الصفحة 46 من 61

التعبير عنه بالتنكير، وقد تناولت هذه الآية في أكثر من جانب، وتمركزت الإجراءات في

الأغلب عند (كلمة) ، فتشكل حولها انصباب أسلوبي لافت.

ومثل ذلك من التقليل في شأن الجدل لمجرد الجدل لا للوصول إلى الحقيقة في قوله تعالى:

.وَ َ كانَ الإِنسَانُ أَكَْثرَ َ شيْءٍ جَدَ ً لا. [54] ، جاء التعبير عن الإنسان بأنه شيء"وذلك لكي يطامن"

الإنسان من كبريائه، ويقلل من غروره" (1) ، إذا ما سولت له نفسه حب الجدل الذي لا طائل منه."

ومن قبيل التقليل من الشأن كان الحديث عن (ملك) في قوله تعالى:.وَ َ كانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ

يَأْ ُ خُذ ُ كلَّ سَفِيَنةٍ غَصْبًا. [79] ، الملك الوارد ذكره كان جبارًا يسلب الناس حقوقهم، ومثل هذا

يكون عند الله ضعيفا قليل الشأن، مهما علا سلطانه وتجبر.

-4 التوسع في الرحمة:

فإذا كان التنكير يفيد التقليل في مواضع فإنه في أخرى يفيد التوسع في الرحمة كما في قوله

تعالى:.َفوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آَتيَْناهُ رَحْمَ ً ة مِنْ عِندَِنا وَعَلَّمَْناهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمً ا. [65] يفيد

التكثير، فالكلمتان (رحمة وعلما) نكرتان، وهما بالنسبة إلى رحمة الله الواسعة وعلمه الذي لا

يحيط به أحد قليلان، ولكن القليل من الله رحمة وعلما كثير لأهل الدنيا.

وقد ساهمت النكرة في تشكيل عنصر المفاجأة في قوله تعالى:.حَتَّى إِ َ ذا َلقِيَا ُ غلَامًا

َفَقَتَلهُ. [74] ، فلا علاقة سابقة لهم بالغلام ولا معرفة، ولذا كان قتله أمرا غريبا ومفاجئا لموسى

عليه السلام.

-5 التخويف والتهويل:

ومن التهويل كلمة (موبقا) في قوله تعالى:.وَيَوْمَ يَُقولُ َنادُوا ُ شرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمُْتمْ

َفدَعَوْهُمْ َفَلمْ يَسَْت ِ جيبُوا َلهُمْ وَجَعَلَْنا بَيَْنهُم مَّوْبِقًا. [52] ، لقد جاءت (موبقا) اسم نكرة، وقد اختلف

علماء التفسير في دلالتها، فهذا مما يزيد من هول هذا العذاب الذي سيلحق بالكافرين والمشركين

في نار جهنم.

.1) قطب، سيد: في ظلال القرآن، ج 4، ص 2275)

الحوار:

الحوار أسلوب متقدم في الفكر البشري أو إحدى الوسائل التي ترقى بالفكر البشري، إذ

تقرب المسافات بين النفوس بعد عملية الكشف عن خباياها، ومعرفة الحقائق، التي يمكن أن

تغبن وتختفي، وقامت أغلب الحضارات على الحوار بين أطراف الصراع، فإذا ما أريد له

النجاح والإثمار فلا بد من مقومات للحوار، وأدبيات تلتزم. فالحوار مهم جدا بالنسبة للداعية

ولذلك وجه الله تعالى نبيه إلى هذا الأسلوب في الدعوة؛ كان الحوار ه و الطابع العام في

السورة، حيث وردت ألفاظ الحوار (قال وقل وقالوا) ما يقارب من سبعين مرة وذلك للفت الانتباه

إلى هذه الغاية وهي اعتماد الحوار في مرحلة الدعوة أساسا ومنهجا.

وقد عمد القرآن الكريم الحوار أسلوبا ظاهرا في جوانب شتى، سواء على صعيد المحاجة

بين الأنبياء وأقوامهم وما اشتمل عليه من حجج وبراهين قاطعة مانعة، أو من خلال العرض

القصصي الذي يبرز في كثير من قصص القرآن. وذلك لما يمثله الحوار"فهو كالر وح التي"

ترى في كيان العمل القصصي وبغير الحوار لا نجد الفائدة الحقة ولا نجد ذلك الذ وق الرفيع

والتكوين البديع" (1) . فالحوار يقوم يظهر أبعاد الشخصيات في القصة، بشكل لا يتسنى للسرد"

والوصف أن يقدمه وخاصة فيما يتعلق بالحالة النفسية العميقة، كما يمثل السبيل الأفضل للتعليم

والتعلم، الذي يشكل منحى رئيسا في سورة الكهف، فكان التعليم في الموضوعات والأخبار التي

تناولتها الآيات وأساليب العرض وخاصة لأهل الدعوة. ومن خلال النماذج المتن وعة يظهر

التنوع في أساليب الحوار.

وطبيعة المتلقي تقتضي نوعا من الحوار ولذلك جاء في قوله تعالى:.َفلا ُتمَا ِ ر فِي ِ همْ إِلا

مِرَاء َ ظاهِرًا وَلا َتسَْتفْتِ فِي ِ هم مِّنْهُمْ أَحَدًا. [22] ، فكان بذلك إرشادا للرس ول(صلى الله عليه

وسلم)ولأهل الدعوة للتعامل مع كل فئة من الناس حسب طبيعتهم، إذ من الناس لن يؤمن حتى

لو رأى الآيات كلها. ومن طبيعة حوار أهل الدين أنهم لا يوصدون بابا أمام أحد، ويقتنع ون

.1) سليمان، علي حسن محمد: القصة القرآنية الخصائص والأهداف، ص 78)

لوجود دليل على صواب الرأي الآخر، قال تعالى:.هَؤُلاء َقوْمَُنا اتَّ َ خُذوا مِن دُونِهِ آلِهَ ً ة لَّوْلا

.[يَأُْتونَ عََليْ ِ هم ِبسُلْ َ طا ٍ ن بَيِّ ٍ ن َفمَنْ أَظَْلمُ مِمَّ ِ ن افَْترَى عََلى اللَّهِ كَذِبًا. [15

وفي المقابل الكفار تنعدم لديهم أساليب الحوار البناء، فما أن تك ون الغلبة لهم فإنهم

يسارعون إلى التنكيل بالمؤمنين، قال تعالى:.إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عََليْ ُ كمْ يَرْجُمُو ُ كمْ أَو يُعِيدُو ُ كمْ فِي

.[مِلَّتِ ِ همْ وَلن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَد. [20

نستشف من دراسة الظواهر الأسلوبية وتكرارها أنها كانت بالدرجة الأولى تنصب ح ول

أفكار حرصت الآيات على إبرازها، فتعاضدت تلك الظواهر في أغلب الأحيان لتظهرها بأكثر

من شكل، يحقق بذلك التوصيل والتأثير والكشف النفسي والفنية الأدبية.

النفي:

يعد النفي أحد الأساليب اللغوية التي يلجأ إليها المتكلم في اللغة الوظيفية، وذلك لإبطال حكم

تحمله عبارة المتكلم بأحد طرق النفي. والنفي لغة الطرد والإبعاد وهو عكس الإثبات، وأما

طرقها فمنها الأدوات مثل لم ولن وما ولا وغيرها، ومنها أسماء وأخرى أفعال، رسخت في

ذهن أهل اللغة ويتعايشون معها.

وبما أن الدراسات البلاغية لا تتعامل مع اللغة الوظيفية المعيارية وإنما مع اللغة الأدبية

التأثيرية، فإن أدوات النفي تدرس على جانبين أولهما عمليات الاختيار و الانزياح الأسل وبي،

وثانيا قدرة أدوات النفي على تشكيل المثير الأسلوبي والذي يبرز المحور المبني عليه فكرة

النص.

أشرت سابقا أن سورة الكهف سورة مكية، وهذه المرحلة تمثل فترة الهدم والبناء، هدم البدع

والخرافات وعقيدة الكفر التي كانت سائدة وبناء أسس عقيدة الإيمان والنور والعلم، فكان لا بد

من عملية إزالة وإحلال، والإزالة تكون بأحد أساليب النفي التي سنطالعها في الس ورة عددا

ونوعا وموضعا؛ ليكشف ذلك عن علاقات داخل النسيج الأدبي يشعر المتأمل (السامع) بمتعة من

تكرار الأساليب، فيعيش اللحظة الإيمانية بكل أبعادها.

التكرار في حروف النفي:

أكثر حروف النفي استعمالا في السورة الحرف (لا) ، حيث تكرر في السورة عشرين مرة،

يليه من حيث التكرار (لم) فتكرر أربع عشرة مرة، يليه ما ولن وكل منهما تكرر إحدى عشرة

مرة. وجاءت (إن) تفيد النفي مرة واحدة.

أما خصوصية كل حرف من هذه الحروف فيتبع ذلك الدلالة الوظيفية من باب والدلالة

السياقية في باب آخر، ويتعدى أثرها إلى التركيب النحوي في بعض الحروف، كحرف النفي

لم، ولن، وعلاقتهما بالجزم والنصب.

يلاحظ التنويع في حروف النفي وهذا بحد ذاته يضفي مسحة جمالية إلى النص، بالإضافة

إلى ما يحدث أسلوب العدول في قوله تعالى:.إِن يَُقوُلونَ إِلا كَذِبًا. [5] ، فعدل عن أداة النفي

المألوفة في مثل هذا المقام مثل ما أو لا، ولكن اختيار إن يشكل مثيرا أسلوبيا يجذب المتلقي

ويشده فيتنبه إلى خطورة القول المؤكدة مع النفي.

أما (لا) فهي ذات ملمح صوتي لين يزيده بذلك حرف المد، فيكون استعمالها في سياق من

الود كما يظهر في قصة سيدنا موسى (عليه السلام) مع العبد الصالح، فقد لاحظنا أسلوب الت ودد

من موسى عليه السلام في قوله تعالى:.َقالَ سََت ِ جدُنِي إِن َ شاء اللَّهُ صَابِرًا ولا أَعْصِي لَكَ

أَمْرًا. [69] ، وكان من الممكن أن يقول ولن أعصي لك أمرا، لكن لن فيها ثقل ووقع وإظهار

لأمر قد لا يقوى عليه لعدم معرفته له. وتكررت في قوله تعالى:.َقالَ لا ُتؤَاخِذْنِي ِبمَا نَسِي ُ ت

وَلا ُترْهِقْنِي مِنْ أَمْ ِ ري عُسْرًا. [73] ، فشكل التكرار ملمحا أسلوبيا في القصة حتى أن العبد

الصالح قال في قوله تعالى:.َقالَ َفإِنِ اتَّبَعَْتنِي َفلا َتسْأَلْنِي عَن َ شيْءٍ حَتَّى أُحْدِ َ ث لَكَ مِنْهُ

.[ذِكْرًا. [70

ومن التكرار لحرف النفي لا في قوله تعالى:.ووضِعَ الْكَِتابُ َفَترَى الْمُجْ ِ رمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا

فِيهِ ويَُقوُلونَ يَا ويَْلَتَنا مَا ِ ل هَ َ ذا الْكَِتا ِ ب َلا يُ َ غادِرُ صَغِيرَ ً ة ولا كَبِيرَ ً ة إِلا أَحْصَاهَا ووجَدُوا مَا عَمُِلوا

حَاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. [49] ، فتكررت لا مع إمكانية استبدالها بلم، ولكن مع لم فيها قطع

للصوت، والمقام هنا فيه ألم وتفجع فيلزم معه الصوت الطويل (لا) ، ويمكن استبدال لا في لا

يظلم ب (لن) ، أما لن فهي للمستقبل من حيث الدلالة والأدق في التعبير أن الله عادل ولا يظلم

في أي زمن، وتكرارها أيضا يفيد ملمحا من التناسب اللفظي بين الحروف ليعطي معنى متناسب

فالكتاب فيه عدل وحكم الله عادل.

ويلاحظ أيضا تكرار حروف النفي (لن) مع السياق الداعي إلى الأيمان والتوحيد والبعث

وعلم اليقين، فينفي كل ما يخالف ذلك من إشراك وريبة وافتراء، ومن ذلك في قوله تعالى:.َلن

نَّدْعُوا مِن دُونِهِ إِلَهًا َلَقدْ ُقلَْنا إِذًا شَطَطًا. [14] ، فهذا رد على المشركين بالله، وفي قوله تعالى:

.َ ذلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ َفهُوَ الْمُهَْتدِ وَمَن يُضْلِلْ َفَلن َتجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا. [17] ، فتكرر

.[حرف النفي مع قضية التوحيد والإيمان، ومثلها. فلن يهتدوا إذا أبدا. [57

ويكون النفي أيضا من غير أداة النفي، وذلك بانزياحات أسلوبية كالاستفهام، أو عن طريق

التفضيل في قوله تعالى:.َقاُلوا يَا َ ذا الَْقرَْنيْ ِ ن إِنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ا لأرْ ِ ض َفهَلْ

نَجْعَلُ َلكَ خَرْجًا عََلى أَن َتجْعَلَ بَيَْنَنا وبَيَْنهُمْ سَدًّا {94} َقالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِيُنونِي بُِقوةٍ

أَجْعَلْ بَيَْن ُ كمْ وبَيَْنهُمْ رَدْمًا. [95] ، فكان جوابه لعرضهم بالنفي الذي يفهم من سياق تفضيل ما

أعطاه الله على ما عندهم، وفي ذلك أسلوب مؤدب من ذي القرنين مع ربه وفي التلميح بالنفي

وليس بالتصريح، مراعيا حالة القوم.

في نهاية الطواف في رحاب الظواهر الأسلوبية في سورة الكهف، وما بدا فيها من جوانب

إعجاز وجمال فني يؤازر بعضه بعضا. وحيث أن البحث يعرض لنماذج موسعة ودقيقة في

الظواهر الأسلوبية إلا أن الإلمام في كل اللطائف البلاغية غاية كل باحث، ولكن هيهات أن نلم

وبشكل كامل في بحث بل وأبحاث بكل جوانب الإعجاز في القرآن الكريم. ولا يسعني إلا أن

استشعر عظم الأمر من قول الله عز من قائل:.ُقل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّ َ كلِمَاتِ رَبِّي َلَنفِدَ الْبَحْرُ

.[َقبْلَ أَن تَنَفدَ َ كلِمَا ُ ت رَبِّي وََلوْ ِ جئَْنا ِبمِثْلِهِ مَدَدًا. [109

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت