فهرس الكتاب
لكنّ سياق الأحداث ومعرفة الخلفية للقصة تبرر الصيغة وتظهر طبيعة الصخرة، وكذلك الحال
بالنسبة للسفينة.
ثانيا- الاسم الموصول:
وهو من المعارف التي تكتسب تعريفها من غيرها، فتنشأ له علاقة حميمة مع غيره، ولتلك
العلاقة مع غيره تكمن الأهمية؛ إذ له من القدرة في التعمق و التفصيل و التصوير ما ليس لغيره
من المعارف، فيقول الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز"اعلم أن لك في الذي علما كثيرا"
وأسرار خفايا إذا بحثت عنها وتصورتها واطلعت على فوائد تؤنس النفس وتثلج الص در، بما
(يفضي بك إليه من اليقين، ويؤديه إليك من حسن التبيين"(1"
ومن خلال الأمثلة المختارة التالية تتضح بعض من إسهامات الاسم الموصول في ا لقدرة
على التفصيل وحسن التبيين، فالتعبير عن المعنى في قوله تعالى:.الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عََلى
عَبْدِهِ الْكِتَابَ وََلمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا. [1] ، أمام اختيارات أخرى تمكنها اللغة، نكتفي ببعض منها،
مثل الحمد لله منزل الكتاب. فيعطي المعنى نفسه ولكن الفرق يتأمله ذو الخبرة والذوق في اللغة،
فظلال العظمة مع الاسم الموصول بادية، وعدم المباشرة إلى المعنى مما يضفي من جماليات
إلى الأسلوب، واستمرارية الدلالة مع الفعل، بما يتناسب مع تعزيز وطمأنة الرسول(صلى الله
عليه وسلم)، فهذه المعاني الثواني العميقة تتكشف من خلال القراءة الفاحصة المتأملة، ولا تكون
بغير هذا التركيب
ويتكرر الاسم الموصول في قوله تعالى:.إِنَّ الَّذِينَ آمَُنوا وَعَمُِلوا الصَّالِحَا ت َ كاَنتْ َلهُمْ
جَنَّا ُ ت الْفِرْدَوْ ِ س ُنزُ ً لا. [107] ، وفي مواطن عدة في السورة ومنها ق وله تعالى:.ويبشر
المؤمنين الذين يعملون الصالحات. [ا، 2] . قال تعالى:.إِنَّ الَّذِينَ آمَُنوا وَعَمُِلوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا َلا
ُنضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَ ً لا. [30] ، وفي قوله تعالى:.وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا َفَلهُ جَزَاء
الْحُسَْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْ ِ رَنا يُسْرًا. [88] . فهذا التكرار في سياق العمل الصالح والجزاء
.2004 - 1) الجرجاني، عبد القاهر: دلائل الإعجاز، قرأه وعلق عليه محمود شاكر، ط 5، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1424)
.ص 199
بالجنة مرتبط بالاسم الموصول، والتركيز على الاسم الموصول يدل بوضوح إلى أن ما يمكن
أن يؤديه الاسم الموصول قد لا يؤديه غيره من المعارف أو الأساليب الأخرى. فقد ربط التعبير
بين الإيمان والعمل الصالح والاستمرار بدلالة الفعل الذي تكرر مع كل من الأمثلة ال واردة.
ومثله ما جاء في قوله تعالى:.وَاصِْبرْ َنفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ِبالْ َ غدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ. [28] . فلو كان التعبير بالاسم الصريح، لتوقف نشاط الجملة في دقة التعبير والوصف،
فالاسم في بعض حالاته يثبت، والمؤمنون في حالة من التجدد مع الفعل والاستمرار، بالإضافة
إلى سعة التغبير مع الاسم الموصول.
ثالثا- اسم الإشارة:
ويتطلب السياق استخدام اسم الإشارة في أحيان فلا ينوب مكانه لفظ آخر، وينقسم إلى أن واع
بحسب المشار إليه، للقريب والبعيد، على أن القرب والبعد قد يكون بعدا مجازيا؛ مما يخرجه
عن الاستعمال الحقيقي فيفيد معاني جديدة، منها:
-1 التعظيم:
الكفر أمر يزداد قبحه عندما يكون بعد أدلة واضحة عظيمة الشأن كما في قول ه تعالى:
.َفَلعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عََلى آثَا ِ رهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمُِنوا ِبهَ َ ذا الْحَدِيثِ أَسَفًا. [6] ، وفي قوله تعالى:.وََلَقدْ
صَرَّفَْنا فِي هَ َ ذا الُْقرْآ ِ ن لِلنَّا ِ س مِن ُ كلِّ مََثلٍ وَ َ كانَ الإِنسَانُ أَكَْثرَ َ شيْءٍ جَدَ ً لا. [54] ، لقد تكرر اسم
الإشارة (هذا) في الآيتين، والمشار إليه واحد، فالقرآن الكريم على بيانه وقوة تأثيره في النفوس
فهو عظيم بكل ما فيه ومع هذا يأتي من لم يؤمن به. وفي الآية الثانية زيادة في إظهار جلال
القرآن وعظيم شأنه فهو لم يترك صغيرة أو كبيرة إلا وفيه بيانها، ورافق ذلك الأسلوب في اسم
الإشارة بما أفاد من التعظيم، ويتكرر مع الحالتين عناد الكافرين.
-2 التنبيه:
،[ومما أفاد التنبيه اسم الإشارة ما ورد في قوله تعالى:.َقالَ هَ َ ذا فِرَا ُ ق بَيْنِي وَبَيْنِ ك. [78
ليبن لموسى (عليه السلام) أنه آن الفراق، وليوضح له أسبابه، قد يكون غريبا أن يفارق وه و
محب له، ولكن ينتفي العجب إذا تابعنا الحوار، فهو مشفق عليه لعدم تحمله ما لا يستطيع
الإنسان تحمله، فقد فسر له بعد ذلك ما ُ غم عليه من أمور، فكان فراقه فراق الحبيب ا لشفيق
عليه، وقد ساهم اللفظ بذلك، فقال هذا فراق بالضم وليس بالتنوين والضم أخف من التنوين، وقد
تمت مناقشة الأمر في الفصل الأول.
إظهار البعد النفسي:
الحالة النفسية تمر بمراحل مختلفة؛ ولذا تأخذ طابعا معينا مع كل حالة، فيؤثر ذلك على
اللغة المستعملة مفردات وتراكيب، واسم الإشارة تكرر استعماله في حالات نفس ية متشابهة،
فشكل بذلك ظاهرة أسلوبية.
فاسم الإشارة للقريب في قوله تعالى:.َقالَ هَ َ ذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي. [98] ، يفيد الارتياح
النفسي الذي مبعثه من الرحمة التي دل عليها اسم الإشارة هذا، مما جعل الحديث عنه مريحا
نفسيا؛ وذلك لقربه من المشهد نفسيا ومكانيا.
التعلق النفسي في خطاب صاحب الجنتين يظهر من خلال اسم الإشارة في قوله تعالى:
.وَدَ َ خلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ َ ظالِمٌ لَِّنفْسِهِ َقالَ مَا أَ ُ ظنُّ أَن َتِبيدَ هَذِهِ أَبَدًا. [35] ، هذه اسم إشارة للقريب،
وليس القرب المكاني فحسب، بل يتعدى ذلك، فالرجل صاحب الجنة كان قلبه متعلقا بها معظما
لأمرها؛ فمن عادة المتكلم إذا رغب في إطالة الكلام عن شيء يحبه ومتعلق به، فيشير إليه باسم
الإشارة للقريب ويعامله في اللغة معاملة القريب.
ويظهر البعد النفسي من خلال اسم الإشارة في قوله تعالى:.َفَترَى الْمُجْ ِ رمِينَ مُشْفِقِينَ
مِمَّا فِيهِ وَيَُقوُلونَ يَا وَيَْلَتَنا مَا ِ ل هَ َ ذا الْكَِتا ِ ب لا يُ َ غادِرُ صَغِيرَ ً ة وََلا كَبِيرَ ً ة إِلا أَحْصَاهَا. [49] . في
ذلك الموقف العظيم يوم القيامة، مصير الإنسان متعلق بما سجل له من عمل فينظر إليه فيملأ
عليه سمعه وبصره وكل شيء يحس فيه، فلا يرى أقرب منه شيئا عليه فكانت اللغة التعبيرية
باسم الإشارة للقريب أدق ما يكون. ومثله في قوله تعالى:.َفَلمَّا جَاوَزَا َقالَ لِفَتَاهُ آتَِنا َ غدَاءَنا
َلَقدْ َلقِيَنا مِن سََف ِ رَنا هَ َ ذا نَصَبًا. [62] ، من طبيعة الإنسان أن يرى أن أصعب عمل هو الذي يحل
به، فيراه لقربه منه يملأ عليه مشاعره، ويعظم أمره عليه، وإن كان هو سبب في حل لغزه الذي
يبحث عنه.
اسم الإشارة للبعيد لعلاقة في البعد المكاني والمرتبط بموقف نفسي صعب نلمسه في قوله
تعالى:.َقالَ َ ذلِكَ مَا ُ كنَّا َنبْغِ. [64] ، كان هذا الخطاب بعد أن وصل موسى وفتاه إلى مكان بعيد
عن المكان الذي فيه يتم اللقاء الموعود؛ لذا كان اسم الإشارة للبعيد. أما اسم الإشارة ذلك في
قوله تعالى:.وَلا تَقُولَنَّ لِ َ شيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ َ ذلِكَ غَدًا. [23] ، فهو مقترن بالزمن غدا، وهو ليس
شرطا بالزمن البعيد، ومع هذا استخدم للدلالة على البعيد، فبعده ناتج عن أمرين، فالغد من
المغيبات التي لا يعلم إلا الله ما يحصل فيها، والإنسان بعلمه وقدرته مهما بلغ من مكانة لا يقدر
عليها ولا يتأكد من تحقيقها؛ ولذا من عزم على أمر في المستقبل لا بد أن يربطه بمشيئة الله،
وهذا من علامات الإيمان.
-4 السمو والارتفاع:
ويفيد اسم الإشارة للبعيد أحيانا ومن خلال السياق السمو وارتفاع المكانة كما يظهر في قوله
تعالى:. َ ذلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ. [17] ، فيظهر من اسم الإشارة سمو المشار إليه وعظم شأنه،
فالآيات لها من الشأن العظيم والعلو ما يجعل المتأمل لها ينظر إليها بإجلال وتعظيم.
-5 البعد عن الرحمة:
وفي سياق آخر، فإن اسم الإشارة للبعيد يدل على بعد المشار إليه (الكفار) عن رحمة الله،
كما يبدو ذلك في قوله تعالى:.أُوَلئِكَ الَّذِينَ َ كَفرُوا ِبآيَاتِ رَبِّ ِ همْ وَلِقَائِهِ. [105] . ومثله في قوله
تعالى:. َ ذلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ ِبمَا َ كَفرُوا. [106] ، فاسم الإشارة ذلك للبعيد، بعدا عن رحمة الله
كما يفيد التحقير والتقليل من شان الكفار وأعمالهم.
ثانيا- التنكير:
دلالة النكرة في علاقة ضدية وتباين مع المعرفة، وتأتي النكرة لمعنيين أساسيين هما"الن وع"
والإفراد" (1) . وقد يفيد التنكير معاني بلاغية أخرى من خلال تفاعلها مع سياق الآيات، ما يدل"
على عموم والتكثير والتقليل والتهويل والتحقير.
-1 ما دل على عموم:
فالنكرة التي تدل على عموم كلمة (عوجا) في قوله تعالى:.يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا. [1] ، فشمل
اللفظ كل أنواع العوج التي يمكن أن تتبادر إلى فكر الإنسان، فال عوج يمكن أن يك ون في
الأعراض أو الجواهر أو كليهما، ولذا كان التنكير دا ً لا على العموم شاملا لكل أنواع العوج.
ومثله كلمة (شيء) في قوله تعالى:.وَلا تَقُولَنَّ لِ َ شيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ َ ذلِكَ َ غدًا. [23] ، فكلمة
شيء النكرة جمعت في لفظها كل أمر يعزم الإنسان فعله، سواء كان كبيرا عظيما أم صغيرا أو
مما يستطيع الإنسان فعله أم مما لا يستطيع، فلا بد من ربطها بمشيئة الله تعالى.
-2 التكثير:
ومن النكرة التي تدل على التكثير كلمة (سببا) في سياق الآية الكريمة في قوله تعالى:.إِنَّا
مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْ ِ ض وَآَتيَْناهُ مِن ُ كلِّ َ شيْءٍ سَبَبًا. [84] . فالله تعالى أمدَّ ذا القرنين بكل أنواع القوة
والتمكين، يعلم منها أشياء وقد تخفى أخرى، فجاءت كلمة (سببا) نكرة، فالأسباب متنوعة كثيرة
ولا يعلم ماهيتها إلا الله.
-3 التحقير:
ومما يدل على التحقير وتقليل الشأن لفظ (كلمة) في قوله تعالى في وصف كلام ال كفار:
.َ كبُرَتْ َ كلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِ ِ همْ. [5] ، فكلامهم عجيب غريب قليل الشأن عند الله ولذا كان
.1) أبو موسى، محمد: خصائص التراكيب، ص 163)