحذف كثير في سورة الكهف يمثل البعد القصصي

جزءًا هامًا فيه، نتبين تلك الأهمية من خلال الأمثلة التالية:

يميل السرد أحيانا إلى الاقتضاب في الأحداث التي تعد من باب تحصيل حاصل وتدل

الأحداث الداخلة في السرد على المقتضب، وبذلك يعطي النص الأدبي مجالا للمتلقي بأن يشارك

وينفعل مع الحدث، ومثل ذلك في قوله تعالى:.إِذْ أَوى الْفِتْيَ ُ ة إَِلى الْ َ كهْفِ فَقَاُلوا رَبََّنا آتَِنا مِن

لَّدُنكَ رَحْمَ ً ة وهَيِّئْ َلَنا مِنْ أَمْ ِ رَنا رَشَدًا {10} َفضَرَبَْنا عََلى آذَانِ ِ همْ فِي الْ َ كهْفِ سِنِينَ عَدَدًا {11} ُثمَّ

بَعَثَْناهُمْ لَِنعَْلمَ أَيُّ الْحِزْبَيْ ِ ن أَحْصَى لِمَا لَبُِثوا أَمَدًا. [12] ، فمن خلال المتابعة للحدث نلاحظ سرعة

.34 - 1965، ص 33 - 1) ينظر الشنقيطي، محمد الأمين: أضواء البيان في إيضاح القرآن، 1384)

-2) عامر، فتحي: فكرة النظم بين وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1395)

.1975، ص 196

الحدث والانتقال واختزال الزمن في آيتين اثنتين ما بين الضرب على آذانهم وبعثهم من نومهم،

علمًا أنه قد مضى عليهم سنوات طويلة، وأحداث تعاقبت. يبدأ الخيال البشري في حركة طويلة

للوصول إلى ذلك الزمن الذي ظل في مكنون الحدث والقصة. ومما يظهر جمالية هذا العرض

السريع التفصيل الذي أردف القصة فعرض القصة بتفصيل، ومع هذا فيها اختصار والتن وع

الأسلوبي الذي تم فيه عرض القصة يدل على قدرة وتمكن، فمهما كان أسلوب العرض فتكتمل

معالم القصة ويتجلى مغزاها.

وأحداث قصة موسى (عليه السلام) مع العبد الصالح على طولها الظاهر فانه فيها اختصار

في الزمان والمكان والحدث. وكانت اللغة في النص تغني عن ذكر المحذوف منها في ق وله

سبحانه وتعالى:.َفان َ طَلَقا حَتَّى إِ َ ذا رَكِبَا فِي السَّفِيَنةِ َ خرََقهَا. [71] ،.َفان َ طَلَقا حَتَّى إِ َ ذا َلقِيَا ُ غَلامًا

َفَقَتَله. ُ [74] ، و:.َفان َ طَلَقا حَتَّى إِ َ ذا أََتيَا أَهْلَ َقرْيَةٍ اسَْتطْعَمَا أَهَْلهَا َفأَبَوا أَن يُضَيُِّ فوهُمَا َفوجَدَا

فِيهَا ِ جدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ. [77] ، فكانت العبارة التي تكررت (فانطلقا حتى إذا) ، فشكل

التكرار اللغوي ظاهرة أسلوبية عملت على الربط بين أحداث القصة وتسلسلها، علمًا أن بين كل

مرحلة وأخرى قد تمر أحداث، ولكن ليست في نفس الأهمية التي ينكشف فيها حبكة القصة

ومغزاها.

ومثل ذلك في قصة ذي القرنين في اختصار الزمان والمكان والحدث والتركيز على

الأحداث المهمة الدالة على مغزى القصة. فشكل التركيب اللغوي المتكرر ظاهرة أسلوبية في

القصتين المتتابعتين. فبين كل انتقال من حدث هام ذي مغزى وآخر (فأتبع سببا) يتبعه الحدث

(حتى إذا بلغ) فيتم السرد للحدث مكتملا بحوارياته ومجرياته، وهناك أحداث أخرى ولكن لا تهم

في السرد فتحذف فلا يشعر السامع بقطع للحدث عبر انتقاله المعتاد والمتوقع عبر اللغة

المتكررة.

واكتفى ذو القرنين بما أعطاه الله من القوة والخير، واثق بما عند الله، فيذكر فض ل الله

ويحذف من ذهنه ونفسه ومن كلامه ما دون ذلك، قال تعالى:.َقالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ

َفأَعِيُنونِي ِبُقوَّةٍ أَجْعَلْ بَيَْن ُ كمْ وَبَيَْنهُمْ رَدْما. [95] . أي خير مما تريدون أن تقدموه بصرف النظر

عن ماهيته.

وفي مجال القصة في سورة الكهف خاصة وفي القصص القرآني المكي عامة، يلاحظ

سمات متكررة من حيث"الجرس والرنين الصوتي والفقرات القصيرة، وذلك لأن عاطفة النبي"

(عليه السلام) كانت في ذلك الطور قوية جياشة مندفعة، ومن هنا كانت الانتقالات الفجائية

.(السريعة التي تظهر في القصة القرآنية أو مجموعة القصص في السورة (1

نتبين أن في الحذف اختصارا واقتصادا في الجملة مع القدرة على التبليغ بصورة سليمة،

وصيانة الجملة من الترهل أو ما عُرف بالاحتراز من العبث، وتحقيق التناغم والإيقاع على أكثر

من مستوى. أما المستوى المعنوي فقد توافق الحذف مع الحالة النفسية والطبيعة البشرية في

إسقاط اللفظ الذي سقط معناه من النفس"وإثارة الفكر والحس بالتعويل على النفس في إدراك"

.(المعنى"(2"

الاستفهام:

الاستفهام نمط تركيبي من الجمل الإنشائية الطلبية، فهو طلب العلم عن شيء لم يكن معلوما

أص ً لا، أي هو"استخبار وطلب من الخاطب أن يخبر أو يفهم عن شيء لم يكن معل ومًا بأداة"

خاصة" (3) . وأدوات الاستفهام منها الأسماء والحروف والظر وف وقد تتنا وب الأدوات في"

الاستعمال لتضمن بعضها معنى بعض.

والاستفهام أحد الأساليب التي تدخل في باب علم المعاني، و لها وقع خاص في النص

الأدبي على مستوى المبدع والمتلقي؛ وذلك لتحرك هذا الأسلوب بين معا ٍ ن سياقية مختلفة تكشفها

بعض السياقات وطبيعة المرسل حينًا والمتلقي والرسالة في أحيان أخرى، فتعدل عن معنى

.1) خلف الله، محمد أحمد: الفن القصصي في القرآن الكريم، ط 3، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1965، ص 304)

.2) أبو موسى، محمد: خصائص التراكيب، ط 2، مصر: مكتبة وهبة، ص 118)

3)الجرجاني، عبد القاهر: دلائل الإعجاز، ط 4،ص 108. وانظر عبد العزيز، عتيق: علم المعاني. بيروت: دار النهضة)

.العربية، 1974، ص 96

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت