الصفحة 39 من 61

مألوف إلى معان يفرضها السياق، في مستويات العمل الأدبي المتباينة، بالإضافة إلى التنوع في

الأساليب مما يضفي قيم جمالية، ففي التنوع الأسلوبي جمال متحقق"كما يحدث الاستفهام تنوعا"

من ذاته وبذاته وذلك لتنوع أدواته والمعاني التي يفيدها مما يبعد النص الأدبي عن النمطية

والرتابة التي تذهب برونق العمل الأدبي. بالإضافة إلى ما يقتضيه أسلوب الحوار بين الأنبياء

.(وأقوامهم للإقامة الحجة والإقناع وامتزجت بالنصيحة في كثير من الأحيان"(1"

اللغة الوظيفية تستخدم الأساليب اللغوية على أساسها المعياري المباشر، فيكون المعنى من

هذا الأسلوب أو تلك العبارة ما اتفق عليه المستخدمون لتلك اللغة، أما عندما تدخل تلك الأساليب

إلى عالم التجربة الأدبية فإنها تكتسي بدلالات ومعا ٍ ن جديدة تخرج بها من تلك النص وص،

فتظهر النصوص الأدبية بحلى جديدة.

والاستفهام يخرج عن مفهومه الأصلي إلى معا ٍ ن أخرى ليحقق أغراضًا بلاغية، كالتقرير

والتعجب، والنفي، والإنكار، والتهديد، وهنالك أغراض أخرى غير ما ذكر علما ء البلاغة،

ظهرت من خلال العرض سورة الكهف نتبينها في حينها بإذن الله.

ومما يفيده الاستفهام:

-1 الاستدراك:

طبيعة الاستفهام قد تأتي للتنبيه أو الاستدراك على أمر يظن به شيء والحقيقة شيء آخر،

قال تعالى:.أَمْ حَسِبْ َ ت أَنَّ أَصْحَابَ الْ َ كهْفِ وَالرَّقِي ِ م كَاُنوا مِنْ آيَاتَِنا عَجَبً ا. [9] ، لقد تباينت

الأقوال في المعنى الذي أفاده الاستفهام في هذه الآية، مابين الإنكار والتنبيه والنفي، على أن

معنى الاستفهام في هذه الآية أقرب ما يكون إلى الإنكار"أم عطف على معنى الاستفهام في لعلك"

بمعنى إنكار ذلك على النبي؛ أي لا يعظم ذلك عليك كما عظمه السائلون من الكفرة" (2) . ومما"

، 1) مصطفى، محمود السيد: الإعجاز اللغوي في القصة القرآنية، ط 1، الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1981)

.ص 253

2)القرطبي، أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن. القاهرة: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر،)

.ج 10، ص 356، وينظر محمد المدني: القصص الهادف كما نراه في سورة الكهف، ص 57

يجعل الإنكار أقربها، أن السورة طابعها العام يميل إلى أسلوب التعليم الذي يتبع سبلا متعددة من

إرشاد وتوجيه، ونهي وإنكار وغير ذلك مما يفيد المتعلم.

-2 الإنكار:

من المواقف التي تكرر بها أسلوب الإنكار، ما كان من شأن موسى والعبد الصالح، فه و

موقف تعليم من نوع خاص، قد لا يتكرر، يستغرب موسى من أغلب ما يرى من فعل الخضر

(عليه السلام) لعدم معرفة بالأسرار الخفية، ومثل ذلك ما نجده في قوله تعالى:.َقالَ أََقَتلْ َ ت َنفْسًا

. [زَكِيَّ ً ة بِ َ غيْرِ َنفْسٍ. [74] . وفي قوله تعالى:.أَ َ خرَقَْتهَا لُِتغْرِ َ ق أَهَْلهَا َلَقدْ جِئْ َ ت َ شيْئًا إِمْرًا.[71

ومن الإنكار الذي هو من باب الرحمة بالرسول (صلى الله عليه وسلم) في ق وله تعالى:

.َفَلعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عََلى آثَا ِ رهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمُِنوا ِبهَ َ ذا الْحَدِيثِ أَسَفًا. [6] ، فالرس ول لشدة حبه

للبشر عامة، كان يحزن الحزن الشديد على حال الكافرين، حتى أنه أوشك أن يهلك نفسه لجهلهم

وعنادهم لما يدعوهم إليه؛ فأراد الله أن يخفف عليه بهذا الأسلوب المؤثر والذي يلفت انتباه

سامعه.

ومما فيه الاستفهام بالتلميح لا بالتصريح، على لسان موسى (عليه السلام) في قوله تعالى:

.َقالَ َلو شِئْ َ ت َلاتَّ َ خذْ َ ت عََليْهِ أَجْرًا. [77] ، الآية تخلو من صيغة السؤال المباشر، ولكنه حقيقة

سؤال غير مباشر؛ ولذا فالعبد الصالح وحسب الوعد أي إذا سأله للمرة الثالثة س وف يتركه،

وهذا ما حصل، فكان نتيجة لاعتراضه عليه وإنكاره لما أقدم عليه من عمل.

-3 التعجب:

حال الفتية عندما بعثهم الله كان مدعاة للعجب، فظهر ذلك في قوله تعالى:.قال قائل منهم

كم لبثتم. [19] ، السؤال في هذه الآية يحمل معنى التعجب ولفت انتباه (1) ،فالفتية كان وا بين

حالتين: ظاهر أمام أعينهم، من تحول كبير في الطبيعة المنظورة أمامهم، متمثلة في هيئتهم

والكلب الذي كان معهم، ونفسية لم تتأثر بالزمن على حقيقته، كان ذلك مصدر الاستغراب

،[والعجب. ومن الاستفهام الذي يفيد التعجب أيضا، في قوله تعالى:.أكفرت بالذي خلقك. [37

.1) المدني، محمد: القصص الهادف كما نراه في سورة الكهف، ص 101)

"لأن كفر المرء بخالق نفسه منشأ التعجب ومثار العجب" (1) . فالتعجب لأن الرج ل يعرف الله

وكفر به وبقدرته وحكمته في الخلق، وهو إنكار عليه أيضا لسوء فعله.

ومن الاستفهام الإنكاري التعجبي في قوله تعالى:.و َ كيْ َ ف تَصْبِرُ عََلى مَا َلمْ ُتحِطْ بِهِ

ُ خبْرًا. [68] ، إنّ معرفة العبد الصالح لطبيعة الطلب الذي أقدم عليه موسى (عليه السلام) ، جعله

يبادره بالسؤال الذي فيه إنكار عليه بأن يحتمل ما يمكن أن يواجه في هذه الرحلة، فلن يستطيع

أن يصبر، فإذا كان من باب الإنكار ما يكشف عنه الاستفهام فإن التنبيه وضرورة التيقظ كان

الهدف والغاية من وراء ذلك.

-4 النفي:

لقد تعددت وسائل النفي في السورة، فمنها النفي المباشر بأدوات النفي المتعارف عليها،

ومنها غير المباشرة كالاستفهام الذي تحمل الجملة فيه معنى ينكره العقل والفطرة السليمة. ومن

ذلك في قوله تعالى:.َفمَنْ أَظَْلمُ مِمَّ ِ ن افَْترَى عََلى اللَّهِ كَذِبًا. [15] ، فالكذب بحد ذاته تنكره

الشرائع والفطرة الإنسانية، والكذب على الله أشد ظلما وافتراء، وقد سماه الله افتراء، ته ويلا

لأمره، وإظهارا لبشاعته. ومثل ذلك نظما وأسلوبا في قوله تعالى:.وَمَنْ أَظَْلمُ مِمَّن ُذكِّرَ ِبآيَاتِ

.[رَبِّهِ َفأَعْرَضَ عَنْهَا وََنسِيَ مَا َقدَّمَتْ يَدَاهُ. [57

-5 التقرير:

طبيعة الاستفهام من تصديق أو طلب قد تختفي تحت ظلال السياق وتداعياته، فالعلم متحقق

بالنسبة للسائل ومعرفة المسئول عنه، ولذا لم يعد من باب الاستفهام على حقيقته في قوله تعالى:

.َقالَ أَرَأَيْ َ ت إِذْ أَوَيَْنا إَِلى الصَّخْرَةِ. [63] ، فالاستفهام في هذا السياق موجه من فتى موسى إلى

رفيقه في السفر المباشر معه في الأحداث، فلم يعد إذا مجال للاستفهام على حقيقته، وإنما أراد

أن يذكره ليكون ذلك مدخلا لافتًا لذكر أحداث القصة وبأسلوب لبق، فلا يثير رفيقه ولا يباغته،

كما لو جاء مباشرا فأخبره لقد نسيت الحوت، فإذا كان الاستفهام من باب التذكير بحقيقة غير

مختلف عليها، فذلك من باب التقرير وليس القصد منه حقيقة الاستفهام.

.1) ابن كمال باشا: أسرار النحو، تحقيق احمد حامد، عمان: منشورات دار الفكر، ص 302)

وتتابع الهمزة وظهورها مع أسلوب الاستفهام لتشكل بذلك نمطا أسلوبيا، وخاصة مع تتابعها

مع أنواع أخرى غير الاستفهامية، فالهمزة مفردة فيها ملمح صوتي ثقيل لطبيعة مخرجها وق وة

اندفاعها، ولذا كان لها أثر في قوله تعالى:.َقالَ أََلمْ أَُقلْ إِنَّكَ َلن َتسَْتطِيعَ مَعِي صَبْرًا. [72] ، وتبع

ذلك قوله تعالى:.َقالَ أََلمْ أَُقل لَّكَ إِنَّكَ َلن َتسَْتطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. [75] ، إن طبيعة العلم الذي وهبه

الله تعالى للعبد الصالح لا طاقة للبشر عليه، فأراد الله تعالى أن يعلم موسى عليه السلام دروسا

تكون للبشر من بعده، بأن علم الإنسان يظل ضمن حدود وقدرات لا يتجاوزها إلا بإذن من الله

وتوفيقه، فأشعر العبد الصالح موسى بثقل الأمر المقدم عليه بتلك الأص وات الثقيلة(الهمزة

المتكررة). وعلى هذا كان العبد الصالح ومنذ البداية على علم بأن موسى لن يستطيع أن يصبر

أمام ما لا طاقة له به من العلم المحجوب.

-6 التحسر والتفجع:

رافق الاستفهام حالة من الدهشة التي انتابت أهل المحشر تظهر في قوله تعالى:.وَوُضِعَ

الْكَِتابُ َفَترَى الْمُجْ ِ رمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَُقوُلونَ يَا وَيَْلَتَنا مَا ِ ل هَ َ ذا الْكَِتا ِ ب لا يُ َ غادِرُ صَغِيرَ ً ة وَلا

كَبِيرَ ً ة إِلا أَحْصَاهَا. [49] ، مما ظهر في هذه الآية من أساليب كالنداء والاستفهام والنفي، تتعاضد

فيما بينها لتظهر جوا من الألم والمصيبة التي لحقت بالمجرمين.

-7 التنديم:

يتوافق الاستفهام مع سياق فيه أمر محبوب فيشتاق السامع لمعرفته، ولكن إذا كان في أمر

غير محمودة عواقبه كما في قوله تعالى:.ُقلْ هَلْ ُننَبِّئُ ُ كمْ ِبالْأَخْسَ ِ رينَ أَعْمَا ً لا. [103] ، فإن شعورا

من الخوف والترقب يسيطر على السامع يجلل ذلك شعور بالندم إذا سمع المعني جواب السؤال،

وقد يندم الإنسان في الدنيا ويشعر بحسرة، وما زال الأمل أمامه، وباب الرجاء مفتوحا، ولكن ما

حال الذي يندم وقت لا ينفع الندم؟. ولكن الحسرة والندامة أفظع ما تكون بعد المفاجأة، فكل عمل

عملوه لا وزن له ولا اعتبار. ومنهم من عد الاستفهام بهل حسب حال المخاطب أنه خرج إلى

.(التشويق أو بمعنى ألا"(1"

-8 التقريع والتوبيخ:

إنّ من يعرف الحق ويميل عنه فيستحق من كانت تلك حاله التقريع والتوبيخ كما في قول ه

تعالى:.أَ َ كَفرْ َ ت ِبالَّذِي َ خَلَقكَ مِن ُترَا ٍ ب ُثمَّ مِن نُّطَْفةٍ ُثمَّ سَوَّاكَ رَجُ ً لا. [37] ، استفهام ت وبيخي

يحمل في طياته معنى التقريع (2) . بعد أن علم الإنسان عن خلقه وقدرة الله ونعمه عليه يكفر به

ويجحد نعمه.

-9 التودد:

وإظهار الود خلق يتحلى به الإنسان فيزيل الشوائب ويزيد الروابط ويؤكدها، ويك ون في

الأغلب من الأقل إلى الأرفع مقاما، كالمعلم (العبد الصالح) أو للسلطان المؤمن (ذي القرنيين) ،

كما يبدو في قوله تعالى:.َقالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عََلى أَن ُتعَلِّمَ ِ ن مِمَّا عُلِّمْ َ ت رُشْدًا. [66] ، وقد

بينا ذلك في الفصل السابق، ومن التودد أيضا، (هل) في قوله تعالى:.َفهَلْ نَجْعَلُ َلكَ خَرْجًا عََلى

أَن َتجْعَلَ بَيَْنَنا وبَيَْنهُمْ سَدًّا. [94] . فالاستفهام الذي للتصديق إما بالهمزة الثقيلة أو ب هل، وهل

أخف نطقا وألين جانبا وبالذات في مثل هذا السياق وهذا المقام.

-10 النهي:

الاستفهام بعد عرض الحقيقة ومعرفتها، لا يعود استفهاما على المفهوم الأصلي له، فإما أن

يكون من باب التحضيض أو النهي كما في قوله تعالى:.أََفَتتَّخُِذونَهُ وُذرِّيَّتَهُ أَولِيَاء مِن دُونِي

وهُمْ َل ُ كمْ عَدُو. [50] ، لقد سبق الاستفهامَ في هذه الآية عرض قصة إبليس مع آدم، و رفض ه أن

يأتمر بأمر الله، وناصب بني آدم العداء، فينكر الله على من والى إبليس، ومن خلال الاستفها م

يفهم معنى النهي. ومثل ذلك في قوله تعالى:.أََفحَسِبَ الَّذِينَ َ كَفرُوا أَن يَتَّخُِذوا عِبَادِي مِن دُونِي

1)ابن الجوزي: قرة العيون النواظر في الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، تحقيق: محمد السيد الصفطاوي، الإسكندرية:)

.منشأة المعارف، ص 204

.2) أبو زهرة، محمد: المعجزة الكبرى القرآن، ص 5)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت