فهرس الكتاب
وقد يقوم التشبيه في تصويره على ظاهرة التضاد مما يوسع مساحة التصور، وبين الأضداد
قد تكمن المفاجأة من أمثلة التشبيه في قوله تعالى:.وَتَحْسَبُهُمْ أَيَْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَُنقَلِّبُهُمْ َ ذا َ ت
الْيَمِي ِ ن وَ َ ذا َ ت الشِّمَا ِ ل وَ َ كلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ ِبالْوَصِيدِ. [18] . التشبيه بدأت معالمه مع فعل الشك
(وتحسبهم) ،.فربط التشبيه بين مستويين، بين التخيل العقلي والواقع الحقيقي (1) . ولعل من مظاهر
الجمال ومتعة النفس أن يتدرج المنظر في كشف حقائقه، فالفتية للناظر إليهم كأنهم أيقاظ، حركة
ومظهرا، وبعد ذلك تنجلي الأمور وتنكشف الحجب وتظهر الحقيقة، فينتاب الناظر مشاعر
الاستغراب والمهابة والرعب، هذه المشاعر يشعر بها السامع كما هو الناظر لها بعد أن يتخيل
المشهد.
ومن أشكال التصوير العميق بالتشبيه الذي يصل إلى صهر المشبه بالمشبه به، ما في قوله
تعالى:.آُتونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِ َ ذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدََفيْنِ َقالَ انُف ُ خوا حَتَّى إِ َ ذا جَعََلهُ نَارًا َقالَ
آُتونِي أُفْ ِ رغْ عََليْهِ قِطْرًا. [96] ، إن من جماليات التعبير ما يتمثل فيه من انتظام في النظم، ولعل
التكرار المنتظم في الآية ظاهر في اللغة وترتيبها لتشكل نسقا فاعلا (حتى إذا) ،ومما يزيد جمال
التعبير التصوير الفني الذي يظهر في (حتى إذا جعله نارا) ، أي جعل زبر الحديد كالنار، فقد
أحمي على الحديد فوصلت حرارته ولونه إلى أن تماهى مع النار، فأصبحت العلاقة أعمق من
تشابه ظاهري إلى علاقة انصهار بين طرفين، فالتشبيه البليغ يقرب بين الأشياء المتشابهة إلى
درجة التماهي والانصهار، مما يجعل السامع ينظر فيتخيل نارا انبعثت من الحديد لشدة حرارته.
وكذلك من التشبيه قوله تعالى:.َقالَ هَ َ ذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي َفإِ َ ذا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعََلهُ دَكَّاء
وَ َ كانَ وَعْدُ رَبِّي حَّقًا. [98] ، لقد تناولنا الجانب الصوتي لهذه الآية في الفصل الأول، أما الدكاء
فهي الناقة التي ذهب سنامها، ولا يحدث ذلك في العادة إلا بعد أمر عظيم يحصل لها، من شدة
جوع أو عطش أو سفر. وفي علاقة مشابهة تمتاز بدقة مأخذها والدخول بين طياتها تظهر
صورة الردم العظيم، ولأمر ما بعد هذا العظم يزول، فلا غرو أن زواله يكون لأمر عظيم كما
كان زوال سنام الناقة، فيشعر الإنسان بمهابة عظيمة أمام أمر جلل. وهذه الصورة تك ون أشد
.1) ابن أبي الإصبع المصري: بديع القرآن، ص 59)
تأثيرا على من تعايش مع ظروف الصحراء حياتها وحيواناتها، وله قدرة على التخيل وهذا كان
في زمن نزول القرآن الكريم، ولا تزال الصورة حية في النفوس.
وتظهر حالة من التماهي والصهر بين المشبه والمشبه به، ما ورد في قوله تعالى:.الْمَالُ
وَالْبَُنونَ ِ زيَن ُ ة الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَا ُ ت الصَّالِحَا ُ ت خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ َثوَابًا وَخَيْرٌ أَمَ ً لا. [46] . الحياة
الدنيا لمن يفهم سرها ابتلاء وفتنة، فمن علم السر وعمل بما فهم وعلم فقد استراح، ومن غرته
الحياة الدنيا تعلق بزخرفها وزينتها، وأكثر ما فيها من زينة المال والبنون مجتمعان، لا يغني
أحدهما عن الآخر، فإذا كانت زينة فهما معا. فلم تعد العلاقة تشابه بين طرفين فحسب بل
أضحت علاقة عميقة وتماهي بين متوافقين؛ ولذا كان التشبيه البليغ أدق أنواع التشبيه في مثل
هذا المقام. ويلاحظ عودة الحياة الدنيا لتكون مركزًا للتشبيه. وهذه ظاهرة أسلوبية تتكشف لنا من
خلال البحث، فتكرار الصورة الفنية ولو بأشكال متقاربة يدعو للتأمل في مدى تعلق البشر وقتئذ
بالحياة الدنيا، ونشاط النص القرآني في تصحيح التوجه بأساليب متعددة ب رز منها أسل وب
التصوير الفني.
وشكل من أشكل الانتظام الأسلوبي في التصوير البليغ لنفس الص ورة المتعلقة بالزينة
الدنيوية، فالعناصر الداخلة في الصور متماثلة تقريبا وكذلك الأسلوب مع زيادة في البناء
التكاملي للصورة ففي قوله تعالى:.إِنَّا جَعَلَْنا مَا عََلى الأَرْ ِ ض ِ زيَن ً ة لَّهَا لَِنبُْلوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ
عَمَ ً لا {7} وَإِنَّا َلجَاعُِلونَ مَا عََليْهَا صَعِيدًا جُرُزًا. [8] ، نلاحظ تكامل الصورة بجميع العناصر
المادية، فما كان مفصلا في الصورة السابقة، شمله التعميم في الاسم النكرة (زينة) ويختتم
بحقيقتين هما: أن زينة الحياة الدنيا ابتلاء واختبار، وثانيها أنها محكوم عليها با لزوال والنهاية
الصعبة المؤلمة.
نلاحظ تكرار لفظ (كذلك) ليشكل نمطا متميزا من التشبيه في قصة أهل الكهف، فقد ورد في
قوله تعالى:. وَ َ ك َ ذلِكَ بَعَثَْناهُمْ لِيََتسَاءُلوا بَيَْنهُمْ. [19] ، فاللفظ كذلك إشارة إلى مشار إليه، أي كما
أنمناهم تلك المدة الطويلة من الزمن وعلى تلك الهيئة التي وصفت، فكانت معجزة وأمرا يتعجب
.(الإنسان منه، فإن الله وبنفس القدرة يبعثهم فتحقق المعجزة فبعثهم لحكمة اقتضاها عز وجل (1
فالعلاقة ليست تشابه بين طرفين فحسب بل أصبحت علاقة ترابط منبعها التشبيه، فربط التشبيه
بين حدثين أساسيين في قصة أهل الكهف وفي نقطتين مفصليتين، بين الإنامة والبعث؛ فيحقق
المسعى الرئيس من القصة، المتمثل في الإيمان بوحدانية الله، والبعث.
وتعود الصيغة نفسها من التشبيه في قوله تعالى:.وَ َ ك َ ذلِكَ أَعَْثرَْنا عََليْ ِ همْ لِيَعَْلمُوا أَنَّ وَعْدَ
اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَ َ ة لا رَيْبَ فِيهَا. [21] ، يعود التشبيه مرة أخرى وعلى النمط نفسه (وكذلك) ،
أي كما أنمناهم بعثناهم وأعثرنا عليهم ليتحقق الهدف المراد تحقيقه من قصة الفتية المؤمنين،
نلاحظ عدة أمور لافتة في تكرار النمط التصويري المقرب للمعنى، فالتركيبان متشابهان بعد
كلمة (كذلك) التي تمركز لديها التشبيه، متلوة بفعل من الله (بعثناهم) و (أعثرنا) ، متبوعا بفعل
مسبوق بلام التعليل، (ليتساءلوا) و (ليعلموا) ، كل هذا ليوصل إلى مركزية الصورة، فعندما عاد
التركيب اللغوي ليتكرر، لفت الانتباه إلى الغاية الأساسية للقصة، وهي(ليعلموا أن وعد الله حق
وأن الساعة لا ريب فيها)، وهذه الالتفاتة من لطائف الأسلوبية في الربط والكشف في التحليل
الأدبي، فعندما تكرر الأسلوب لفت الانتباه، فظهرت الحقيقة الكبرى من وراء القصة كاملة.
ويعود أسلوب التشبيه للظهور مع قصة ذي القرنين في قوله تعالى:. َ ك َ ذلِكَ وََقدْ أَحَطَْنا ِبمَا
َلدَيْهِ ُ خبْرًا. [91] ، التماثل في التركيب نفسه (كذلك) ، متبوعا بفعل يختص به الله؛ ليربط ما
حدث سواء مع الفتية أو مع ذي القرنين بأمر الله ومشيئته، ولا يخفى أثر تكرار الأسل وب من
الربط الذهني بين الموضوعات المتماثلة ويشكل عنصرا من عناصر الوحدة الفنية على مساحة
النص كاملا.
الظواهر المتكررة في الصور المعتمدة على التشبيه:
تتراوح الظواهر المتكررة في هذا النمط من التص وير مابين الظ واهر الشكلية وأخرى
موضوعية:
1)ينظر، السمين الحلبي، شهاب الدين: الدر المصون، تحقيق علي معوض وآخرون، 4 مج، بيروت: دار الكتب العلمية،)
.ج 4، ص 443
أ- الظواهر اللغوية الشكلانية:
أداة التشبيه الكاف وهي أشهر أدوات التشبيه وأسهلها وصو ً لا إلى التصوير، مم ا يتناسب
وما ذهب إليه من تناول فن التشبيه مع طبيعة المتلقيين وقربها منهم.
المشبه معمم الدلالة لاتصافه بالعمومية المفرطة، ف (الحياة الدنيا) دونما تحديد لها بوصف أو
بغيره، وهذا التعميم يعطي للصورة بقاءً وتجددًا وأثرًا يشمل كل من له علاقة بالحياة الدنيا،
ولكن بدرجات متفاوتة، والماء أيضا (بماءٍ) نكرة غير محدد. وصورة الإنسان يوم البعث(لقد
جئتمونا)الذي وضح حالته المشبه به. فالمشبه به يتسم بالطول والوضوح(كماء أنزلناه من
السماء فاختلط به نبات الأرض)و (كالمهل يشوي الوجوه) ، وهذا الأصل في المشبه به أن يكون
أكثر وضوحًا. وطول جملة التشبيه وأثر ذلك في إفساح مساحة للتخيل (1) . ولأن التشبيه في
طبيعته عملية كشف وتحليل للمشبه"لذلك ترى المشبه مفردا والمشبه به مركبا لأن المشبه به"
.(يورد تفاصيل وأحوا ً لا في المشبه يصير بها مركبًا"(2"
الحركة التي اتسم بها المشبه به الناتجة عن البناء المعتمد على الفعل(فاختلط به نبات الأرض
فأصبح هشيمًا تذروه الرياح) (يشوي الوجوه) .واغلب الصور النقلية تتسم بالحركة والأدب بشكل
عام"يعبر عن الحركة المتتابعة سواء حركة مادية تتم في الخارج أو حركة شعورية تتم في"
.(الخيال. مع وصف كل جزئية من جزئيات الحركة المتتابعة مع الزمان"(3"
ب- الظواهر الموضوعية:
شكل الماء عنصرا متكررا في الصور المعتمدة على التشبيه، (بماءٍ يشوي الوجوه) و(كماء
أنزلناه). فالماء من أقرب الأشياء إلى التصور الذهني البشري، وخاصة في مثل الحالات التي
يمر بها التصوير في الآيات، فهو رمز الحياة ومصدرها، وهو من عناصر الطبيعة التي يفهمها
.1) ابن طباطبا: عيار الشعر، تحقيق محمد زغلول سلام، الإسكندرية: منشأة المعارف، طبعة المدني، ص 15)
.1400، ص 55 - 2) أبو موسى، محمد: التصوير البياني، دراسة تحليلية لمسائل البيان، ط 2، القاهرة: مكتبة وهبة، 1980)
.3) قطب، سيد: النقد الأدبي أصوله ومناهجه، القاهرة: دار الفكر العربي، ص 116)
الناس جميعا"أول ما يستدعي النظر من خصائص التشبيه في القرآن الكريم أنه يستمد عناصره"
.(من الطبيعة وذلك سر خلوده"(1"
وتماثلت في النهاية المؤلمة في الحالتين، فمرة (يشوي الوجوه) ، وأخرى (تذروه الرياح) ،
(كما خلقناكم أول مرة) ؛ ليشكل في جميع الحالات عنصر المفاجأة والتطهير من خلال النهاية
المحزنة، إذ تشكل الصورة سردًا مأساويًا.
التصوير بالمجاز:
المجاز كما ذكره الجرجاني"كل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها"
لملاحظة بين الثاني والأول" (2) ، فهو شكل من أشكال تداعي المعاني على بساط واحد من اللفظ،"
فما أن يذكر لفظ إلا وأكثر من معنى يرد إلى الأذهان، بين معنى يفهم على الحقيقة يباشر الذهن،
تتابعه معان ذات علاقة مقصودة، فتتعدد العلاقات ليظهر لدينا أنواع من المجاز: مجاز استعاري
ومجاز مرسل.
التصوير المعتمد على الاستعارة:
الاستعارة من أكثر استعمالات اللغة فاعلية فتدخل في جانب التصوير والتأثير، وفي تطوير
اللغة وبث الحياة فيها، فهي"تتصدر بشكل كبير بنية الكلام الإنساني، إذ تعد عام ً لا رئيسا في"
الحفز والحث وأداة للتعبير، ومصدرا للترادف تعدد المعنى، ومتنفسا للع واطف والمشاعر
الانفعالية، ووسيلة لملء الفراغات في المصطلحات" (3) . كما عدها بعض النقاد أنها مجال الروابط"
.(بين الأشياء كما يخلقها الخيال"(4"
الاستعارة في رأي بعض القدماء أنها تشبيه حذف أحد ركنيه؛ مما جعل النظر إليها داخل
النص الأدبي والتعامل معها بطريقة لا تعطيها حقها في فهم النص والكشف عن جماليات التعبير
.1) بدوي، أحمد: من بلاغة القرآن، ط 3، ص 196)
.2) الجرجاني، عبد القاهر: أسرار البلاغة، ص 281)
.3) أبو العدوس، يوسف: الاستعارة في النقد الأدبي الحديث، عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 1997، ص 11)
.4) البطل، علي: الصورة في الشعر العربي، ط 3، لبنان: دار الأندلس، 1983، ص 24)