فهرس الكتاب
أَولِيَاء إِنَّا أَعَْتدَْنا جَهَنَّمَ لِلَْ كافِ ِ رينَ ُنزُ ً لا. [102] ، فلا يقصد في الآية الاستفهام على حقيقته بل ه و
استنكار لفعلهم والحال تلك لهم.
الإفراد والجمع:
تشكل ظاهرة الإفراد والجمع في النص القرآني، في أغلب السور، ظاهرة أسلوبية تستدعي
الوقوف عندها، والمتأمل فيها يجد طرافة ومعاني تجلل النص الأدبي تنكشف من خلال دراسته،
وتتحقق من خلال الانسجام فيما بينها وبين النص الأدبي بشكل عام لطائف بلاغية.
من المتفق عليه اختلاف دلالة المفرد عن دلالة الجمع، ولكن النص القرآني ولحكمة
يقتضيها الاستعمال بشكل يتناسب مع المعنى والمقام، تتبادل الصيغ فيما بينهما، فيستخدم الجم ع
والمشار إليه (الدلالة) للمفرد، والعكس يكون مع المفرد، فيعدل عن الاستعمال الأصلي في اللغة
إلى ما يقتضيه السياق، فيشكل عنصر لفت انتباه المتلقي إلى ما وراء السياق الظاهري إلى
معاني المعاني.
وقد يحتاج الدارس لمعرفة أسرار هذا العدول إلى الخبرة والمعرفة والدراية بأسرار اللغة
"ومن هذا النوع ألفاظ يعدل عن استعمالها من غير دليل يقوم على العدول عنها، ولا يستفتى في"
ذلك إلا الذوق السليم" (1) . وقد جاء المفرد في سورة الكهف ليدل على معان متعددة منها:"
-1 التحقير:
إذا عد الكلام الكثير كلمة كما في قوله تعالى:. َ كبُرَتْ َ كلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِ ِ همْ. [5] ، فإن
كلامهم من سقط المتاع ما ذكر منه وما بقي، فالكلمة هنا تشمل عدة كلمات قالوها(اتخذ الله
ولدا)، فجاء التعبير عن الجمع بصيغة المفرد؛ تهوينًا وتحقيرا لشأن قائليها، وكأن كل كلامهم لا
يعدل كلمة.
(1) . ابن الأثير، ضياء الدين: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ج 1، ص 274
-2 نفي الجنس:
فالنفي أنواع، فمنه النفي للمفرد ليشمل الجمع، فنفي العوج في قوله تعالى:.وََلمْ يَجْعَل لَّهُ
عِوَجَا. [1] . نفي جنس العوج عن القرآن الكريم، فنفي القليل (المفرد) نفي للكثير أيضا.
ومن نفي الجنس ما يظهر في قوله تعالى:.كِلَْتا الْجَنََّتيْنِ آَتتْ أُ ُ كلَهَا وََلمْ َتظْلِمْ مِنْهُ
َ شيْئًا. [33] ، لقد بين الخلاف في استخدام كلمة (كلتا) على المعنى أم على اللفظ، واختلاف نح اة
البصرة والكوفة، ولكن من خلال البحث في هذه الآية وكما سيظهر في الفصل الثالث -التصوير
الفني- بأنها جنة واحدة ولكن لعظمها واتساعها تبدو عن الجهتين للناظر إليها وكأنها جنتا ن،
ومما يؤكد ذلك قوله (وهي خاوية على عروشها) ، وكثيرة هي الإشارات الدالة على هذا التوجه،
فإذا أخذنا بالرأي أنهما جنتان، فنفي الظلم عن واحدة يشمل الأخرى.
3 -العدول عن الجمع للخفة:
وقد يكون ذكر المفرد في السياق ألين عبارة وأخف مسلكا وأدق تعبيرا كما في قوله تعالى:
.وَ َ كانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْ ُ خُذ ُ كلَّ سَفِيَنةٍ غَصْبًا. [79] ، فكان الملك الظالم يأخذ السفن، ولكن لفظ
سفينة المفرد في هذا السياق أخف من الجمع سُُفن"فترك الجمع لثقله بتقارب مخارج حروفه وثقل"
.(تتابع الضمة"(1"
يعظم الله شأن المؤمن فيصبح كأنه أمة، ويقلل شأن جماعة لكفرها كما في قوله تعالى:.وإِذْ
ُقلَْنا لِلْمَلائِ َ كةِ اسْجُدُوا لآدَمَ َفسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ َفَفسَ َ ق عَنْ أَمْ ِ ر رَبِّهِ أََفَتتَّخُِ ذونَهُ
وُذرِّيَّتَهُ أَولِيَاء مِن دُونِي وهُمْ َل ُ كمْ عَدُو ِبئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَ ً لا. [50] ، إبليس وذريته وأعوانه أعداء
للمؤمنين، اللفظ الدال عليهم جاء على صيغة المفرد علما أن عددهم كثير، فعدل عن صيغة
الجمع إلى المفرد"وذلك ليلفت انتباه المسلمين إلى أن أعداء الحق مهما تعددت مذاهبهم يلتق ون"
،1993 - 1) الخضري، محمد الأمين: الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ، ط 1، مصر: مطبعة الحسين الإسلامية، 1413)
.ص 85
ويلتفون حول هدف واحد هو القضاء على الحق وأهله" (1) . وكذلك فإن أمرهم كشيء واحد قليل"
هين على الله.
ومن العدول عن الجمع من باب الخفة لفظا، والتقليل من شأن المضلين لفظ (عضد) في
قوله تعالى:.مَا أَشْهَدتُّهُمْ َ خلْ َ ق السَّمَاواتِ والْأَرْ ِ ض وَلا َ خلْ َ ق أَنُفسِ ِ همْ ومَا كُن ُ ت مُتَّخِ َ ذ الْمُضِلِّينَ
عَضُدا. [51] ، السياق في هذه الآية كان عن المضلين فيقتضي التعبير بالجمع، ولكنه عدل عن
الجمع إلى المفرد ليحقق بذلك لطائف بلاغية وصوتية مما يشكل وحدة انسجام، ويظهره حتى في
الكلمة الواحدة من النص. فالمضلون على اختلاف توجهاتهم وكثرة عددهم فهم عند الله شأنهم
قليل"فأفرد العضد في مقام الجمع تهوينا من شأن هؤلاء المضلين، فهم مخلوقون ضعفاء لم"
يشهدهم الله خلق السماوات والأرض ول خلق أنفسهم، وكذلك ليلتقي التحقير بصيغة المفرد مع
النفي وذلك أدل على حقارتهم" (2) . ومن الناحية الصوتية فإن لفظ الجمع أعضادا فيه صع وبة"
وعدم انسجام. أما من حيث اللفظ فإن كلمة عضدا أخف على اللسان من أعضادا، ومحاولة اللفظ
بها تبين مدى صعوبتها بالمقارنة مع اللفظ المفرد. والفاصلة وحسب التشكيل المقطعي والصوتي
تكون مع المفرد أكثر ملاءمة من الجمع.
وتدل صيغة المفرد على تشابه الأمم السابقة في العذاب لتشابههم في الكفر، ويظهر مثل ذلك
في قوله تعالى:.ومَا مََنعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى ويَسَْتغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ
سُنَّ ُ ة الأَولِينَ أَو يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ ُقبُ ً لا. [55] ، لقد خص الله الأمم السابقة بعذاب يتناسب مع طبيعة
الإثم الذي كانوا يرتكبونه، فالعذاب مختلف ولكن التعبير عنه جاء بالمفرد ليدل على أن القاعدة
والميزان واحد، فعدل عن الجمع (سنن) إلى المفرد؛ لبيان تلك القاعدة الواحدة التي لم تتغير
قديما ولن تتغير لاحقا. ومثل ذلك في قوله تعالى:.الَّذِينَ َ كاَنتْ أَعْيُُنهُمْ فِي غِ َ طاء عَن
ذِكْ ِ ري. [101] ، الكافرون على اختلاف في بواعثهم ومذاهبهم فهم متماثلون في قل وبهم نتيجة
ضلالهم، وكأنهم جميعًا قد غطي على عيونهم بغطاء واحد فهم متماثلون ولا يبصرون شيئا.
.1) المرجع السابق، ص 63)
.2) نفسه، ص 48)
ومما عدل فيه عن لفظ جمعه إلى المفرد السعي المتصف بالضلال في قوله تعالى:.الَّذِينَ
ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. [104] ، الأعمال التي يقوم بها
الإنسان في حياته متعددة متنوعة، وكذلك سعيه ولكن الكافرين أعمالهم تتوحد في المصير فتحبط
أعمالهم، فلهوانها وقلة شأنها عادت شيئا واحدا في مصير واحد.
وعن تماثل الصورة وتوحد الجنس قال الله تعالى:.ووضِعَ الْكِتَابُ َفَترَى ا لْمُجْ ِ رمِينَ
مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ويَُقوُلونَ يَا ويَْلَتَنا مَا ِ ل هَ َ ذا الْكَِتا ِ ب. [49] . الكتاب الذي تسجل فيه أعمال الخلق
يخص كل إنسان كتابه، فيرى أعماله قد أحصيت له فيه، فعدل عن الجمع إلى المفرد
لأمرين، أحدهما التماثلية بين الكتب فكلها تتصف بالدقة والشمول في ضبط أعمال البشر،
والجانب الآخر صوتيا؛ فلفظ المفرد أخف من الجمع (ووضعت الكتب) .
-4 استغراق الجنس:
ومما أغنى مفرده عن ذكر جمعه لفظ البحر في قوله تعالى:.ُقل لَّو َ كانَ الْبَحْرُ مِدَادًا
لِّ َ كلِمَاتِ رَبِّي َلَنفِدَ الْبَحْرُ َقبْلَ أَن تَنَفدَ َ كلِمَا ُ ت رَبِّي وَلو ِ جئَْنا ِبمِثْلِهِ مَدَدًا. [109] . فالمقصود بالبحر
كل جنس البحار والمراد بالبحر الجنس (1) ، ومما يتعلق بالتصور الذهني والخبرات الخاصة
بالبشر لعظم البحر واتساعه يجعل الكلمة (البحر) تكون ملء السمع والبصر.
الجمع: ويفيد الجمع عدة معاني فمن المعاني منها:
-1 التعظيم:
ويُعدَلُ عن المفرد إلى الجمع وهو كثير فيما يختص بالذات الإلهية؛ إذ تدل صيغة الجمع
على التعظيم، وغالبا ما تكون على شكل ضمير المتكلم. ومن الأمثلة المتكررة في صيغة الجمع
قوله تعالى:.وَلَقدْ صَرَّفَْنا فِي هَ َ ذا الُْقرْآ ِ ن لِلنَّا ِ س مِن ُ كلِّ مَثَ ٍ ل و َ كانَ ا لإنسَانُ أَكَْثرَ شيء
، [جدلا. [54] ، وقوله تعالى:.وتِلْكَ الُْقرَى أَهَْلكَْناهُمْ َلمَّا َ ظَلمُوا وجَعَلَْنا لِمَهْلِكِ ِ هم موعِدً ا.[59
.1) الزمخشري: الكشاف، ج 2، ص 501)
فدلالة الجمع تضفي ظلالا من التعظيم والهيبة مع طبيعة الحدث (الهلاك) ، فتكرر الضمير ليزيد
من هول الموقف والتصور.
-2 الاختصاص:
تجمع حول كلمة (نحن) في قوله تعالى:.نَحْنُ نَُقصُّ عََليْكَ َنبَأَهُم بِالْحَقِّ. [13] ، أكثر من
ظاهرة لغوية أسلوبية، منها التقديم لضمير المتكلم الجمعي يدل على اختصاص الله بالعلم اليقين،
مع ما يظلل العبارة من صفة التعظيم، هذا بالإضافة إلى البنية التحويلية في الجملة من الفعلية
إلى الإسمية وما تشعر من سمة الثبات بعد ما ظهر من الاختصاص. ومثل ذلك قوله تعالى:.إِنَّا
جَعَلَْنا مَا عََلى الْأَرْ ِ ض ِ زيَنةً لَّهَا لِنَبُْلوهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَ ً لا {7} وإِنَّا لَجَاعُِلونَ مَا عََليْهَا صَ عِيدًا
جُرُزًا. [8] ، وفي قوله تعالى:.وتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وهُمْ رُُق ودٌ وُنقَلِّبُهُمْ َ ذا َ ت الْيَمِي ِ ن و َ ذا َ ت
الشِّمَا ِ ل. [18] ، الآيات السابقة متفقة باشتمالها على ضمير المتكلم الذي يعود على الله، والله واحد
أحد لا شريك له في الملك مختص في ملكه وعلمه ومشيئته، ويتلازم مع هذا الض مير العائد
ضمير دال على الجمع، مما يوحي ذلك التعظيم للذات الإلهية، والقدرة والتمكن، والاختصاص
بالعلم والرحمة.
3)التحسر والتنديم:
ما يسبب التحسر والتنديم يوم القيامة كثرة الأعمال المحبطة، فتتحول إلى أكوام بلا طائل أو
أدنى فائدة أمام أعين أصحابها وهم في أشد حاجتهم إليها، وتظهر صورة ذلك في قوله تعالى:
.ُقلْ هَلْ ُننَبِّئُ ُ كمْ ِبالْأَخْسَ ِ رينَ أَعْمَا ً لا. [103] ، فالأخسرين فيه أكثر من جانب في العد ول، مابين
صيغة الاشتقاق (خاسرين) أو (أخسرين) ولكن الصيغة المستخدمة أكثر إفادة للمبالغة
والتأثير"فزيادة الأعمال لم تزدهم إلا التنديم والحسرة على كثرة الأعمال الضائعة، فلو جاء على"
الأصل للتمييز لكان الأخسرين عملا" (1) ، فلا تشكل مع المفرد مثيرًا بل تكون أقل تأثيرا."
،1993 - 1) الخضري، محمد الأمين: الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ، ط 1،القاهرة: مطبعة الحسين الإسلامية، 1413)
.ص 132