فهرس الكتاب
الصالح مفاجأة كما كان ظهوره مرتبط بالمفاجأة، وكل ذلك ليبقى الأثر في النفس عالقا، فلو كان
الاختفاء عاديا لأصبحت القصة وكأنها مألوفة مما يقلل من أثرها في النفس.
الالتفات:
الالتفات أسلوب من الأساليب البلاغية الجميلة الفاعلة داخل النص، وقد عرفه أسامة بن منقذ
في كتابه البديع بالانصراف ف"هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار وعن الإخبار"
.(إلى المخاطبة وما يشبه ذلك، ومن الالتفات الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر"(1"
وقسّمه أبو هلال العسكري إلى قسمين فقال في تعريفه:"أن يفرغ المتكلم من المعنى ف إذا"
.(ظننت انه يريد أن يجاوزه يلتفت إليه فيذكره بغير ما تقدم ذكره به"(2"
يدل هدا الأسلوب على تفنن المبدع وقدرته على التحكم في اللغة، كما أن هذا الأسلوب فيه
عنصر جذب وتشويق للسامع، يقول الزمخشري في الالتفات:"وذلك على عادة افتنانهم -أدباء"
العرب - في الكلام وتصرفهم فيه، لأن الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن
.(تطرية لنشاط السامع للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد وقد تختص مواقعه بفوائد"(3"
وقال السكاكي في الالتفات"وهذا النوع قد يختص مواقعه بلطائف معان قلما تتضح إلا"
لأفراد بلغائهم أو للحذاق والمهرة في هذا الفن والعلماء، ومتى اختص موقعه بشيء من دلك
، (كساه فضل بهاء ورونق وأورث السامع زيادة هزة ونشاط ووجد عنده القبول أرفع منزلة"(4"
ولا يأتي أسلوب الالتفات - كما يتبين لنا إلا وتقتضيه الحاجة والمقام ف"الالتفات لا يك ون إلا"
.(إذا اقتضى الحال وأريد به نوع من المتعة الفنية"(5"
.1) ابن منقذ، أسامة: البديع في نقد الشعر، ص 58)
.2) العسكري، أبو هلال: الصناعتين، ص 392)
.12 - 3) الزمخشري، محمود جار الله: الكشاف، ج 1، ص 11)
.4) السكاكي: مفتاح العلوم، ص 96)
.5) مطلوب، احمد: أساليب بلاغية، ص 274)
والالتفات يؤثر في السامع فيحثه على المتابعة والتفكير والربط بالعودة إلى أ ول التعبير
ومحاولة الكشف عن أسرار التغير والانتقال من أسلوب إلى آخر، وبما أن الدراسة الأسل وبية
تركز على ظواهر الانزياح والعدول فإن أسلوب الالتفات يكون من في مقدمة هذه الأساليب؛ إذ
تتمثل فيه ظاهرة العدول من أسلوب في الخطاب إلى أسلوب آخر محدثا معه مثيرا أسلوبيا يدعو
للتأمل والدراسة واستجلاء ما فيه من فنية أدبية.
بما أن لكل نص أدبي خصوصيته ومن خلال لغته وتراكيبه تكون دراسته، فقد ظهرت
أنماط من الالتفات ربما لم يشر إليها علماء البلاغة القدماء، كالانتقال من الإشارة إلى الغائب أي
من الحضور إلى الغياب، ومن الجمع إلى المفرد.
ولقد تنوع أسلوب الالتفات في سورة الكهف ليضفي إلى البناء الفني عناصر جمالية ويثري
النص في ملامح الشد والجذب والإثارة؛ ومن هذا التنوع:
-1 الالتفات من المخاطب إلى المتكلم:
من الالتفات قوله سبحانه وتعالى:.وَُق ِ ل الْحَقُّ مِن رَّبِّ ُ كمْ َفمَن َ شاء َفلْيُؤْمِن وَمَن َ شاء َفلْيَكُْفرْ
إِنَّا أَعَْتدَْنا لِلظَّالِمِينَ َنارًا أَحَا َ ط ِب ِ همْ سُرَادُِقهَا وَإِن يَسَْتغِيُثوا يُ َ غاُثوا ِبمَاء َ كالْمُهْ ِ ل يَشْ ِ وي الْوُجُوهَ
ِبئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا. [29] . بدأ الخطاب في الآية بلفظ من (ربكم) ، وانتقل بعد ذلك إلى
الخبر في ضمير المتكلم (إنا) ، وفي الحالتين الضمير عائد على الله، ويلاحظ تساوق الأسلوب في
كلا الحالتين، فكانت البداية حرية تامة للبشر بين الإيمان والكفر والخطاب يوجه إليهم(من
ربكم)، ولكن لن يبقى الأمر مترو ً كا هكذا على إطلاقه، فلابد من نتيجة لذلك الاختيار فانتقل
الأسلوب إلى الحضور (المتكلم) ، وبضمير الجمع (إنا) الذي يفيد التعظيم ليلفت الانتباه ولي وقظ
الغافلين، وإذ بهم يقفون بين يدي ربهم ليلاقوا جزاء ما اختاروا.
ومن الالتفات لتغير المكان أو بعض عناصر الصورة قوله تعالى:.الْمَالُ والْبَُن ونَ ِ زيَن ُ ة
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا والْبَاقِيَا ُ ت الصَّالِحَا ُ ت خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ َثوابًا وخَيْرٌ أَمَلًا {46} ويَومَ ُنسَيِّرُ الْ ِ جبَالَ وَترَى
الْأَرْضَ بَا ِ رزَ ً ة وحَ َ شرَْناهُمْ َفَلمْ ُن َ غادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا. [47] ، انتقل أسلوب الإخبار من الخطاب(عند
ربك)إلى المتكلم، (ويوم نسير) ، (وحشرناهم فلم نغادر) ، فربط الأسلوب بداية العباد ة بلفظ
(ربك) وتخصيص العبادة لله، وينتقل إلى مشهد من مشاهد القيامة وفيه تتجلى قدرة الله ويزيد من
عظم وهول ذلك اليوم وما فيه ظهور القدرة الإلهية بضمير المتكلم ليكون أكثر حض ورا في
النفس مما يشعر بالمهابة ومما يؤكد تلك المهابة تكرار ضمير المتكلم (نا) . فالانتقال من
موضوع لآخر أو من شخصية لأخرى يقتضي خطاب مناسبا يقرب البعيد أو يجلي الخفي.
وفي مشهد من مشاهد العبادة تدخل عناصر جديدة في الصورة ويتمثل ذلك في قوله تعالى:
.واصِْبرْ َنفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ِبالْ َ غدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيَْناكَ عَنْهُمْ
،[ُترِيدُ ِ زيَن َ ة الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا ُتطِعْ مَنْ أَغَْفلَْنا قَلْبَهُ عَن ذِكْ ِ رَنا واتَّبَعَ هَواهُ وكَانَ أَمْرُهُ ُفرُطًا. [28
نلاحظ كيف بدأ الخطاب مع المؤمنين بأسلوب فيه تخفيف ويناسب طبيعتهم (ربهم) ،(يريد ون
وجهه)، فهم يتوجهون إلى الله ويخافونه وأقل التفاتة تؤثر فيهم، أما الكفار فهم بحاجة إلى ما
يردعهم ويزجرهم، وهذا ما نراه في التحول في أسلوب الخطاب، من ضمير الغياب إلى ضمير
المتكلم وهذا أوقع في النفس وخاصة النفس الغافلة، فتنتبه بعد غفلتها.
وفي مشهد من مشاهد التصوير الفني في القرآن الكريم، يقوم أسلوب الالتفات بحركات
سريعة ومفاجئة، تقرب البعيد وتوضح الغامض، ومثل ذلك في قوله تعالى:.وعُرِضُوا عََلى رَبِّكَ
صَّفًا لََّقدْ جِئْتُمُوَنا َ كمَا َ خَلقَْنا ُ كمْ أَولَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمُْتمْ أَلَّن نَّجْعَلَ َل ُ كم مَّوعِدًا. [48] ، إن الانتقال في
هذه الآية من أسلوب إلى آخر"انتقال من الوصف إلى الخطاب، هذا الالتفات يحيي المشهد"
ويجسمه كأنما هو حاضر اللحظة (1) ، يرتبط مع الانتقال في طبيعة المشاهد يوم القيامة من حيث
شدة الموقف والحركة التي يقوم بها البشر في ذلك الموقف العظيم. ومن جماليات التعبير
(وعرضوا على ربك) ، علما أن السياق يبرر أن يقول على ربهم إلا أن هذا التحديد للفت
انتباههم إلى أن الرب الذي يعبده هذا النبي من سيكون العرض أمامه يوم القيامة وليس غيره.
2 الانتقال من المتكلم إلى الغائب:
ومن مشاهد السرد المتغيرة في القصة حسب المواقف والأحداث وطبيعة الشخصيات فتنتقل
معها أساليب الخطاب، كما في قوله تعالى:.َقالَ َ ذلِكَ مَا ُ كنَّا نَبْ ِ غ َفارَْتدَّا عََلى آثَا ِ رهِمَا
.1) ينظر قطب، سيد: في ظلال القرآن، ج 4، ص 2274)
قَصَصًا. [64] ، أسلوب الخطاب انتقل من المتكلم إلى الغائب، الذي يسمع هذه الآية ويتأملها، فإنه
يكون أمام مشهد متحرك فيه موسى (عليه السلام) وفتاه مقبلان، تنظر إليهم وتسمع كلامهم في
لحظة حضور، فكان أسلوب الكلام للمتكلم والحضور، تنقلب تلك اللحظة مباشرة بعد أن وجدا
الإشارة، فاستدارا ورجعا إلى الوراء فلم نعد نرى وجوههم، ولا نسمع كلامهم فأضحوا في حالة
الغياب بالنسبة للمستمعين؛ ولذا كان التعبير عنهم بضمير الغائب هو الأدق في رسم المشهد.
وأثر الفاعلية في الحدث يظهر في قوله تعالى:.آُتونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِ َ ذا سَا وى بَيْنَ
الصَّدََفيْنِ َقالَ انُف ُ خوا حَتَّى إِ َ ذا جَعََلهُ َنارًا َقالَ آُتونِي أُفْ ِ رغْ عََليْهِ قِطْرًا. [96] ، بدأ الخطاب بأسلوب
المتكلم (آتوني) ، حيث الحضور البارز والفاعلية لذي القرنين في أحداث المشهد، فانتقل من
أسلوب الخطاب إلى الغيبة عندما انشغل بالعمل (حتى إذا ساوى) ، (قال انفخوا) و بعد أن انتهى
من العمل، عاد الحضور قال تعالى:.قال آتوني أفرغ عليه قطرا. [96] ، ليعود الأسلوب من
حيث بدأ ويعيد القوة في الظهور، ومن هذا نرى ما يضفيه أسلوب الالتفات من جمال على النص
وظلاله.
3 الانتقال من الغائب إلى المتكلم:
من المستويات التي يظهرها الالتفات ما يمثل في الغياب والحضور، ومثل ذلك في ق وله
تعالى:.َفَقالَ لِصَاحِِبهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أََنا أَكَْثرُ مِنكَ مَا ً لا وَأَعَزُّ نَفَرًا. [34] ، بأسلوب في منتهى
الدقة يكون الانتقال وخاصة فيما يتعلق بالنفس الإنسانية، انتقل الأسلوب من الغائب(فقال له
صاحبه)فالضمائر المتتابعة للغائب تنتقل إلى الحضور (المتكلم) في إحساس من التعاظم الذي
أخذ يسيطر على نفس الكافر، فأخذ ينظر إلى نفسه تزهو ويتفاخر بها وبما أوتي من نعيم الدنيا،
فأقبل من الغياب إلى الحضور.
ومثله في الانتقال من مستوى لآخر في قوله تعالى:.أُوَلئِكَ الَّذِينَ َ كفَرُوا ِبآيَاتِ رَبِّ ِ همْ ولِقَائِهِ
َفحَبِ َ طتْ أَعْمَاُلهُمْ َفَلا ُنقِيمُ َلهُمْ يَومَ الْقِيَامَةِ وزْنًا. [105] ، تناسب في غاية الدقة، بين حالتين يمر
بهما الذين كفروا، في الدنيا كانوا يظنون أن الله بعيد عنهم، فكان الأسلوب غياب (بربهم) ، فانتقل
الأسلوب بعد (لقائه) إلى الحضور (فلا نقيم) ، في موقف مهيب ومفاجئ ينتقل من حال الدنيا إلى
مشهد يوم القيامة، فيشعر بقوة تسيطر عليه أحضر إليها ولا مناص له منها، وهذا ما يلاحظ
وبشكل متكرر في مشاهد يوم القيامة الانتقال من أسلوب إلى آخر، ليماثل الانتقال من الحياة
الدنيا إلى الآخرة.
4 الانتقال من خطاب الجمع إلى المفرد:
إن المتأمل لحالة الانتقال من الجمع إلى المفرد يشعر بانتقاله من حالة اتساع إلى التمركز
في التعبير أو التصوير، فيكشف بذلك جوانب قد تكون خفية مع الصورة المجملة ومن ذلك في
قوله تعالى:.وُق ِ ل الْحَقُّ مِن رَّبِّ ُ كمْ َفمَن َ شاء َفلْيُؤْمِن ومَن َ شاء َفلْيَكُْفرْ إِنَّا أَعَْتدَْنا لِلظَّالِمِينَ نَارًا
أَحَا َ ط ِب ِ همْ سُرَادُِقهَا وإِن يَسَْتغِيُثوا يُ َ غاُثوا ِبمَاء َ كالْمُهْ ِ ل يَشْوي الْوجُوهَ ِبئْسَ الشَّرَابُ وسَاءتْ
مُرْتَفَقًا. [29] ، فالخطاب بداية كان للجميع (ربكم) ، فالله رب الجميع المؤمنين والكافرين، أما
اختيار الإيمان والكفر فهو متعلق بكل واحد من البشر؛ و لذا جاء الخطاب للمفرد بعد أن كان
للجمع.
ومنه قوله سبحانه وتعالى:.إِنَّ الَّذِينَ آمَُنوا وعَمُِلوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا ُنضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ
عَمَ ً لا. [30] ، بداية كان الحديث عن الأعمال الصالحات، وهو بالطبع جمع، وذلك لحفز المؤمن
على الإكثار منها فينتقل إلى المفرد (أجر) ، فالأعمال الصالحات لها أجور ولكن سياق النفي
الذي خص القليل فإنه يشمل الكثير؛ فإذا كان عند الله القليل من الصالحات لا يضيع فلن يضيع
لديه الكثير.
ومن باب الأدب في الخطاب والحديث ما تمثل على لسان فتى موسى في قوله تعالى:.َقالَ
أَرَأَيْ َ ت إِذْ أَويَْنا إَِلى الصَّخْرَةِ َفإِنِّي نَسِي ُ ت الْحُو َ ت ومَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْ َ طانُ أَنْ أَذْكُرَهُ واتَّ َ خ َ ذ سَبِيلَهُ
فِي الْبَحْ ِ ر عَجَبًا. [63] ، فانتقل من الجمع (أوينا) إلى المفرد (فإني نسيت) ، علما أنهما كليهما قد
نسيا، ولكنّ الفتى احتراما وتأدبا مع النبي موسى (عليه السلام) لم يشركه في فعل النسيان،
ونذكر في هذا المقام خلق موسى وطيب معاملته للفتى فلم يقل ذلك ما كنت أبغي بل أشركه معه
في الفعل.