فهرس الكتاب
النقاد- حيث"تكمن بلاغة التشبيه في طرافته وبعد مرماه في كونه ينتقل بالسامع من شيء مألوف"
إلى شيء طريف يشابهه أو صورة بارعة تماثله. وكلما كان هذا الانتقال بعيد المنال قليل
.(الخطور بالبال كان التشبيه أروع وأدعى إلى إعجاب النفس فيه"(1"
ولكل هذه الأسباب السابقة وضرورة مراعاة الحال والمقام وطبيعة المخا َ طب كان من
الأفضل اختيار الأسلوب الأنسب في تقديم الصورة وعرضها.
والقرآن الكريم في أسلوبه المميز، ولمعرفة الله لخلقه اختار لهم التعبير الأنسب والتص وير
الأقرب الذي به تتأثر عقولهم وتثار نفوسهم لتصل الرسالة إلى كل إنسان مهما بلغ حد تفكيره
فالتشبيه في القرآن"وإن كان عنصرا بيانيا يكسب النص روعة واستقامة وتقريب فهم، إلا أنه"
.(يعود ضروريا لأداء المعنى القرآني متكاملا من جميع الوجوه"(2"
فإذا كان التشبيه من الأساليب البسيطة أو القريبة إلى الإدراك، فانه الأكثر مناسبة إلى عقول
الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، كالكافرين ومن تعلقوا بالدنيا؛ لما هم عليه من سذاجة في
التفكير، واختلال في الموازين. وقد يكون لوقع المفاجأة على المتلقي مما قد يذهب بعقله أ و
يحدث فيه خل ً لا ما؛ مما يجعل التشبيه أقرب الأنواع البلاغية استخدامًا في حالته.
إذن فالتشبيه أسلوب من أساليب البيان وهو"أقرب وسيلة للإيضاح والإبانة وأقرب وسيلة"
لتقريب البعيد من المعاني" (3) . فهو من العناصر البيانية التي احتلت مساحة في الفكر البلاغي"
قديما وحديثا، فمن يرى أن"فيه من الجدة والطرافة وبعد مرماه حيث ينتقل بالسامع من شيء"
معهود مألوف إلى شيء يشابهه أو صورة بارعة تماثله (4) ، ويزيد التشبيه من جمال الأسل وب
ويثير اللذة والتشويق في النفس وله القدرة على جمع الأضداد" (5) . وهذا باب من اللطف والحسن،"
.1) عطية، مختار: علم البيان وبلاغة التشبيه في المعلقات السبع، الإسكندرية: دار الوفا، 2004، ص 52)
2)القيرواني، أبو علي الحسن بن رشيق: العمدة في محاسن الشعر ونقده، تحقيق محمد محيي الدين ط 3، مصر: مكتبة)
.السعادة، 1963 ج 1، ص 286
.3) الحمداني، فالح أحمد: الصورة البيانية في الحديث النبوي الشريف، ط 1، عمان: مؤسسة الوراق، 2001، ص 89)
.4) عطية مختار: علم البيان وبلاغة التشبيه الإسكندرية: دار الوفا 2004، ص 52)
.5) ابن الأثير: المثل السائر، ج 2، ص 396)
تكون النفس به متعلقة متأثرة، فترى شيئين مؤتلفين متفقين مختلفين في آن واحد. يظهر به
براعة التشبيه ونشاطه الجمالي في التصوير.
واعتمد القرآن التنويع في التشبيه والتمثيل أسلوبا من أساليبه لقوله تعالى:.وََلَقدْ صَرَّفَْنا فِي
هَ َ ذا الُْقرْآ ِ ن لِلنَّا ِ س مِن ُ كلِّ مََثلٍ وَ َ كانَ الْإِنسَانُ أَكَْثرَ َ شيْءٍ جَدَ ً لا. [54] .فالمثل بأنواعه المختلفة في
سورة الكهف يأخذ حيزا ويحقق أهدافا تعبيرية ووظيفية وتأثيرية جمالية ومن خلالهما تصل
الفكرة ممزوجة بما يمتع النفس.
والمثل فن من التصوير يمازجه التشبيه في سورة الكهف، ومنه ما يتمثل في قوله تعالى:
.واضْ ِ ربْ َلهُم مََّثلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا َ كمَاء أَنزَلَْناهُ مِنَ السَّمَاءِ َفاخَْتَل َ ط ِبهِ نَبَا ُ ت الأرْ ِ ض َفأَصْبَحَ هَشِيمًا
تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وكَانَ اللَّهُ عََلى ُ كلِّ َ شيْءٍ مُّقْتَدِرًا. [45] ، في الآية صورة تبدو لمتأملها عبر ألفاظها
وعناصرها، فهي تعكس واقعا من الحياة لدى بني البشر وعلاقتهم مع الطبيعة ومدى تعلقهم بها،
و يظهر عنصر الجدة، فالبحث عن الجدة في الصورة مطلب أساس في التحليل الأدبي، وما طرأ
عليها من حركة أحدثت فيها الدهشة، واختزل التركيب اللغوي وحقق الأبعاد المؤثرة في نفس
المتلقي. الصورة وإن كانت تبدو قائمة بالدرجة الأولى على التشبيه فإنها ليست من التشبيه
البسيط بل صورة تأخذ تتسع أبوابها وعبر مراحل، فهي تشبيه الحياة الدنيا الأمل الوحيد لإنسان
كافر يجهل أو يتجاهل ولا يريد أن يصدق أن بعد الحياة الدنيا حياة أخرى، فقلبه حريص عليها
متعلق بها أكثر من أي شيء آخر، ولكنه في هذه الصورة يراها وكأنه لا عهد له بها، وهذا باب
من (الجدة) ؛ جاء التعبير التشبيه مجردا ومفردا عن الحياة الدنيا، و لأن التشبيه كشف وتحليل
للمشبه"لذلك ترى المشبه مفردا والمشبه به مركبا، فالمشبه به يورد تفاصيلَ و أح والا يصير"
المشبه بها مركبا" (1) . وتجريد المشبه من التفاصيل مما قربه إلى أن يكون فكرة عقلية"فإن
.(التشبيه كلما كان أوغل في كونه عقليا محضا كانت الحاجة إلى الجملة في المشبه به أكثر"(2"
وتعرض الصورة المشبه دون الخوض بجزئيات وتفصيلات تتعلق ب ه؛ إذ إن ذكْ ر هذه
التفصيلات قد يلفت انتباه السامعين فيزداد التعلق به، وليس هذا الغاية من الص ورة في هذا
.1980، ص 55 - 1) أبو موسى، محمد: التصوير البياني، دراسة تحليلية لمسائل البيان، ط 2، القاهرة: مكتبة وهبة، 1400)
.2) الجرجاني، عبد القاهر: أسرار البلاغة. تح. ه. ريتر، استانبول: وزارة المعارف، 1954 ص 229)
المقام، وتبدأ الصورة لتتكامل تدريجيا حسب درجاتٍ في أهمية عناصر الصورة، الماء الذي نزل
من السماء وعلاقته بالحياة،"فليس المقصود تشبيه الدنيا بالماء، بل بالنضرة والبهجة اللتين"
حصلتا للنبات بسبب اختلاط الماء به وما تؤول إليه كل منهما" (1) ، فالإنسان يحب الحياة ومتعلق"
بها فأهم شيء بالنسبة له الماء؛ ولذا ُقدم على العناصر الأخرى، فالماء أهم من النبات ولكن مع
النبات تكتمل البهجة وزخرف الحياة الدنيا، فيتأمل ذو الأمل وعلى هذا فإن التشبيه لا يقصد به
الحياة الدنيا تشبيها مفردا ولكن لغرض بلاغي لم يذكر معها شيئًا آخر"ويفهم من هذا أن المشبه"
والمشبه به كلاهما مركب، فليس المقصود تشبيه الحياة الدنيا وحدها بالماء وحده وإنما تشبيه
.(الحياة في سرعة فنائها بالزرع في فنائه"(2"
أجمل أوقات الأمل صباحًا، فيحصل ما لم يكن بالحسبان، في ذروة الأمل _صباحا_تنقلب
الصورة في حركة مفاجئة، فالنبات قبل أن يثمر، فينتفع به يصبح هشيما ولا ينتظر على هذه
الحال، لربما ينتفع من الهشيم ولكن تقوم عليه حركة الرياح من كل اتجاه، فيتعذر ذلك الانتفاع
لتلك الحركة المستمرة، بدلالة الفعل المضارع تذروه"فإذا اختلفت عليه الرياح وتص ادمت"
وتقابلت فهو سبب الهلاك" (3) . وعلى الأغلب تدخل في تشكيل الصورة الفنية في النص القرآني"
عناصر متعددة بالإضافة إلى ما سبق منها الصوت، ويتركز في مركزية الص ورة(فأصبح
هشيما)هنا تشكل عنصر المفاجأة، والسرعة في انقطاع الأمل فقد اختصر مرحلة هامة وهي أن
النبات هنا لم يثمر، وحيث أن الثمر فيه متعة واعتمدت الآية أسلوب نزع المتع من هذا المقام
ليكون أكثر تأثيرا في التوجيه صوب الغاية وهي العمل من اجل الآخرة، فكان ل (هشيمً ا)
حضور وأثر بارزان فيما تشكل من أصوات الخفة الهاء يتبعه التشتت في الشين مع حركة المد
للياء، وكل هذه الأصوات لتسدل ظلالا على الصورة يتعاضد فيها الصوت مع الزمن والحركة
1)الجرجاني، محمد بن علي: الإشارات والتنبيهات في علم البلاغة، تحقيق عبد القادر حسين القاهرة: مكتبة الآداب،)
.1418 - 1997، ص 166
.1414 ج 2، ص 68 - 2) عبد اللطيف، محمد عبد الوهاب: موسوعة الأمثال القرآنية، ط 2، القاهرة: مكتبة الآداب، 1994)
3)الخضري، محمد الأمين: الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ، ط 2، القاهرة: مطبعة الحسين الإسلامية، 1413 ه)
.ص 310
والأسلوب، فيحقق التأثير ونقل السامع من حالة نفسية إلى أخرى مقصودة، حالة فيها كان يتعلق
بالحياة الدنيا الزائلة إلى العمل من أجل الآخرة الدائمة.
ومن اللافت في التصوير القرآني أنه يتنوع من حيث السرعة في العرض، فإذا كان
العرض سريعا فيشعر المتلقي بالخوف والذم وإذا كان بطيئًا فيعطي مجا ً لا للتفكير والتأمل. ومما
يلاحظ على هذه الصورة الحركة التي اتسمت بالتحول، بداية الصورة (كماء أنزلناه من السماء)
فيها بطء مما"يترك للعين مدة كافية للتأمل، وللنفس مدة كافية للتأثر" (1) ، وبعد ذلك ينتقل
التصوير مسرعًا مهيئًا للنتيجة (فاختلط به نبات الأرض) ، فمع الفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب
بدأت السرعة ليحدث عنصر المفاجأة في الصورة مع اختزال للزمن وتغييب للحدث، وفي هذه
السرعة تحصل الهزة النفسية المقلقة التي تشعر بالحسرة وتدخل في جو الرهبة والرعب.
ومن خلال الربط بين صورة الحياة الدنيا وعلاقة الكافرين واعتماد أسل وب التص وير
بالتشبيه في قوله سبحانه وتعالى:.وَُق ِ ل الْحَقُّ مِن رَّبِّ ُ كمْ َفمَن َ شاء َفلْيُؤْمِن وَمَن َ شاء َفلْيَكُْفرْ إِنَّا
أَعَْتدَْنا لِلظَّالِمِينَ َنارًا أَحَا َ ط ِب ِ همْ سُرَادُِقهَا وَإِن يَسَْتغِيُثوا يُ َ غاُثوا ِبمَاء َ كالْمُهْ ِ ل يَشْ ِ وي الْوُجُوهَ ِبئْسَ
الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا. [29] ، الآية يتشكل في داخلها صورة مركبة، تبدأ في حالة الثبات التي
لازمت الصور المعتمدة على التشبيه، فتكرار النمط الذي تبدأ به الصورة المعتمدة على التشبيه
يشكل إيقاعا منتظما، والانتظام الإيقاعي في النص الأدبي يزيد من جماليات النص؛ فمن خلاله
يحدث الانسجام مع المتلقي ويتمكن الأديب من إبداع تقنية المفاجأة فيتأكد إحداث التأثير. وكل
هذا مما يلفت انتباه الدراسة الأسلوبية. الثبات الذي بدأت به الصورة والمرتبط بنار جهنم يشعر
الإنسان بضائقة شديدة، فالاستمرار على حالة واحدة يُشعِر بالضيق، فكيف والحال في عذاب
النار؟. ومما تنبه له علماء البلاغة أن النص الأدبي يكون له نحوه الخاص بما لا يخالف القواعد
الأساسية، فالجملة (يشوي الوجوه) ، على النحو المعياري هي جملة حالية، والحال على الأغلب
تتسم بالتغير وعدم الثبات والمعنى في الآية يدل على الثبات فتعينت الجملة لأن تك ون صفة
للمهل. وتساعد الألفاظ بطبيعة جرسها في شحن الصورة بأبعاد فنية، ف (أعتدنا) لفظ فيه ملامح
القوة والتمكن في سياق التعظيم والتأكيد من رب العالمين (إّنا أعتدنا) ، وللظالمين خاصة تلك
.1) قطب، سيد: التصوير الفني في القرآن، ص 110)
النار، إذ اللام فيها للاختصاص، فالتشبيه الحاصل في هذه الصورة في حقيقة الماء الذي ظهر
فإنه لا يكون إلا عند حسن التأمل فيه"هذا مثل في أن يظهر للمضطر إلى الشيء الشديد الحاجة"
إليه أمارة وجوده ثم يفوته ويبقى بحسرة وزيادة ترح" (1) . فظلال الصورة تتراكم مخلفة في"
النفس ألما يشحذها باستمرار لكي لا تقع في هذا الندم وتلك الحسرة.
ولا يبقى التشبيه دائما يماثل بين طرفين ظاهرين اعتاد المرء عليهما أو على أحدهما، بل قد
يكشف أبعادا نفسية في طفولة البشرية المرئية والمتخيلة، فمن الصورة المعتمدة على التشبيه
قوله تعالى:.وَعُرِضُوا عََلى رَبِّكَ صَّفًا لََّقدْ ِ جئُْتمُوَنا َ كمَا َ خَلقَْنا ُ كمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمُْتمْ أَلَّن نَّجْعَلَ
َل ُ كم مَّوْعِدًا. [48] ، أسلوب التشبيه من الأساليب التي تقرب صورة البعيد أو غير المتوقع، وذلك
بربطه مع الحقيقة المباشرة. النفوس التي تنكر البعث تحتاج إلى دليل لتتمكن من التعايش الذهني
والنفسي مع غير المدرك بالحس والمعتاد، فتقترب الصورة من الفطرية البشرية الأولى. لحظة
النشء الأولى التي ارتسمت في الذهن بشكل من الأشكال والتي منها لحظة الولادة.
بدأت الصورة مع الفعل الماضي (وعرضوا) والعرض لها في الماضي، والنهاية في
الماضي، مع العلم أن العرض سيكون يوم القيامة أي في المستقبل، فما يعد من المستقبل بالنسبة
للمخلوقات هو في حكم المتحقق بالنسبة لله، وهذه الخصوصية في التعبير تقربه إلى الطابع
الأدبي الفني، فلا تعود اللغة العادية الوظيفية أساسا وحيدا في التعبير. التفصيل الزمني لهذه
الصورة يساعد في فهم أبعادها وإعادة ترتيبها، يوم القيامة مقام تتكاثف فيه ظواهر الثبات في
الموقف والحال، فالعرض والمجيء والخلق أصبحت أمورا قطعية الثبات، فجاءت بصيغة
الماضي (عرضوا، جئتمونا، خلقناكم) ، والحالة التي كان عليه الإنسان عند خلقه أصبحت في
عداد الماضي، فيفاجأ الإنسان بأنه على تلك الحالة سوف يعود، وما بين تلك الحالتين من الحياة
الدنيا كأنه عرضيًا، فيصبح لديه إحساس فيه العبرة. هذه الفكرة التي تتبدى للناظر من الأفكار
الرئيسة والمحورية في السورة إن لم تكن في أغلب السور المكية. فكرة البعث وقضية الإيمان
به. التي ركزت سور القرآن على تأكيدها.
.1) الجرجاني، عبد القاهر: أسرار البلاغة. تحقيق ه. ريتر. استانبول: مطبعة وزارة المعارف، 1954، ص 98)