الصفحة 42 من 61

القلب وبين العقل يظن به العقل من طبيعة اللغة (من) للعاقل، ولكن قلبه غافل، وهنا تكمن

المفاجأة، عقل يظن به خيرا وقلب غافل يسيطر على صاحبه فيتبع هواه وتكون عاقبة أمره فرطا

فيكون لطبيعة التركيب وأسرار اللغة أثر في المتلقي الواعي.

-المفاجأة من خلال التصوير الفني:

إن الصورة الفنية المؤثرة هي التي تحدث مفاجأة وهزة شعورية للمتلقي؛ بما تقدمه من متعة

جمالية مؤثرة ومن هنا"تكون الهزة المفاجئة التي تصنعها الص ورة وتك ون حالة الارتياح"

.(والتوازن بعد قراءتها"(1"

ومن أمثلة المفاجأة في الصورة المعتمدة على تصوير الواقع ما بين الظاهر والحقيقة التي

يلفت اللفظ إليها ما يظهر في قوله تعالى:.وتَحْسَبُهُمْ أَيَْقاظًا وهُمْ رُقُودٌ وُنقَلِّبُهُمْ َ ذا َ ت الْيَمِي ِ ن

و َ ذا َ ت الشِّمَا ِ ل و َ كلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ ِبالْوصِيدِ َلو اطََّلعْ َ ت عََليْ ِ همْ َلولَّيْ َ ت مِنْهُمْ فِرَارًا وَلمُلِئْ َ ت مِنْهُمْ

رُعْبًا. [18] . ما بين الظاهر والحقيقة تكمن المفاجأة، فالوضع الطبيعي أن يسيطر الظاهر على

التفكير الأولي للإنسان، فالناظر (المطلع) بعينيه للوهلة الأولى يظن الفتية بأنهم أيقاظ، و لكن هم

في الحقيقة رقود، فيقع في النفس لهذا المنظر الغريب رعبا يجعل المطلع عليهم يفر من المكان

قبل أن يفكر بما قد رأى.

ومن المفاجأة في السرد قوله تعالى:.و َ ك َ ذلِكَ بَعَثَْناهُمْ لِيََتسَاءُلوا بَيَْنهُمْ َقالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ َ كمْ

َلِبثُْتمْ. [19] ، الفتية استمروا على هيئة يتوقع المتلقي أن تستمر لطول الأمد الذي استغرقه نومهم،

وفجأة تدب الحياة فيهم، ويحتفظ السياق بالمفاجأة في عرض القصة، بعد أن استيقظ وا فلا

يعرفون كم استغرق نومهم بين إحساس داخلي بقصر المدة وواقع يظهر عكس ذلك (2) ، ويتبعها

في قوله تعالى:.وَ َ ك َ ذلِكَ أَعَْثرَْنا عََليْ ِ همْ لِيَعَْلمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَ َ ة َلا رَيْبَ

فِيهَا. [21] ، فمن خلال تتابع الأحداث تتابع المفاجآت، فبعد أن أيقن الفتية أن الأمر لا يعلمه إلا

الله تتابعت الأحداث ليتحقق مفاجأة للقوم الذين تناقلت الأخبار إليهم بحال الفتية الذين مرت عليهم

.1) عبد الله، محمد حسن: الصورة والبناء الشعري، دار المعارف، 1983، ص 33)

.2) ينظر قطب، سيد: في ظلال القرآن. ط 23، بيروت: دار الشروق، 1994، ج 4، ص 2263)

أزمان فتتحقق الرؤية لهم فتكون المفاجأة لهيئتهم وتأكد الخبر بشكل مصادفة بالنسبة لهم وليس

عن علم مؤكد.

وتنشأ مفاجأة أخرى لقريش ولليهود أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يعلم علما لم

يعلموه، كما يظهر في قوله تعالى:.نَحْنُ نَُقصُّ عََليْكَ َنبَأَهُم بِالْحَقِّ. [13] ، فهم بعد أن فرح وا

وظنوا أنهم تمكنوا من التغلب على الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، كانت المفاجأة غير السعيدة

بالنسبة لهم فأفشل الله تحديهم واختبارهم للرسول (صلى الله عليه وسلم) .

ولا تخلو الصورة الأدبية داخل النص الأدبي من الجدة؛ ولذا لا بد أن تحدث أثر ا على

المتلقي وعلى فنية النص، و ذلك لما تخلق من جدة في طريقة العرض والربط بين عناصرها،

فيصبح المعنى المألوف وكأنه لأول مرة يظهر فيشعر المتلقي بمتعة وإثارة، و يظهر مثل ذلك

في قوله تعالى:.َفأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ. [45] ، فالحياة الدنيا أمر مألوف، ومنظر الهشيم

كذلك مألوف، ولكن كل على انفراد، فعندما ارتبطا معا لفتا الانتباه لجده في ترابط العناصر، أما

من جهة الشخص الذي يختص في الخطاب فيظن أن الدنيا باقية له وينسى ما سؤول إليه حالها

فتصدمه المفاجأة لعله يرتدع ويؤوب إلى رشده.

ومن أشد المفاجآت فاعلية وتأثيرا المرتبطة بالزمن الحرج، وأحرج زمن ي وم القيامة،

فتظهر المفاجأة في قوله تعالى:.ُقلْ هَلْ ُننَبِّئُ ُ كمْ ِبالْأَخْسَ ِ رينَ أَعْمَا ً لا {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي

الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. [104] . التعبير يسوق المتلقي إلى المفاجأة

ويلقي به في خباياها ومكنوناتها ليدرك من خلالها حقيقة تصدم أهل الضلال، فالتش ويق في

أسلوب الاستفهام والمشوب بالحذر الذي يراود كل من يسمع هذه الآية، فهي تؤثر في المؤمن

والعاصي، ولكن المفاجأة تكون لفئة من الناس، فهم قد فقدوا شيئًا وعملوا أشياء، فكان ما فقد وه

أساسا لقبول العمل ولكنهم لم يتنبهوا إلا في أحرج الأوقات، ولذا كانت المفاجأة أعظم مما

يتخيلونها، ونرى أن المفاجأة قد سبقت بما يبرر وجودها في النص، فليست المفاجأة خارجة عن

النص ولا عبثية فيه. ويتماثل مع ذلك صور أخرى في موقف يوم القيامة ومن ذلك م وقف

الكفار في قوله تعالى:.أُوَلئِكَ الَّذِينَ َ كَفرُوا بِآيَاتِ رَبِّ ِ همْ ولِقَائِهِ َفحَبِ َ طتْ أَعْمَاُلهُمْ َفلا نُقِيمُ َلهُمْ

.[يَومَ الْقِيَامَةِ وزْنًا. [105

وتحدث المفاجأة في موقف صعب و تتحرك عبر صورة الكفار في النار في قوله تعالى:

.وإِن يَسَْتغِيُثوا يُ َ غاُثوا ِبمَاء َ كالْمُهْ ِ ل يَشْوي الْوجُوهَ. [29] . إن تقنية المفاجأة تقتضي تسلسلا

نمطيا يعتمد الواقع والمعتاد مما يجعل الأحداث في توقع مستمر، الحدث يعتاد عليه، فيحدث

عرض مفاجئ قد لا يتنبه إليه المعني بالأمر، فيصدم بواقع جديد لم يألفه. البشر مؤمنهم

وكافرهم في رحمة الله وهم في الحياة الدنيا، يعطيهم ما قدر لهم من النعم وليس محصورة على

أحد، حتى يعتادوا على ذلك فتقوم الساعة، يشعرون بحاجة ماسة إلى الماء وعلى عادتهم عندما

تضيق بهم الأمور يطلبون من الله، ولم يتنبهوا إلى التغير في الزمان والمقام فيأتي الطلب

ويكون، ولكن الغيث الذي في العادة رحمة وسقيا يصبح عذابا ومهلا يشوي الوج وه. فنلاحظ

تفاعل العناصر اللغوية من أفعال (يستغيثوا، ويغاثوا) ، مع عنصر الماء الضروري ومن خلال

التصوير وعنصر المفاجأة في نقل السامع إلى جو الصورة وهذا عنصر نجاح لها.

ومن المفاجأة القائمة على طبيعة السرد ما جاء في قصة صاحب الجنة في قوله تعالى:

.وأُحِي َ ط بَِثمَرِهِ َفأَصْبَحَ يُقَلِّبُ َ كفَّيْهِ على ما أنفق فيها. [42] ، لقد سبقت هذه الآيات بأحداث قصة

صاحب الجنتين، وكل عاقل مؤمن تابع تلك الأحداث يتوقع أن يحل بالكافر أو بماله ما لا يسر،

فالمفاجأة هزت شخصية في داخل الحدث، تلك الشخصية التي كفرت بالله عندما أنعم الله عليه

ليبتليه فظن انه لن يفقد هذه النعمة ولن تزول، فصار فكره في اتجاه واحد ولا يتوقع غيره، بل

يظن أن النعمة_ على كفره_ ستزيد، ورغم التذكير له لم يرتدع عن غيه، وفي مغبة عصيانه

تتحقق سنة الله في الوقت الذي لم يحسب حسابه، بل وفي لحظة الأمل النفسي صباحًا، فيتكرر

وقت الصباح ليكون وقت المفاجآت بالنسبة للكافرين، فالمؤمن قد توقع المفاجأة ووقتها، ويظهر

ذلك في قوله تعالى:.َفعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَ ِ ن خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عََليْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ

.[َفُتصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا {40} أَو يُصِْبحَ مَاؤُهَا َ غورًا َفَلن َتسَْتطِيعَ لَهُ طَلَبًا. [41

وفي تتابع للمفاجآت في السرد لقصة موسى (عليه السلام) مع العبد الصالح، وكل عنصر

من عناصر المفاجأة شكل محورا في أحداث القصة، قال تعالى:.َفَلمَّا بََل َ غا مَجْمَعَ بَيْنِ ِ همَا َنسِيَا

حُوَتهُمَا َفاتَّ َ خ َ ذ سَِبيَلهُ فِي الْبَحْ ِ ر سَرَبًا. [61] ، وفي قوله تعالى:.َفان َ طَلَقا حَتَّى إِ َ ذا رَكِبَا فِي

السَّفِيَنةِ َ خرََقهَا. [71] . قال تعالى:.َفان َ طَلَقا حَتَّى إِ َ ذا َلقِيَا ُ غَلامًا َفَقَتَلهُ. [74] . قال تعالى:.َفان َ طَلَقا

حَتَّى إِ َ ذا أََتيَا أَهْلَ َقرْيَةٍ اسَْتطْعَمَا أَهَْلهَا َفأَبَوْا أَن يُضَيُِّفوهُمَا َفوَجَدَا فِيهَا ِ جدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ

فَأَقَامَهُ. [77] ، الآيات السابقة في قصة العبد الصالح مع النبي موسى (عليه السلام) ، وهي مراكز

في السرد القصصي الذي يعد تقنية فنية أدبية بحد ذاتها، إتقانها والتعامل معها بمهنية وفنية

يسدل على العمل الأدبي سمات جمالية، ويزيد من تلك الملامح الجمالية ما يمكن أن يتحقق من

مفاجآت.

تبدأ الأحداث في القصة غالبا وفق تسلسل معين يدركه المتلقي، وعلى هذا يتوقع أن تسير

الأمور بانتظام وضمن المعقول. فيبدو أن موسى (عليه السلام) لم يتنبه لطبيعة الشرط، لعدم

معرفته بطبيعة علم العبد الصالح، فتكون معاملة موسى حسب علمه وليس بحسب علم العبد

الصالح، ومن هنا كانت المفارقة والمفاجآت تترى مع كل فعل من الأفعال. ومن لطافة المفاجأة

في أحداث القصة، طابعها اللغوي في نمط يتكرر، (فانطلقا حتى إذا) ، واستمرت المفاجآت تتناظم

مع الأحداث مخفية معها أسرارها سواء ذلك بالنسبة لموسى والمتلقي، وعندما كشفت كان

الكشف للجميع.

أما ما يخص الكافرين من مفاجآت فهو كثير، وذلك لطبيعة تفكيرهم البعيد عن الحقيقة التي

اهتمت الآيات بإظهارها، ومن تلك المفاجآت ما يظهر في قوله تعا لى:.وَيَوْمَ يَُقولُ َنادُوا

ُ شرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمُْتمْ َفدَعَوْهُمْ َفَلمْ يَسَْت ِ جيبُوا َلهُمْ وَجَعَلَْنا بَيَْنهُم مَّوْبِقًا. [52] ، في هذا ا لمثل،

الكفار في تغيب عقلي مستمر. يعبدون أوثانا لا تضر ولا تنفع ولا تجيب لهم دعاء، ومع هذا

يستمرون في غيهم وضلالهم. وعندما ينتقلون إلى الحياة الآخرة لم ينتبهوا إلى هذا الانتقال،

فيُطلب منهم أن يدعوا ما كانوا يعبدون من دون الله، فمن سفاهة عقولهم ينادونهم، فيفاجؤون بأن

أوثانهم لا تستجيب لهم، فهذا الطلب بالنداء يعطي ظلالا تصل إلى الحياة الدنيا، فيتنبه الكفار إلى

حقيقة ما هم فيه من ضلال.

وتتكرر المفاجآت مع أحوال الكفار يوم القيامة في مصير أعمالهم التي كانوا يظنون أنهم

غير محاسبين عليها، فتفاجئهم حتى الصغير منها لم يُغَْفل عنه، فأحصيت لهم. قال تعالى:

.ووضِعَ الْكَِتابُ َفَترَى الْمُجْ ِ رمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ويَُقوُلونَ يَا ويَْلَتَنا مَا ِ ل هَ َ ذا الْكَِتا ِ ب لا يُغَادِرُ

.[صَغِيرَ ً ة ولا كَبِيرَ ً ة إِلا أَحْصَاهَا ووجَدُوا مَا عَمُِلوا حَاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. [49

كثيرة هي المشاهد التي ستكون مثارًا للدهشة والاستغراب يوم القيامة، وكذلك ما يسبق

القيامة من إشارات وأمارات الساعة، فهذا الردم على قوته التي وصفت سيكون على صورة يوم

القيامة كما في قوله تعالى:.َقالَ هَ َ ذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي َفإِ َ ذا جَاء وعْدُ رَبِّي جَعََلهُ دَكَّاء. [98] ، فإذا

كان في الحياة شيء عجيب، فهو أن يفاجأ الإنسان بما أخبر به سلفا، فقد أخبر الله في الكتاب

وعلى لسان نبيه عن حقائق ستكون في يوم البعث وقبله، ولكن البشر ينشغلون بالدنيا فينس ون،

فمن ينسى سوف يفاجأ بعلامات الساعة وأماراتها وما قبلها ومنها الردم فعلى متانته ودقة في

صنعه سيصبح ما بين عشية وضحاها ممهدا في الأرض؛ إذ حل موعده الذي لا يعلمه إلا الله،

هذا بالإضافة إلى أثر المفاجأة في الصورة وما تحدثه في النفس.

ومن المفاجأة المبنية على التصور الذهني ما في قوله تعالى:.ُقل لَّوْ َ كانَ الْبَحْرُ مِدَادًا

لِّ َ كلِمَاتِ رَبِّي َلَنفِدَ الْبَحْرُ َقبْلَ أَن تَنَفدَ َ كلِمَا ُ ت رَبِّي وََلوْ ِ جئَْنا ِبمِثْلِهِ مَدَدًا. [109] . وفي الأسل وب

نفسه من الربط بين المألوف وتحقق المفاجأة، فالمألوف يتوقع بعده المألوف مثله، ولكن أن تجد

البحر ينفد فهذا خارج عن تخيل البشر، فمن باب التحدي والإعجاز تربط الآية بين البحر

المتصور في الذهن على ضخامته واتساعه ولفظ البحر هنا شمل جنس البحار، ولا يتوقع

الإنسان مهما كان تخيله أن تنضب مياه البحار وتنفد فيحصل ما لن يستطيع الفكر أن يصل إليه

ويدركه، فالبحار تنفد لأنها لو أصبحت مدادا لكلمات الله وآياته ونعمه.

وفي نهاية القصص القرآني في سورة الكهف كانت تتشكل المفاجأة، فإذا كان ظهور العبد

الصالح عليه السلام مرتبطا بالمفاجأة بل بسلسلة من المفاجآت فالمكان الموع ود كان مفاجأة

والوصول إليه كان مفاجأة، وحركة الحوت كانت مفاجأة، وكذلك كانت النهاية في اختفاء العبد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت