الصفحة 48 من 61

أرض الواقع، فيرى ويحس وقد يشارك في فعاليات الصورة فتخلف أثرًا لديه يَخْلُدُ في نفسه،

فيشكل وازعا من التوجيه السلوكي والتغيير النفسي. وتكون الصورة أنجح ما تكون إذا حافظت

على عناصر التجدد والبقاء، فكلما أعيد النظر فيها رغبت النفس فيها وتعايشت معها من جديد،

فمناسبة الزمن والفعل والحدث، مع الدقة في الوصف ودرجة اقترابه من الحقيقة حينًا وسعة

الخيال حينًا آخر يجعل من الصورة عالما متنوعا ترغب النفس به وتميل إليه، وبذا تسهم

الصورة في بقاء الأدب وخلوده.

التصوير الفني في السورة:

حفلت سورة الكهف كغيرها من سور القرآن الكريم بالصورة الفني ة، بأنواعها المختلفة

ومصادرها المتعددة، فمنها المرتكز على الفنون البيانية ومنها ما يعتمد على نقل الواقع ولكن لا

تخلو الصورة حينئذٍ من لمسات إيحائية جميلة ومؤثرة، وكما أشار الدكتور إبراهيم أنيس ومن

قبله أثبت سيد قطب دور الصوت في نقل الصورة، وتماشيا مع منهج الدراسة الأسلوبية الذي لا

يهمل فاعلية الصوت في نقل المعنى العميق وأثره في إيحائية الصورة الفنية، نتناول بداية دراسة

المرتكزات الأساسية للصورة الفنية.

التصوير المرتكز على الصوت:

إنّ مكونات الصورة تتعدد و تتنوع ليكون التخيل الذي يرافق الصورة الفنية ويسيطر على

المتلقي فيؤثر فيه من نواح مختلفة. فترى تلك العناصر مجتمعة حينا، وقد يبرز أحد هذه

العناصر المكونة للصورة في حين آخر. والصوت أحد هذه المكونات، بما يعطي من ظلال للفظ

ويصور من معاني، فقد ذكر ابن الأثير أن هنالك كلمات إذا سمعتها تخيلت صورا، ف"الكلمة"

العربية تتألف من صورة صوتية ومن خيال مرئي ومن معنى هو قوام تآلفها" (1) . وهذا الفهم"

يقارب صورة من الصور (الأنوماتوبيا) ، وأكثر من تنبه لهذه الفضيلة في ألفاظ القرآن الكريم

سيد قطب- رحمه الله- فيقول"في القرآن تصوير باللون وتصوير بالحركة وتصوير بالتخييل،"

وكثيرا ما يشترك الوصف، والحوار، وجرس الكلمات ونغم العبارات، وموسيقا السياق في إبراز

.1392، ص 34 - 1) ألكك، فيكتور وأسعد علي: جذور العربية فروع الحياة، ط 1، بيروت، 1972)

صورة من الصور" (1) . وقد يكون الملمح الصوتي عنصرا داعما ومعززا للتصوير الفني في"

بعض الصور الفنية. فقد حاول بعض النقاد المحدثين استكشاف معاني الشعر الممتاز بالغموض

.(من دراسة دقيقة للأصوات ودلالاتها (2

ومن التصوير الصوتي الذي يبرزه جرس الألفاظ وتعاقب الأصوات وطبيعة المخارج والتي

تشكل جانبًا إنسانيا عاما لدى جميع البشر، بحيث لو ركز السامع فيما يسمع من أصوات لشكل

لديه تصورًا يوحي إلى المعنى"وذلك أن الشبه (التصوير) ينصرف إلى المفهوم (المعنى) من"

الحروف والأصوات ومدلول الألفاظ وهو الذي ينور القلب" (3) ، ويوضح المعنى، ومن راحة في"

نفس السامع أو أصوات شدة وغير ذلك دون أن يكون ذا معرفة تامة للمعاني، فإذا ما عرف

دلالات الألفاظ فقد اكتملت الصورة. مما يوحي أن القرآن الكريم بكل ما فيه من خطاب موجه

للبشر كافة، ويمكن أن تصل قوة تأثيره وفاعليته عبر وسائل متعددة.

فمما ورد من تصوير المرتكز على الصوت وجرسه، في قوله تعالى:. َ كبُرَتْ َ كلِمَةً تَخْرُجُ

مِنْ أَفْوَاهِ ِ همْ إِن يَُقوُلونَ إِلا كَذِبًا. [5] ، فقولهم (اتخذ الله ولدا) ، هذا الكلام المنكر الذي ذكر في

الآية السابقة، تصوره الآية صورة غاية في الإبداع. المعنى يتعلق بالكلام واللفظ، فكان الصوت

الذي يعبر عنه أقرب شيء للتعبير عنه وتصويره لذهن السامع، يبدأ الحديث عنها كلمة (كبُرت)

لفظ"يجبه السامع بالضخامة والفظاعة وتملأ الجو بهما، والخروج لها مندفعة جزافًا يشترك لفظ"

أفواههم بجرسه في تكبير الكلمة و تفظيعها بإطالة الصوت أفوا. وبذا يشترك نظم الجملة وجرس

اللفظة في تصوير المعنى ورسم الظل" (4) . ووصف الكلمة بالخروج الذي هو من صفات الأجسام"

بناء على أن الأصوات والحروف والكلمات إنما تحدث بسبب خروج النفس من الحلق فوصفت

.(الأعراض المذكورة بوصف ما يكون سببا لحدوثها"(5"

.38 - 1) قطب، سيد: التصوير الفني في القرآن، ط 8، القاهرة: دار الشروق، 1403 ه- 1983 م، ص 37)

.2) غريب، روز: تمهيد في النقد الحديث، ط 1، لبنان: دار المكشوف، 1971، ص 175)

.3) الجرجاني، عبد القاهر: أسرار لبلاغة. ص 61)

.4) ينظر. قطب، سيد: في ظلال القرآن، مج 4، ط 23، بيروت: دار الشروق، ج 4، ص 2260)

،1991 - 5) القوجي، محمد بن مصلح الدين: حاشية محي الدين شيخ زادة. ط 1، بيروت،: دار الكتب العلمية، 1419)

.ص 446

يواجه السامع للنص الأدبي أو للقرآن الكريم إطلالات صوتية تشكل في سياقها مرتكزات

لافتة تدعو السامع أو الدارس الأدبي للتأمل، فيكون الصوت المفرد مساعدا ومكملا لمعالم

صورة"تارة بجرسه الذي يلقيه في الأذن وتارة بظله الذي يلقيه في الخيال، وتارة بالجرس"

والظل معا" (1) ، ومن ذلك قوله تعالى:. َفَلعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عََلى آثَا ِ رهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمُِنوا ِبهَذَا"

الْحَدِيثِ أَسَفًا. [6] ، في الآية تصوير لحالة الرسول -عليه الصلاة والسلام- المؤمن بالله المحب

لخلق الله، كل خلقه، حالة من الخوف عليهم والحزن لحالهم، الرسول (صلى الله عليه وسلم)

يدعوهم وهو على يقين مما يلاقيهم إن لم يؤمنوا، وهم في شك مما يدعوهم إليه، تلك الحالة من

المحبة التي جعلت الحزن في قلب الرسول عليه السلام يمكن أن يؤدي إلى أن يهلكه، ولكن الدقة

العجيبة في الوصف واللغة ومراعاة الحال يتجّلى كل ذلك في هذا السياق البسيط في تراكيبه

العميق في دلالاته. فلعلك تدخل السامع في جو من الانتباه والتيقظ لما سيأتي فهي تفيد الترج ي

في الأمر المحبوب والحذر من المكروه. أما الصورة فتمركز نشاطها الفني في كلمة (باخع) .

وفي إجراء استبدالي لكلمة باخع وما يمكن أن يحمل من دلالات وتنوع البدائل الكثيرة المتاحة

مثل مهلك وقاتل وغيرهما، فتلك الكلمات لكثرة تداولها لا تشكل عنصر لفت انتباه بنفس الدرجة

كما هو الحال مع باخع؛ إذ المقام يستدعي الألفاظ التي تنبه السامع والمخاطب لحال ه. وأما

الأصوات المكونة فطبيعتها ومخارجها التي تشكل البعد الأعمق في الصورة. فالباء حرف شفوي

مجهور فيه ملمح القوة ويتبعه الألف صوت فيه مد وإطالة وفتح لمخرج النطق في أوسع حالاته

ليظهر صوت الخاء في حركة انقلابية للمخرج باتجاه الداخل وصو ً لا إلى العين في آخر حيز من

أحياز جهاز النطق وأكثر الحروف التصاقا بمظاهر الألم، وفي حركة مطابقة مماثلة يفعل الباخع

مع الذبيحة في مديته، يفتح فتحة في ظاهر الجلد فتتوسع وبصوت احتكاكي كالشخير من الذبيحة

يماثل صوت الخاء وصو ً لا إلى العظم إذ البخع وصول الذبح إلى العظم"والبخع هو من بخع"

الذبيحة إذا بالغ في ذبحها في أن يقطع عظم رقبتها" (2) . ويلاحظ أثر التركيب الصرفي والتضام"

النحوي في هذه الصورة وقد اتضح ذلك في الفصل الأول.

.1) قطب، سيد: النقد الأدبي أصوله ومناهجه، القاهرة: دار الفكر العربي، 1947، ص 44)

2)ابن منظور: لسان العرب، مادة (بخع) .)

ومن التصوير المرتكز على البعد الصوتي قوله تعالى:.وَإِنَّا َلجَاعُِلونَ مَا عََليْهَا صَعِيدًا

جُرُزًا. [8] ، فالتصوير لما ستكون عليه الأرض ناشئ من كلمتي صعيدا و جرزا،"فجرزا تصور"

معنى الجدب بجرسها اللفظي وصعيدًا ترسم مشهد الاستواء والصلادة" (1) . ومنبع ذلك التص ور"

من طبيعة الأصوات المفخمة الصفيرية، وما يلمح منها من صعوبة ستكون عليها الأرض ي وم

القيامة، ومثل ذلك في قوله تعالى:. َفعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَ ِ ن خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عََليْهَا حُسْبَانًا

مِّنَ السَّمَاءِ َفُتصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا. [40] ، من اللافت للانتباه تتابع الصور المرتكزة على الص وت

والجرس وما ينبعث منه من دلالات مؤثرة، تمتد من بعد (كبرت كلمة) ، وعلاقة الكلمة بالصوت،

فصورة (باخع نفسك) (وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا) . (لقد قلنا إذا شطط ا) ، فختمت

الصور بما يتوافق مع وصف كلمة الشرك بالشطط. وكلها صور تنبعث ظلالها من الص وت

وتحمل معاني المبالغة. وفي المقابل كانت صورة الفتية المؤمنين تمتاز بقوة أصواتها (فضربنا)

و (وربطنا) ؛ لتشكل المقابل أو المعادل الأسلوبي لصورة الكافرين وكلامهم.

ولطبيعة الأصوات دور في رسم الصورة وتخيل الحالة النفسية المرافقة للحدث، ومثل ذلك

ما يظهر في قوله تعالى:.َفَلمَّا بََل َ غا مَجْمَعَ بَيْنِ ِ همَا َنسِيَا حُوَتهُمَا َفاتَّ َ خ َ ذ سَِبيَلهُ فِي الْبَحْ ِ ر

سَرَبًا. [61] ، في هذه الآية صورة فنية وتشكيل تصويري متعدد المنابع والزوايا، فالفتى ذهب

ليحضر الحوت المعد للطعام، فعندما فتح الوعاء وإذ بالحوت يقفز إلى الماء فتتملكه الدهشة،

فيخترقه بحركة غريبة يصفها الفتى بأنها (سَرَبَا) "أي خرقا في الماء غير ملتئم، فالله تعالى أحيا"

الحوت وأمسك عن موضع جريه في الماء فصار طاقا لا يلتئم" (2) ، وتشكل هذه الكلمة بأصواتها"

وتركيبها مركز الصورة الفنية في حركة تكثيف وإيحاء، الفتى لم يجد وصفًا ولا تص ويرًا أدق

من كلمة"سربا"، فما هو السر الكامن فيها؟. الأصوات المكونة لها هي السين احتكاكي مهم وس

ومخرجه من بين الأسنان في حركة كأنه يشق حاجزا يمر من خلاله، والراء، والراء ص وت

مجهور قوي فيه حركة متكررة، الباء يتبعها الألف المطلقة ص وت انفجاري ومن أقصى

المخارج. ويماثل ذلك حركة الحوت عندما انطلق إلى ماء البحر، فيشق سطحه حركة ق وية

.1) قطب، سيد: في ظلال القرآن، ط 23، مج 4، بيروت: دار الشروق، 1415 ه 1994 م، ص 2261)

.2) البقاعي، برهان الدين إبراهيم بن عمر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ج 4، ص 481)

مبتعدا حتى اختفى، تاركا خلفه. في ترتيب وتماثل مابين الحركتين للحوت والوصف الص وتي

للفظ المعبر عن تلك الحركة، ولذا فان المرتكز الصوتي للصورة يتجلى في تناغم يحتاج إلى

تذوق ومران للغوص في هذه الظاهرة اللغوية التي كشف بعضا منها القدماء ولكنها تحتاج إلى

أن توظف في الدراسات النقدية بشكل منهجي.

التصوير المعتمد على التشبيه:

التشبه بأنواعه المتعددة من أكثر الأنواع البيانية ظهورا في الأدب، فتناوله كثير من

الدارسين لتعريفه وتحديد مفهومه،"فهو عقد مقارنة تجمع بين طرفين لاتحادهما أو لاشتراكهما"

في صفة أو حالة" (1) . وفي فهم أعمق للتشبيه ينظر للتشبيه على"أنه صورة تجمع بين أشياء

متماثلة، وأساس هذا التماثل كامن في النفس والشعور" (2) . وليس تماثلا خارجيا وحسب."

إن الحديث عن التشبيه قد يفضي إلى جدلية في أولية أنواع البيان، لعلاقة ذلك مع بدايات

التفكير الإنساني، وأي هذه الأنواع أقرب إلى الذهن والتصور، فقد ربطه بعض النقاد بالتفكير

، (العقائدي للأمم، إلا أن إشارة بأن الشعر القديم أغلبه كان يركز في التصوير على التشبيه"(3"

وحتى أن أغلب النقاد القدماء كانوا يفضلونه على غيره. وهذا قد يشير إلى طبيعة التشبيه التي

تتسم بوضوح التركيب والمحافظة على خصوصية كل طرف داخل فيه حيث يقول الجرجاني

"واعلم أنه ليس شيء أبين وأوضح وأحرى أن يكشف الشبهة عن متأمله من التشبيه" (4) ، وعلى

العكس من ذلك الاستعارة التي تزيل الحدود بين الأشياء وتضع طرفا مكان الأخر في عملية

إحلال، أكثر منها علاقة مشابهة. للتشبيه فوائد قد لا تتحقق إلا به"أما فائدة التشبيه من الكلام"

فهي أنك إذا مثلت الشيء بالشيء فإنما تقصد به إثبات الخيال في النفس بصورة المشبه به أ و

بمعناه، وذلك أوكد في الترغيب فيه أو التنفير عنه" (5) . ويزيد من جمال التشبيه -في رأي بعض"

.1) عصفور، جابر: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، ص 172)

.2) الرباعي، عبد القادر: الصورة الفنية في شعر أبي تمام، ط 2، الأردن: دار الفارس، 1999، ص 203)

3)ينظر خليف، يوسف: ذو الرمة شاعر الحب والصحراء، القاهرة: مكتبة غريب، ص 311)

.4) الجرجاني، عبد القاهر: دلائل الإعجاز، ص 424)

، 5) ابن الأثير، ضياء الدين: المثل السائر، حققه احمد الحوفي وبدوي طبانة، مصر: مكتبة نهضة مصر، 1960،ج 2)

.ص 124

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت