فهرس الكتاب
والخضر عليه السلام تمثل فيه نفس الخلق من التأدب في الخطاب عندما قال: فأردت أن
أعيبها (1) ، (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه) ، (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما) ، فكان ضمير
المتكلم مع الفعل الذي لا يليق بجلال الله، فنسبه إلى نفسه تأدبا مع الله. وفي الثانية حدث فعلان
الأول القتل للغلام فكان الضمير الأول يعود على الخضر (عليه السلام) ، وأما الاستبدال بالخير
فنسبه لله، وما كان من شأن الغيب فلله وحده والأمر إليه؛ ولذا قال فأراد ربك.
ومن الأمثلة التي جمعت غير نوع من الالتفات ما في قوله تعالى:.نَحْنُ نَُقصُّ عََليْكَ َنبَأَهُم
ِبالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَُنوا ِبرَبِّ ِ همْ وَ ِ زدَْناهُمْ هُدًى. [13] ، إذ تبدأ الآية بأسلوب المتكلم (نحن) الله، إلى
الغائب (بربهم) إلى المتكلم (وزدناهم) ، فخصوصية علم اليقين لله تعالى فكان الضمير نحن الذي
يفيد التعظيم ويضفي ظلالا على اختصاص الله تعالى بالعلم، والانتقال من (آمنوا بنا) حسب ما
يمهد له الأسلوب السابق إلى (بربهم) وذلك لربط الإيمان بالرب، وهذا مما يقرب العبد إلى ربه
ويحببه به، وذلك آكد للمعنى.
-5 الانتقال من الإشارة إلى الغائب:
وبما أن الإشارة في الغالب تعطي ملمح الحضور ففي قوله تعالى:.َقالَ هَ َ ذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي
َفإِ َ ذا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعََلهُ دَكَّاء وَ َ كانَ وَعْدُ رَبِّي حَّقًا. [98] ، تشتمل الآية على زمنين متعلقين
بأمر واحد (الردم) . زمن حاضر معاش يشار إليه باسم الإشارة القريب هذا، وزمن قادم لم يأت
بعد بالنسبة لذي القرنين فلا زال غائبا، فأشار إليه بالغياب (ضمير الغائب) جعله. فالتناسب قائم
بين الحضور والغياب بين اسم الإشارة وضمير الغائب.
ومن أسرار الالتفات التي تلزم السامع في التفكير ما في قوله تعالى:.كِلَْتا الْجَنََّتيْ ِ ن آَتتْ
أُ ُ كَلهَا وََلمْ َتظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وََفجَّرَْنا خَِلاَلهُمَا نَهَرًا. [33] ، في الآية نظام نحوي له سمة خاصة، فقد
أخذ النحاة منها أنه يخبر عن (كلتا) بالمفرد، على أساس اللفظ وليس المعنى. وبناء على ذلك لا
يتشكل أسلوب التفات، أما من نظر في العبارة بعمق وربط المعاني بالأسل وب الذي اختارته
، 1) ينظر مصطفى، محمود السيد: الإعجاز اللغوي في القصة القرآنية، ط 1، الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1981)
.347 - ص 346
الآيات، حيث المشهد بين منظورين لشخصين مختلفين: الأول ينظر إلى نعم الدنيا بعين التعظيم،
فيرى الشيء أكبر من حقيقته، ولذا يضل ويغوى بها وهذا حال الكافر. والثاني ينظر إليها بعين
الزهد والرضا فيراها على حقيقتها وربما أقل من ذلك، فالانتقال من التثنية إلى المفرد هو انتقال
بين حالتين نفسيتين وشخصيتين متمايزتين، الكافر من منظور والمؤمن الزاهد والمؤيد من الله
من منظور آخر.
-6 الانتقال بين صيغ الأفعال:
الأفعال ذات طبيعة تصويرية، بحيث تنقل المشهد بأسلوب يتعايش مع الحدث، والتنوع في
الأفعال أو الانتقال من صيغة إلى أخرى، فيلفت انتباه السامع، ويناسب مفردات المشهد في نظم
قادر على تحليل الأبعاد النفسية، ومن ذلك ما يتمثل في قوله تعالى:.ووضِعَ الْكِتَابُ َفَترَى
الْمُجْ ِ رمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ويَُقوُلونَ يَا ويَْلَتَنا مَا ِ ل هَ َ ذا الْكَِتا ِ ب َلا يُ َ غادِرُ صَغِيرَ ً ة ولا َ كبِيرَةً إِلَّا
أَحْصَاهَا ووجَدُوا مَا عَمُِلوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. [49] . يلاحظ من خلال الترتيب لصيغ
الأفعال (وضع) ، (فترى) ، (ووجدوا) ، (ولا يظلم ربك أحدا) ، فالفعل الماضي الذي بدأ معه
المشهد يدل على تمكن الحدث وحتمية وقوعه، يتبعه الفعل المضارع المتميز بقد رته ع لى
التصوير والتحليل العميق، فتتابعت الأفعال المضارعة فترى، ويقولون، لا يغادر، بالإضافة إلى
اسم الفاعل (مشفقين) الذي كشف البعد النفسي لدى المجرمين. فيعود النظم إلى الفعل الماضي
لتقف الأحداث ويقف المجرمون أمام المفاجأة غير السارة لهم (ووجدوا ما عمل وا حاضرا) ،
وتختم الآية بحقيقة مستمرة (ولا يظلم ربك أحدا) ، فيعود الإنسان ليستريح مطمئنا إلى عدل ربه.
ومن أسلوب الالتفات القائم على صيغ الأفعال وتنقلها ما نجده قوله تعالى:.أُولَئِكَ َلهُمْ
جَنَّا ُ ت عَدْ ٍ ن َتجْ ِ ري مِن َتحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّونَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِن َ ذهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيَابًا ُ خضْرًا مِّن
سُندُ ٍ س وإِسَْتبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عََلى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسَُنتْ مُرَْتَفقًا. [31] ، تسير الآية في
نسق واحد من الأفعال (تجري) ، (يحلون) ، (يلبسون) ، والفعل من طبيعته التجدد والتغير، فانسجم
كل ذلك مع المياه و النحلية واللباس ولكن ينتقل التعبير إلى الاسم ليضفي ملامح الثبات إذ يمكن
أن يكون التعبير يتكئون حسب التتابع السياقي، فانتقل التعبير من الفعلية إلى الاسمية، فبعد كل
هذه الحركة والتجدد يشعر المتلقي بالهدوء والاستقرار والثبات. ومما ذكر من أمثلة نتبين منها
أن أسلوب الالتفات أسلوب عدولي فيه الخروج عن مقتضى الظاهر، الذي يهيئ له السياق وهذا
.(الأسلوب"يعطي المتكلم أو الكاتب مجالا رحبا للتعبير عن الآراء بطرق مختلفة"(1
التعريف والتنكير:
لظاهرتي التعريف والتنكير حضور بارز في سورة الكهف، ولهما نشاط مميز في إبراز
معاني سياقية، تكشف للمتأمل فيهما أبعادا جمالية قد لا تتحقق من خلال اللغة وقواعدها المعجمية
والمعيارية. وهذان الأسلوبان لا يقتصران على العدول والتبادلية فيما بينهما، بل يتم ذلك فيما
بين أنواع المعارف المتنوعة نفسها؛ طلبا لتحقيق انسجام وتلاؤم إيقاعي وبعد معنوي.
التعريف:
المعارف في اللغة من ضمائر ومعرف (بأل) التعريف والاسم الموصول واسم الإشارة
والمضاف إلى المعرفة والعلم والمنادى. وهذه المعارف منها ما يتميز عن غيره بخصائص
تجعل من السياق للنص الأدبي يختار نوعا من هذه الأنواع على غيره"فإن لكل أداة من أد وات"
التعريف طعما ومذاقا يختلف عن الآخر والذي يحدد الاختلاف ثقل الكلمة، ومكانها، وقيمتها عند
.(المخاطب"(2"
المعارف:
أولا- المعرف بأل التعريف، وتؤدي معاني وظيفية وبلاغية مختلفة، فتكون (أل) التعريف
العهدية أو الجنسية. أي يشير المعرف بأل إلى أمر معهود بين المتكلم والمخاطب، أو إلى جنس
ونفس الحقيقة (3) . ومن فوائد التعريف بأل:
.1) مطلوب، أحمد: أساليب بلاغية، ط 1، الكويت: وكالة المطبوعات، 1980، ص 287)
.2) السلطان، منير: بلاغة الكلمة والجملة، ط 2، الإسكندرية، منشأة المعارف 1993، ص 37)
.3) مطلوب، أحمد: أساليب بلاغية، ط 1، الكويت: وكالة المطبوعات، 1980، ص 150)
-1 الشمول والإحاطة:
ومثل ذلك في قوله تعالى:.الْحَمْدُ لِلَّ ه. [1] ، فالحمد التام خاص بالله، وتمام الحمد وكمال
، (القصد في نفس الحامد يتم بدلالة التعريف"والحمد من حيث صورته لسان من ألسنة الكمال"(1
ويختلف المعنى لو كان التعبير بالتنكير أي حمدًا لله، فينتقل من الثبات واللزوم إلى التغير.
ومنه شمول الزمن في قوله تعالى:.وَاصِْبرْ َنفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ِبالْ َ غدَاةِ وَالْعَشِيِّ
يُ ِ ريدُونَ وَجْهَهُ وََلا تَعْدُ عَيَْناكَ عَنْهُمْ. [28] ، فقد عم الدعاء جميع الأزمان، فالتنكير يدل على
جزء من الوقت أي غداة وعشي، ولكن التعريف شمل الأزمنة وقرب التصور الدلالي.
وفي قوله تعالى:.وَُق ِ ل الْحَقُّ مِن رَّبِّ ُ كمْ. [29] ، فالحق كل الحق من الله وما عدا ذلك يخرج
إلى الباطل، فالتعريف شمل الحق واختص به الله.
ومما كان فيه اشتمال الصفة على الموصوف في قوله تعالى:.بئْسَ الشَّرابُ. [29] ، الذم
واقع على كل شراب في جهنم أي بئس الشراب شراب جهنم، فشمل الشراب المهل والحميم
وغيرهما.
،[ومما يدل على الشمول المعارف في قوله تعالى:.وَمَا كُن ُ ت مُتَّخِ َ ذ الْمُضِلِّي ن عَضُدً ا. [51
وقوله تعالى:.وَرَأَى الْمُجْ ِ رمُونَ النَّارَ. [53] ، فشمل التعبير (المضلين) و (المجرم ون) كل
المضلين والمجرمين من الكفرة واستغرق جنسهم ولم يستثن منهم أحدا.
-2 التعظيم:
ومن التعظيم والتشريف (الكتاب) في قوله تعالى:.الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عََلى عَبْدِهِ الْكَِتابَ
وََلمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا. [1] ، فشأن الكتاب عند الله عظيم، فإما أن يأتي معرفا (بأل) التعريف أ و
مضافا إلى لفظ الجلالة في قوله تعالى:.وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كَِتابِ رَبِّكَ َلا مُبَدِّلَ
لِ َ كلِمَاتِه. [27] ، تعظيما لقدر القرآن الكريم وهذا تناسب مع حرف الجر على عبده المضفي ج وا
1)القنوي، أبو المعالي صدر الدين: إعجاز البيان في تأويل أم القرآن، تحقيق ودراسة عبد القادر أحمد عطا، القاهرة: دار)
.الكتب الحديثة، 1969، ص 272
من الاستعلاء وتعظيم شأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، إذ هنالك فرق بين إليه وعليهما بين
التكليف في إليه والتشريف في عليه. والمؤمن له شأن عظيم عند الله، فقال عز من قائل:
.ويُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَُلونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ َلهُمْ أَجْرًا حَسَنًا. [2] ، فشأنهم عظيم وعملهم
أيضا فجاء باللفظين (المؤمنين والصالحات) معرفين. وفي المقابل الكافر حذف اللفظ الدال عليه
من السياق أمام ذكر المؤمن، علمًا أن ذكر الكافرين تكرر أكثر من مرة في السياق نفسه.(لينذر
بأسا)فحذف ذكرهم ومرة أخرى قلل من شأنهم وفضح اعتقادهم في قوله تعالى:(وينذر الذين
قالوا اتخذ الله ولدا). وحتى لا يأتي من يؤول الكلام في غير محله.
-1 التهويل:
من المشاهد العظيمة يوم القيامة التي تظهر في قوله تعالى:.وَيَوْمَ ُنسَيِّرُ الْجِبَالَ وََت رَى
الأَرْضَ بَا ِ رزَ ً ة. [47] ، فالجبال على ما يتصور من عظمها فإنها له ول ي وم القيامة ستساق
وتتحرك من أماكنها، فلو كان التعبير بكلمة (جبال) فتسوق الذهن بعيدا إلى تصور في عالم غير
محدد مبهم المعالم، فلا يدل على التهويل وهو المقصود في مثل هذا المقام، فيتعايش التص ور
للفظ والمشار إليه وظلال اللفظ معا في موقف مهيب.
ومن مشاهد يوم القيامة المهيبة وقعها على النفس، رؤية كتاب الأعمال، بما فيه من أم ور
عواقبها مرعبة، ورؤية النار وشعور المجرمين بأنهم مواقعوها قبل أن تصلهم. وفي ق وله
تعالى:.وَوُضِعَ الْكَِتابُ. [49] ، وفي قوله تعالى:.وَرَأَى الْمُجْ ِ رمُونَ النَّارَ َف َ ظنُّوا أَنَّهُم
مُّوَاقِعُوهَا. [53] . فكان التعريف وراء هذا الجو المهيب، وتقريب صورته، فلو خلت الكلمات
منها لخف أثرها ووقعها على النفس.
-2 الاختصاص:
ومما اختص بالحديث عنه الصخرة في ق وله تعالى:.َقالَ أَرَأَيْ َ ت إِذْ أَوَيَْنا إَِلى
الصَّخْرَةِ. [63] ،والسفينة في قوله تعالى:.َفان َ طَلَقا حَتَّى إِ َ ذا رَكِبَا فِي السَّفِيَنةِ َ خرََقهَا. [71] ، فعلى
الرغم من أن الصخرة لم تذكر فيما سبق من أحداث إلا أنها جاءت معرفة؛ وذلك لخصوصية
تتمثل في أنها كانت المكان الموعود الذي فيه الملتقى، فإن لم تكن الصخرة قد ذكرت صراحة،