الصفحة 47 من 61

الفصل الثالث

(التصوير الفني في سورة الكهف) .

مفهوم الصورة الفنية وأهميتها.

الصوت والصورة.

التصوير المعتمد على التشبيه.

التصوير بالمجاز.

الاستعارة.

المجاز المرسل.

التصوير المعتمد على الكناية.

التصوير بالحقيقة.

أنواع من الصور الفنية- الصورة النامية- الصورة التكاملية.

التناسق الفني بين الصور.

الصورة الفنية مفهومها وأهميتها:

الصورة الفنية من الاصطلاحات النقدية البلاغية التي لم يتم الاتفاق عليها تمام الاتفاق،

وذلك لأسباب كثيرة تكتنفها وتحيط بها، فعلماء اللغة تناولوها من جانب والنقاد على اختلاف

اتجاهاتهم ومنطلقاتهم تناولوها من زوايا مختلفة في التفاصيل متفقة في المفهوم العام، وفي أثر

الصورة الفنية في الأعمال الأدبية، ويظهر الاختلاف أيضا بين القدماء والمحدثين في فهمهم

للصورة.

فالصورة لغة: تخيل الهيئة أو الشكل الذي تتميز به الموجودات على اختلافها وكثرتها،

ولأن لكل شيء صورة خاصة وهيئة مفردة يتميز بها" (1) ، وعند النقاد فالصورة الفنية"هي كل

ضرب من ضروب المجاز يتجاوز معناه الظاهر ولو جاء منقولا عن الواقع" (2) ، فهي إما مادية"

حسية وإما معنوية تدرك بالعقل والتمثيل الخيالي. ويميل الأديب إلى التعبير بالصورة في الأغلب

عندما لا تفي الألفاظ المفردة بالإحاطة بالمعاني العامة أو نقل مشاعر في نفسه،"فيفزع إلى فن"

التصوير في اللغة التي تقدم صورا متعددة للتعبير عن المعنى الواحد فيختار منها صورة يتخذها

.(قالبا يصب فيه ما في نفسه وينقله إلى السامع على شكل يرضاه"(3"

إنّ من أهم ما يمكن أن يقف عنده الدارس أو الناقد في دراس ته النص وص الأدبية ه و

الصورة الفنية، وليس من المبالغة فيه إذا قيل إن الصورة الفنية الأدبية هي التي تمايز الأعمال

الأدبية،"وإذا قيل الأدب، فاعلم أنه لابد معه من التصوير؛ لأن النفس تخلق فتص ور فتحسن"

الصورة؛ وإنما يكون تمام التركيب وجمال صورته ودقة لمحاته، فإذا خلا من التصوير عاد بابا

.(من الاستعمال بعد أن كان بابا من التأثير(4

1)ابن منظور: لسان العرب، مادة (صور) .)

-2) عساف، سياسين: الصورة الشعرية، ط 1، لبنان: بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1402)

.1982، ص 32

.3) ينظر لاشين، عبد الفتاح: البيان في ضوء أساليب القرآن، ط 1، مصر: دار المعارف، 1984، ص 18)

.212 - 4) الرافعي، مصطفى صادق: وحي القلم، بيروت: دار ابن زيدون، ج 2، ص 211)

فالصورة الفنية شكل مميز من أشكال التعبير الأدبي إذ هي"جوهر العمل الشعري وأداته"

القادرة على الخلق والعطاء" (1) ، ولذا لا تقتصر فاعليتها على ما ينبعث من خلالها من جماليات"

فنية، فهي عنصر من عناصر العمل الأدبي وشكل من أشكال التعبير الفني و"قد تعين على"

كشف معنى أعمق من المعنى الظاهري للقصيدة" (2) . فالصورة كيفية وجود من حيث البناء الفني"

وكذلك هي كيفية تعبير، ولذلك تكون قيمة الصورة"في أنها تعمل على تنظيم التجربة الإنسانية"

الشاملة للكشف عن المعنى الأعمق للحياة والوجود؛ المتمثل في الخير والجمال من حيث

.(المضمون والمبني بطريقة إيحائية مخصبة من حيث الشكل"(3"

فإذا كانت الصور الأدبية في نشاطها داخل العمل الأدبي تزيده رونقًا وجما ً لا، فإن لها أيضا

انعكاسا وتأثيرا على المتلقي"فتبدو أهمية الصورة الفنية فيما توصله إلى نفوس الآخرين من"

خبرة جديدة وفهم عميق للأمور، ويهدف الشاعر بها إلى إثارة الشعور لدى المتلقي" (4) ، ويعتمد"

على ذلك التواصل نجاح الصورة الأدبية وتبرير وجودها.

يلاحظ أن الأسلوب الأدبي في العادة يميل إلى التنوع، فيضفي ذلك على النص الأدبي أبعادًا

فنية جمالية، فيعطي المتلقي لذة ومتعة وتشويقا وانتباه في كل جانب نظر فيه، والتصوير الفني

من تلك الأساليب إن لم يكن أهما وأكثرها حضورا، فالصورة بأشكالها المختلفة ومصادرها

ومنابعها مع تجليات الأساليب الفنية الأخرى الداخلة في العمل الأدبي تحتل مكانة لا يمكن

تجاهلها"وبهذا الفهم لا تصبح الصورة شيئًا ثانويا يمكن الاستغناء عنه أو حذفه وإنما تصبح"

.(وسيلة حتمية لإدراك نوع متميز من الحقائق تعجز اللغة العادية عن إدراكه أو توصيله"(5"

إن دراسة الصورة الأدبية تلتزم وعيًا لإدراك ماهيتها واكتشاف أهميتها في ضوء معطيات

النقد و علم اللغة اللذين يشكلان المحاور الأساسية في الدراسة الأسلوبية، فلم يعد ينظر إلى

.1) عودة، خليل: الصورة الفنية في شعر ذي الرمة، ص 6)

.2) عباس، إحسان: فن الشعر، بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر 1955، ص 227)

.1999، ص 15، 3) الرباعي، عبد القادر: الصور الفنية في شعر أبي تمام، عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع، ط 2)

.4) عودة، خليل: مفهوم الصورة الفنية، ص 8)

5)عصفور، جابر: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، المركز الثقافي العربي، ص. 464)

الصورة في الفهم الحديث على"أنها زخرف أو مجرد حلي ترصع العمل الأدبي، وإنما ننظر"

إليها على أنها جزء من صميم الشعر" (1) . والصورة الفنية متعددة الأشكال والمصادر التي تعتمد"

عليها في بنائها، ما بين التشبيه بأنواعه، والمجاز، والكناية، والتصوير بالحقيقة، ويجمع كل ذلك

الخيال الذي يعد المرجع الأساس والخلاق في الصورة الفنية،"فإذا كان يطلق على التشبيه"

والمجاز والكناية مصطلح الصورة فلأنها الأدوات المخصصة للتصوير والتي يدخل فيها الخيال

بدرجة أساسية معجونا بالوجدان والثقافة والمهارة ولتخلق شيئًا ليس موجودا في الوجود بتمام

.(مواصفاته التي أبدعها الفنان في الصورة"(2"

وتعدد أنواع الصورة يتعلق بأمور تتجاذبها داخل السياق وخارجه، وتمثل ذلك بالقرآن فقد

"تناول القرآن الكريم الدنيا والآخرة في معان وصور مرسومة شاخصة للعين، ولم يتناولها فكرة"

مجردة؛ لتظل ماثلة في الأذهان" (3) . ويتشكل النص الأدبي في العادة من صورة كلية مركزية"

تقوم على تماسك الصور الجزئية وتهيئة الجو العام والإيقاع الداخلي في النص ليخلق كل ذلك

حالة نفسية واحدة عند القارئ، وسوف يبدأ البحث من الصور الجزئية ومن ثم يتدرج إلى ج و

التناسق الفني العام في السورة؛ وذلك لأن"الصور الجزئية وسيلة لاستكشاف الرؤيا التي"

.(تحتضن هذه الصور وتوجهها"(4"

يبرز لدينا مما سبق بعض جوانب أهمية الصورة الفنية، فتتمثل أهميتها في العمل الأدبي

ليس بما تقدم من المعاني داخل العمل الأدبي فقط، فهي قد لا تخلق معنى جديدا وليس القصد

منها ذلك إذ"إن الصورة لن تغير من طبيعة المعنى في ذاته إنها لا تغير إلا من طريقة عرضه"

وكيفية تقديمه" (5) ، وإنما هي وسيلة خاصة في التعبير، تمتاز بتحقيق الإثارة لدى المتلقي،"

والمتعة، والدهشة، وتفسح المجال للتخيل والخروج عن المألوف، وتؤثر في المتلقي، فتثيره إثارة

1)عودة، خليل محمد حسن: الصورة الفنية في شعر ذي الرمة، رسالة لنيل الدكتوراة في الآداب، القاهرة: جامعة)

.القاهرة- كلية الآداب، 1987، ص 14

.2) سلطان، منير: الصورة الفنية في شعر المتنبي، ص 148)

.3) عامر، فتحي احمد: المعاني الثانية في الأسلوب القرآني، ص 124)

4)ساسين، عساف: الصورة الفنية ونماذجها في شعر أبي نواس، ط 1، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر)

.1982،ص 33 - والتوزيع، 1402

.5) عصفور، جابر: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، القاهرة: المركز الثقافي العربي، ص 323)

خاصة تدفعه إلى موقف أو سلوك معين، وبذا تحقق الصورة الفنية جمالية التعبير والمتعة

الذهنية و التأثير بطريقة لا يمكن للغة العادية أن تؤديها، إذ لو كانت اللغة العادية تؤدي نفس

الغرض وبالطريقة المؤثرة نفسها لكان التعبير بالحقيقة أولى من اللجوء إلى اللغة المجازية.

التصوير الفني في القرآن:

لقد تنوعت الأساليب في القرآن الكريم، ما بين الإقناع والتأثير والاستمالة لما جاءت به

العقيدة من تشريع وحقائق في عالم الغيب، كانت الصورة الفنية أحد هذه الأساليب التي"تؤدي"

دورها على أنها طريقة في الإقناع وتحرص على إثارة الانفعالات في النفوس، على النحو الذي

يؤثر في المتلقي ويستميله إلى القيم الدينية السامية" (1) . كذلك نجد أن التصوير الفني في القرآن"

الكريم هو الأداة المفضلة في أسلوبه فهو يعبر عن المعنى الذهني والحالة النفسية وعن الحادث

المحسوس والمشهد المنظور وعن النموذج الإنساني (2) ، إذ تعمق القرآن الكريم في تصويره لأن

الله تعالى الأعلم بخلقه. وتشترك عناصر التركيب والسياق في النشاط الخيالي مع الص ورة

الفنية،"فقد ترى في الشعر إدراكا استعاريًا أو مجازيا ثم تجد المعنى مرتبطا بتوتر ص وتي أو"

لون موسيقي أو إيقاع أو صيغة أو مدلول لغوي أو تركيب نحوي" (3) ؛ ولذا لا يقتصر مفه وم"

الصورة على التشبيه والفنون البيانية، بل تشاركها عناصر أخرى من مكونات التركيب اللغ وي

كالصوت ونقل المشهد على حقيقته، ولكنك تجد مع ظهور العاطفة أثرا فيه"فالعاطفة من أهم ما"

في الصورة الأدبية فهي تشرح خواص الصورة وتنقل تأثيرها وجمالها، ولذلك ينبغي للأديب أن

يحسن نقلها وتوصيلها، ولا يتأتى ذلك إلا إذا أحسن استخدام اللغة بكل ما فيها من فعاليات وقوى

.(تأثيرية"(4"

ومن بلاغة التصوير ونجاح الصورة الفنية قدرتها على نقل المتلقي إلى عالمها الخاص

وجعله يتعايش معها، لتشكل له فعلا تجربة يمر بها حتى وإن لم يتمكن من ذلك التعايش على

.1) المرجع السابق، ص 332)

.2) الخالدي، صلاح عبد الفتاح: البيان في إعجاز القرآن، عمان: دار عمار، 1992، ص 12)

3)سلوم، تامر: نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، سورية: دار الحوار للنشر والتوزيع، ص 170)

.4) أنيس، إبراهيم: من أسرار اللغة، ص 322)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت