الصفحة 41 من 61

-4 دقة التصوير:

ويقوم اللفظ بدور في بعث جوانب الصورة في دلالته وتعدده ومنه في قوله تعالى:.َفأَصْبَحَ

هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَ َ كانَ اللَّهُ عََلى ُ كلِّ َ شيْءٍ مُّقْتَدِرًا. [45] . الريح في اللغة على الأغلب فيه ا

العذاب والرياح فيها رحمة، أما هنا فإن الرياح خرجت عن أصلها في اللغة وعن الكثرة الغالبة

في الاستعمال إلى معنى آخر، فيه الألم الذي يتحقق من حركة الرياح، التي تهب عليهم من كل

صوب واتجاه فلا يستطيعون معها جمعا لثمرهم، ولا يتوقعونها من أي اتجاه تأتي؛ لكثرتها

واختلافها عليهم. كما يشعر التعدد في الصورة أحيانا بالتوسع مما يحدث عنصر المفاجأة من

خلال انتقال ألفاظها بين صيغ المفرد والجمع.

-دلالة جمع القلة وجمع الكثرة:

أما جمع القلة و جمع الكثرة فإن في صياغتهما ودلالتهما اللغوية ما يقتضي الاستعمال في

بعض الأحيان أو العدول عن صيغة إلى أخرى حسبما يقتضي الحال في أحيان أخرى. فجمع

القلة يدل على العدد من الجمع لا يزيد عن تسعة، فإن زاد فهو للكثرة، وقد استدل بعض علماء

التفسير على العدد الذي كان مبهما بصيغة الجمع المستعملة في قوله تعالى:.إَنهُم فِتي ُ ة آمَن وا

ِبرَِبهم. [13] ، والفتية جمع قلة، أي لا يزيد عن تسعة، وهذا ما أكده النص وعلماء التفسير، بأن

العدد لم يتجاوز الثمانية، فالتعبير لم يشر صراحة إلى العدد بل ألمح إليه من خلال الصيغة

المستعملة، وكان التعبير تلميحا متوافقا مع أسلوب القرآن في سورة الكهف، حيث التركيز على

جوهر الحدث، وهذا مما يؤكد أن لغة القرآن الكريم لغة أدبية جمالية بالإضافة إلى الدقة في نقل

الحقيقة ورصد الواقع.

ومن التعبير في جمع القلة ما جاء في قوله تعالى:.وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إَِليْكَ مِن كِتَا ِ ب رَبِّكَ َلا

مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وََلن َتجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا. [27] ، فالكلمات جمع قلة، والكلام جمع كثرة، فإذا كان

التبديل مستحيلا للقليل فإن ذلك أولى أن يستحيل مع الكثير، ومع صيغة كلماته يظهر أن النفي

للتبديل قد وقع على كل كلمة منفردة مستقلة، وهذا أظهر وأبلغ في الوصف؛ إذ مع الكلام الكثير

قد يتغيب بعضه في الكثرة الغالبة.

المفاجأة:

تتنوع التقنيات الأسلوبية المنتظمة في داخل النص الأدبي، وقد تتباين في مدى فاعليتها في

النص، فيكون لبعضها ظهور بارز أكثر من غيرها، وتتفاوت فيما بينها بقدرة التأثير على

المستوى البنيوي للنص الأدبي، والقدرة على جذب المتلقي وتشويقه وحتى إشراكه في فعاليات

النص، وأسلوب المفاجأة أو الدهشة يبقى له حضوره الأكثر بروزا؛ لطبيعة المفاجأ ة الفاعلة

والمؤثرة، وما تحتل من مواقع متعددة و متميزة، وما تحدث من أثر في النص الأدبي وفي نفس

المتلقي؛ وقد عبر الجرجاني في دلائل الإعجاز فيما يقارب المفاجأة بالهزة وخاصة النابعة من

التصوير القائم على الاستعارة (1) ، ولذا اهتم الأسلوبيون بعنصر المفاجأة وأفاضوا في بيان منابع

المفاجأة وآثارها، فهذا ريفاتير ربط المفاجأة أو الدهشة مع كل حركة انزياح أو عدول أو اختيار

أسلوبي، فعملية العدول عن أصل إلى صورة لغوية تركيبية أخرى تجعل النفس تن تقل عبر

موضعين قد تربطهما علاقة، إذ إن المسافة تقطع درجة الصفر؛ أي لحظة الفراغ التي ترفضها

السنن الكونية والنفسية، فتتدفق عليها أمواج من مشاعر الدهشة تتباين حسب طول المسافة بين

المرحلتين، فكلما زادت المسافة زاد تدفق الدهشة وأثرها حتى إذا ما طالت المسافة أكثر مما

يدرك العقل البشري، انقلب التأثير إلى فوضى، ولذا كانت المسافة بين المشبه والمشبه به أو بين

طرفي الاستعارة في حدود المدرك أو تفقد فاعليتها في التأثير، ولذا كان من الخطورة بمكان أن

تنقطع علاقة المشابهة في الاستعارة.

فالمفاجأة إذًا عنصر جديد من عناصر الدراسة النقدية، وقد يختلط مفهومها بعناصر نقدية

حديثة كالمفارقة مثلا. فطبيعة المفاجأة الخاصة تختلف عن غيرها من العناصر، وقد تحت وي

على غيرها لشمولية تتسم بها. فالمفارقة مثلا داخل النص الأدبي"قد تنشأ من باب العبثية"

والتندر (2) ، وهذا العبثية لا تكون في عنصر المفاجأة بل على العكس فالمفاجأة تكون جادة على

الأغلب ومبررة؛ ولذا تحقق داخل النص تأثيرا وثراء قد لا تحدثه الأساليب الأخرى. إذ إن

البحث في عنصر المفاجأة يوسع مدى النظر ويفتح باب الإدراك فتكون النظرة أكثر ش مولية؛

.1) الجرجاني، عبد القاهر: دلائل الإعجاز، ص 450)

.2) ينظر ميومك، سي: موسوعة المصطلح النقدي، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة، منشورات وزارة الثقافة العراقية، ص 183)

ذلك بما يقوم به المتابع من بحث عن الأسباب والمسببات، فيربط بين النتيجة المفاجئة وبين

المقدمات المهيئة والمؤدية لها، فيشكل بذلك عنصرا من عناصر الربط والوحدة الفنية التي قد

تربط قصة كاملة أو أكثر من صورة جزئية في موضوع واحد وتصور كلي.

وعُ ِ ر َ ف في التاريخ البلاغي ما يماثل المفاجأة، وهو ما يسمى أسلوب الحكيم و"ه و تلقي"

المخاطب بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أنه الأولى بالقصد وهذا

.(التعريف فيه شيء من المفاجأة والتنبيه اللطيف للمخاطب"(1"

الأعمال الأدبية تتعدد أجناسها وطبيعة العرض فيها ما بين العرض المباشر إلى السرد

وصولا إلى التصوير الأدبي بأبعاده المختلفة، فالسرد القصصي لا يتخذ منهجا محددا في

العرض، فبين العرض المراعي للتسلسل الزمني للأحداث أو بين الاسترجاع، وفي كل حالة من

هذه الحالات تحدث المفاجأة ولكن في مستويات مختلفة، على أن في جميع الحالات فلا بد أن

تكون المفاجأة مبررة، إمّا من خلال ما سبق أو ما يظهر من أحداث أ و من خلال القطع

الاسترجاعي لأحداث القصة، أو من الصورة الفنية بأشكالها المختلفة، كالصورة التكاملية التي

تتخطى الجزئية إلى نظم الصور داخل العمل الأدبي بوحدة الفكر والشعور. وفي كل هذا التوسع

والانتشار على مساحة العمل الأدبي تظهر عناصر الإثارة والدهشة التي تك ون للمفاجأة د ور

يتمثل بشكل من الأشكال.

وطبيعة الأسلوب من سرد أو تصوير أو حتى اللغة المباشرة في الحوار وغيره، يستطيع

الأديب التفنن في إظهار التقنية الفنية التي يعمد إليها بوعي أو بغير وعي، فتشكل بت واردها

أسلوبا يميز النص. فالسرد القصصي مثلا يسير في نمطية أو (خطيّة) معينة يختارها القاص،

ومن خلال هذه النمطية تتجلى لحظات لافتة يتفاجأ بها المتلقي، فيكون توقعه لما تم التمهيد له

من سرد في توجه فينقلب إلى وجهة أخرى، أو يظهر الحدث بداية بأنه واضح ويك ون على

الحقيقة غير ذلك. فطبيعة السياق هي التي تخلق المفاجأة"فالسياق الأسلوبي هو نم وذج لغ وي"

.1) أبو موسى، محمد: خصائص التراكيب دراسة تحليلية لمسائل علم المعاني، ط 2. القاهرة: مكتبة وهبة، ص 211)

ينكسر بعنصر غير متوقع" (1) ، وفي تقنية الصورة ذاتها ما يحدث المفاجأة في جدت ها فينجذب"

المتلقي لمعرفة سبب الدهشة التي أحدثتها في نفسه. وقد تظهر أثر الدهشة على الأشخاص الذين

يشاركون في الحدث داخل العمل الأدبي، مما يلقي بظلال الدهشة على المتلقي أيضا، بمعنى انه

أصبح مشاركا منفعلا مع الحدث، وهذا من أجمل وأبدع ما يحققه العمل الأدبي.

أما الذي يمكن أن تحدثه المفاجأة وتحققه في النص الأدبي فهو كثير ومؤثر، من تن وع

أسلوبي في المفاجأة طرقها ومن طرق المفاجأة ما"يكتم سر المفاجأة عن البطل والنظارة -"

المشاهد والمتابع للحدث-حتى ينكشف لهما معا في آن واحد ومثل ذلك قصة موسى مع العبد

.(الصالح (2

ومن المفاجأة ما يقوم على الحوار ف"الحوار في القصص القرآني هو الروح الذي يرى في"

كيان العمل القصصي وبغير الحوار لا نجد الفائدة ولا الذوق الرفيع والتلوين البديع في الحادثة

.(والجمال والبيان"(3"

وقد تنوعت أشكال المفاجأة وتقنياتها، فمنها ما يقوم على إيحاء اللفظ ودلالته، مثل كلمة فجأة

أو بغتة التي كثر استخدامها في النص القرآني، والمفاجأة القائمة على الزمن، سواء زمن السرد،

أم زمن الحدث، فهنالك أزمنة يتوقع فيها على الأغلب أمورا لتراتبها في العادة فتنقلب الأم ور

على غير المتوقع فتحدث المفاجأة، ومثل هذا في القرآن كثير وخاصة في وقت الصبح.

وتنقسم المفاجأة على أقسام من حيث أثرها على المتلقي، فمنها المفاجأة الإيجابية المفرحة،

ومنها السلبية المحزنة، ولكنها على الأغلب تقوم بدور التطهير النفسي الذي يعد هدفا من أهداف

العمل الأدبي، فهو يؤثر ويوجه سلوك المتلقين بشكل غير مباشر.

.1) فضل، صلاح: علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته،.ص 193)

2)سليمان، علي حسن محمد: القصة القرآنية الخصائص والأهداف، ط 1، القاهرة: مطبعة الحسين الإسلامية، 1995، ص)

.3) نفسه، ص 78)

ومن أقسام المفاجأة أيضًا البسيطة أي المفردة، والمفاجأة المركبة المعتمدة على تباين

الأحداث وتعاقبها وتراسلها؛ مما يشكل ظاهرة أسلوبية تستحق الوقوف عليها. ومن المفاجأة

المركبة في قوله عز وجل:.و َ ك َ ذلِكَ بَعَثَْناهُمْ لِيََتسَاءُلوا بَيَْنهُمْ. [19] ، وفي قوله تعالى:.و َ ك َ ذلِكَ

أَعَْثرَْنا عََليْ ِ همْ لِيَعَْلمُوا أَنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأَنَّ السَّاعَ َ ة لا رَيْبَ فِيهَا. [21] ، فيلاحظ التماثل

التركيبي بين المفاجأتين، المكون من (كذلك) ، والفعل من الله، لام العاقبة، فعل البشر الذي يمثل

ردة الفعل، فشكلت المفاجأتان هيكلية متصلة من أحداث ونتائج؛ ولذا فإن عنصر المفاجأة وحتى

المركبة لم تأت من باب العبث بل إنها مبررة ويسوق إليها النسق السياقي. وبما أن المفاجأة

تختلف عن المفارقة بأنها بعيدة عن العبثية فهي تتسم بأنها مبررة وهذا شرط أساس يلتزم به

بعنصر المفاجأة النصي، سواء القائم على السرد أو الصورة الفنية. فالسياق يحتفظ بالمفاجأة في

عرض القصة، في مشهد يستيقظ الفتية من نومهم فيتوقعون أنهم ناموا نوما طبيعيا(يوما أ و

بعض يوم)، ولكنهم يشعرون بآثار نوم طويل بين هاتين الحالتين تكمن المفاجأة، فيتخلصون منها

بترك الأمر لله (ربكم أعلم بما لبثتم) ، وتأتي المفاجأة الثانية وفي السرد نفسه والقصة ذاتها،

يذهب أحدهم إلى المدينة، وإذ بالمدينة وأهلها قد تغير كل شيء عهدوه، هو خائف منهم، وهم

في تذكر طيب للفتية المؤمنين، ولم تعد هنالك علاقات تربطه مع أهل هذا الزمان، فهذا أشعرهم

.(بأنهم مجرد ذكرى حية، فيصعب عليهم التعايش مع هذه الحال فيخلصهم الله منها بالم وت (1

وتعدت المفاجأة إلى كل من شهد الحدث من أهل المدينة فكانت العبرة، في يقين بالبعث، وغلبة

أهل الدين من المؤمنين.

ومن خلال الأمثلة من سورة الكهف نتبين المواقع التي ظهر فيه عنصر المفاجأة أو كان لها

أثر بارز.

-1 المفاجأة التركيبية:

من المفاجآت في النص الأدبي القائمة على طبيعة التركيب اللغوي نحوا أو دلالة، ومن ذلك

في قوله تعالى:(ولا ُتطِعْ مَنْ أَغَْفلَْنا قَلْبَهُ عَن ذِكْ ِ رَنا واتَّبَعَ هَواهُ وكَانَ أَمْرُهُ ُفرُطًا. [28] ، بين

.1994، ج 4، ص 2264 - 1) ينظر قطب، سيد: في ظلال القرآن، ط 23، بيروت: دار الشروق، 1415)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت