فهرس الكتاب
"فالناقد القديم لا يحتفل بنشاط الاستعارة الجمالي ولا يتعرض لعلا قته ا بجماليات الشعر أ و"
المعنى" (1) . علما أن الصورة الاستعارية قد تقوم على علاقات تخيلية تجمع بين المشابهة وغيرها"
والتي تسمى زاوية الخيال، وتلك أعمق أنواع الاستعارة، إذ تتشكل أثناء ولادة الصورة، لروابط
شكلية حركية خارجية أو معنوية نفسية، تتجلى أبعادها التي قد تكون أصلا متنافرة فيربط الأديب
بينها بروابط تبدو في غاية الانسجام،"فعندما نقارن بين أشياء بعيدة عن بعضها في الصفات،"
.(بطريقة مفاجئة ومدهشة، فإن هذه المهمة التي يحاول الأديب أن يثيرها"(2"
وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن القدماء كانوا ينظرون إلى الاستعارة بشيء من الريبة،
مع أنها تحقق تأثيرا في داخل النص وتفسح المجال بشكل واسع أمام المبدع لتكوين لغته الخاصة
من خلال لحظات الكشف لتجليات النص، إلا أن حرصهم على البنية اللغوية و"البحث عن"
التناسب العقلي بين طرفي الاستعارة" (3) جعلهم يقفون موقفا متحفظا من الاستعارة؛ فأفقدها ذلك"
الكثير من خصوصيتها وقربها من التشبيه، علمًا أن ما يصلح له التشبيه قد لا تصلح له
الاستعارة والعكس صحيح؛ إذ إن لسياق الحال وتداعيات المقام وطبيعة المتلقي- المخاطب- أثر
في اختيار الأسلوب الأنسب في الوصول إلى بنائية الصورة الفنية وتحقيق التأثير المطل وب،
.(فالاستعارة لها أثر في"أنها تبرز هذا البيان أبدا في صورة مستجدة تزيد قدره نبلا"(4
وقد يلمس بعض التوافق بين المنظور الحديث للاستعارة وما نجده لدى بعض أراء القدماء
أمثال عبد القاهر الجرجاني وموقفه من الاستعارة وخاصة التخيلية، فإن المحدثين ينظرون إلى
إمكانيات تتمثل في الاستعارة"فتغدو الاستعارة التشكيلية (التصويرية) ضرورة تتطلبها النفس"
لأنها نقلة هائلة ومفاجئة من واقع تجريدي جامد إلى وجود تأملي فكري وشعوري تتحرك الذات
.(حرة في أثناء انتقالها المتصاعد لتصوغ أشياءها ورؤيتها فيه من وحي منظورها الخاص"(5"
1)أبو العدوس، يوسف: الاستعارة في النقد الأدبي الحديث، ص 274. و سلوم، تامر: نظرية اللغة والجمال في النقد)
.العربي، سورية: دار الحوار للنشر والتوزيع، ص 274
.2) أبو العدوس، يوسف: الاستعارة في النقد الأدبي الحديث، ص 11)
.3) عصفور، جابر: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، المركز الثقافي العربي ص 204)
.4) الجرجاني، عبد القاهر: أسرار البلاغة، ص 41)
.5) قوقزة، نواف: نظرية التشكيل الاستعاري في البلاغة والنقد، عمان: وزارة الثقافة، 2002، ص 214)
فالنظرة التفاعلية للاستعارة تتجاوز الاقتصار على كلمة واحدة كما كان في الغالب لدى
القدماء"إن الكلمة ليس لها معنى حقيقي محدد بكيفية نهائية وإنما السياق ه و الذي ينتجه،"
.(فالاستعارة تحصل من التفاعل بين بؤرة المجاز وبين الإطار المحيط بها"(1"
ومن خلال النماذج من الصور الفنية المختارة المعتمدة على الاستعارة من س ورة الكهف
نحاول أن نبين سبب اختيار الصورة الاستعارية على غيرها. وما يمكن أن تحققه الاستعارة
كالتشخيص، والإيحاء، والجدة، وتداعي المعاني والصور، والتكثيف الزماني والمكاني، وتحقيق
التجدد في النص القرآني والذي تسهم الصورة الفنية بجانب واسع في إحداثه.
فمن التصوير القائم على الاستعارة (الضرب) في قوله تعالى:.َفضَرَبَْنا عََلى آ َ ذانِ ِ همْ فِي
الْ َ كهْفِ سِنِينَ عَدَدًا. [11] ، الكشف عن جماليات التصوير يتطلب بداية فهما للمعاني والظلال
التي تنبعث من الألفاظ، فالضرب له عدة معان منها ما هو سريع إلى الذهن، ومنه ما يعتمل
الفكر في الوصول إليه، أما هنا فهو مرتبط بدلالة ضرب أوتاد الخيمة ونصب بنائها (2) ، أي
ليدخلنا ذلك إلى الصورة التي تعتمد على تصور ذهني، ما أن وصل المعنى حتى بدأت ترتسم
معالم الصورة، يرتسم الحجاب الذي يحجب عنهم الصوت وهو مسدل عليهم. فهم ينام ون ولا
يسمعون الأصوات من حولهم حماية لهم من الإزعاج؛ فحاسة السمع تقلق النائم، وحماية لهم من
ذلك القلق فقد جعل الله عليهم ساترًا حجابا وإن كان التصور الذهني له على شكل خيمة فان سرًا
أعظم من هذا التصور كائن.
ومن الصور الاستعارية (ربط) في قوله تعالى:.وَرَبَطَْنا عََلى ُقُلوِب ِ همْ إِذْ َقامُوا َفَقاُلوا رَبَُّنا
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْ ِ ض. [14] ، يتكرر التركيب في هذه الآية ليعيد الفكر مرة أخرى في عملية
ربط وكشف ما بين صورتين قائمتين على البناء الاستعاري الذي يمتاز بالعمق، وهذا مما يحقق
المتعة في الصورة الفنية، وإثارة الدهشة، والراحة النفسية التي يشعر بها المتلقي بعد كشف
تجليات الصورة، وعلاقة البناء قائمة بين الضرب على الآذان والربط على القلوب، ومما يزيد
.1) السيد، نور الدين: الأسلوبية في النقد العربي الحديث. رسالة دكتوراه، 1994 جامعة الجزائر، ص 147)
2)ابن منظور: لسان العرب: مادة، ضرب.)
في حسن الاستعارة ما فيها من المبالغة"فالاستعارة القرآنية أسلوب من أساليب المبالغة يستخدم"
للتأكيد في وصف حال أو موقف ترغيبا أو تنفيرا" (1) ، فالقلوب البشرية تنتابها حالات من الق وة"
والضعف في أوقات وأحوال حسب متغيرات تمر بها، ولكن هذا الأمر قد اختلف مع الفتية الذين
آمنوا وامتثلوا لأمر الله، فثبت الله قلوبهم وربط عزيمتهم، ودلالة الربط تجميع بين أطراف،
والتجميع قوة فكان الفعل الماضي هو الصيغة التي احتفظت بها الصورتان (ضرب وربط) ؛ لما
للفعل الماضي من ظلال الثبات، وهذا غاية من غايات الصورة في هذا المقام. والمتمعن في
الصورتين يجد التركيز على أصوات القوة من تفخيم وجهر، وأصوات رنانة، ليتشكل العمل
الأدبي والصورة الفنية عبر إيقاع داخلي مترابط ومتفاعل، فالاستعارة لم تقف عند الحد
الظاهري لها على كلمة واحدة،"فهي تحصل من التفاعل أو التوتر بين بؤر المجاز والإطار"
المحيط بها" (2) . فالعمل الأدبي بشكل عام والصورة الفنية بشكل خاص لا ينحصران في فهمهما"
.(من خلال الألفاظ فقط"فهما أصوات وأنغام وإيحاءات وصور وتدا ٍ ع للمعاني"(3
وتظهر أبعاد الصورة الاستعارية في قوله تعالى:.َلن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهًا َلَقدْ ُقلَْنا إِذًا
شَطَطًا. [14] ، فهي تعتمد على مرتكزات أخرى غير المجاز إن من يدعو من دون الله إلهًا آخر،
فقوله دون أساس يعتمد عليه، وكل أمر ليس له أساس فهو فوضى مشتت. هذا ما توحي به كلمة
(شططا) . أن مما يلفت الانتباه هو القدرة التصويرية في الكلمة المفردة في القرآن الكريم وه و
مما يبهر العقل أن"يستقل لفظ واحد لا عبارة كاملة برسم صورة شاخصة، لا بمجرد المساعدة"
على إكمال معالم الصورة" (4) ، فالأصوات التي تتفاعل في بناء الكلمة ورسم الصورة تبدأ متفقة"
مابين الحال التي عليه كلام الكفرة من التشتت، فتبدأ الكلمة بصوت الشين الذي يتسم بالتشتت
صفة ومخرجا، وأما حقيقة قولهم فهو منكر ومبالغ في فظاعته، ولذا كان الصوت المفخم الطاء
ليعبر عن عظم ما يقولون، ويفك الإدغام فالأصل ش ّ ط في كلامه ولكن ليبقى التصوير منسجمًا
في كل جزئياته، فالتفكك والتشتت في كلام الكفرة، سمة عامة لا تبارحهم.
.1) عصفور، جابر: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، ص 344)
.2) أبو العدوس، يوسف: الاستعارة في النقد الأدبي الحديث، عمان: الأهلية للنشر والتوزيع. 1997، ص 8)
.2003، ص 78 - 3) خليل، إبراهيم محمود: النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، عمان: دار المسيرة، 1424)
.4) قطب، سيد: التصوير الفني في القرآن، بيروت: دار الشروق، ص 76)
إنّ الكلمة من الأمور التي تلاحظ من تكرار الألفاظ الدالة على الكلام، والصور المرتكزة
على طبيعة الأصوات، فتشكل من بداية السورة مرتكزا أسلوبيا لينبه إلى خطورة الكلام الذي
يمكن أن يهلك صاحبه.
تصور المستقبل من الأمور التي تحتاج إلى عمق في التفكير وقدرة تخيل عالية، فالتصوير
يتيح للمتلقي التفكير ويفسح له مجالا للتخيل، و مثل هذا التصور ما ظهر في قوله تعالى:.وَإِنَّا
َلجَاعُِلونَ مَا عََليْهَا صَعِيدًا جُرُزًا. [8] ، فالصورة في الآية تناولت زينة الحياة الدنيا التي ينبهر بها
البشر، أما ستكون عليه يوم القيامة، فقد يصعب على الإنسان أن يتصوره في بعض الأحيان، أو
قد لا يرغب في ذلك التصور لتعلق نفسه بزخرف الدنيا وزينتها، فيكون ذلك مانعا من التصديق
أو حتى التصور، فكان لابد من التصوير الذي هو أقرب ما يكون من الحقيقة ويشعر بها، فق وة
التركيب بدأت بأدوات التوكيد المتتابعة، إنا المكونة من"إنّ"وهي للتوكيد والضمير"نا"الذي يفيد
التعظيم، وحالة الإدغام الصوتي التي أيضا تعطي بالإضافة إلى وقعها الم وسيقي الخاص؛
ملمحًا للتوكيد ولام التوكيد، كل هذه الأدوات مقدمة للدخول إلى الصورة وممهدة لها، فبعد هذا
الإعداد النفسي تدخل عناصر التصوير، فالأرض كلها ستصير صعيدا واحدا، جرزا منقطعة لا
نبات فيها ولا حياة ولا زينة. والمتأمل للصورة بداية تثيره وقد تؤلمه، ويزيد من ذلك الأثر الذي
تلقيه الأصوات على المسامع، (صعيدا) ، جرزا فصوت الصاد المفخم الذي بدأت معه حدة
الصورة يقابل في المنظومة الصوتية صوت السين فهو المقابل المخفف للصاد، فعملية الاستبدال
الصوتي بين السين والصاد، هي عملية استبدال بين الرغبة وما سيكون، فهي عملية استبدال بين
سعيدا وصعيدا، فالصورة لا تظهر جلية في بعض الأحيان إلا إذا ظهر المقابل لها، وهذا ما
تحققه عملية الاستبدال وان كانت قد اعتمدت بداية على المنحى الصوتي، فكل عملية استبدال يتم
فيها الكشف وإظهار تجليات التصوير من صميم الدراسات الأسلوبية وإجراءاتها.
يلاحظ أيضا في هذه الصورة الاعتماد على الأصوات المفخمة لتشكل عنصرًا من عناصر
بناء الصورة وعنصر التأثير بالإضافة إلى عنصر الدهشة والمفاجأة المتحقق من طبيعة الحدث.
وشكل آخر من أشكال التصوير المعتمد على الاستعارة ما ظهر في قوله تعالى:.َفوَجَدَا
فِيهَا ِ جدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ َفأََقامَهُ. [77] ، هذه الصورة في سياق قصة موسى (عليه السلام) مع
العبد الصالح، قصة العلم البشري الذي يعتمد على الظاهر وفي المقابل العلم اللدني الباطن قال
تعالى:.َفوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آَتيَْناهُ رَحْمَ ً ة مِنْ عِندَِنا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا. [65] . وقبل البدء
في محاولة كشف جماليات الصورة. فلا بأس في ذكر أن اختلافا فكريا حاصل في فهم هذه الآية
على مستوى أهل العلم والعارفين مما له أثر في فهم الصورة وطبيعتها. علما أن الإقامة مجهولة
الكيفية وهذا مما ترك توضيحه لغرض الاهتمام بالفكرة الرئيسة، كحال الكثير من القضايا في
سورة الكهف.
يمتاز الخطاب في القرآن الكريم بتعدد مستوياته؛ وذلك ليخاطب النا س المختلفين في
إدراكهم ومستوياتهم العقلية المختلفة. هذه المقدمة للدخول إلى رحاب هذه الص ورة، علما أن
البحث سينحصر في الجانب البلاغي والجمالي ويبتعد عن الجوانب الأخرى التي قد يثيرها
السياق. وقد فهمها أهل المذاهب كل في منظوره الخاص، فالجدار عندما وصلوا إليه والحال
تقتضي أن يتركوه لتفعل به الأحداث ما تشاء بسبب ما لقياه من سوء استضافة، إلا أن العبد
الصالح لم يتركه بل أقامه، والسبب أن الجدار لم يكن على وضعه الحقيقي كجدار جامد، وإنما
الأمر تجاوز ذلك، فالجدار يريد، والإرادة شأن من يعقل فخرجت اللغة والتعبير عن وضعه ما
الحقيقي إلى وضع مجازي الاستعمال، فالجدار كأّنه شخص (ظاهرة التشخيص) يقوم بعمل يلفت
له الانتباه، فالفعل (يريد) ، فكان من الممكن أن يستبدل بكلمات أخرى لتعبر عن نفس المعنى، إلا
أنها لا تعطي هذا العمق، وهذا الزخم البياني المتدفق مع دلالة الفعل المضارع الذي ينبض
بحركة مستمرة، إذ لو كان الفعل أوشك أن ينقض لأعطى نفس المعنى، ولكن يفقد التعبير تلك
الحركة الناشئة من صياغة الفعل المضارع التي كانت مثار انتباه للجميع سواء العبد الصالح أ و
السامع، فاجتمعت في الصورة عناصر جمالية متعددة بالإضافة إلى العمق الفكري الذي أثارته،
فالصورة لم تكن زخرفة كما تبين بل حققت عنصر المفاجأة على أكثر من صعيد. أما ما ينبعث
من الفعل (ينقض) من تصوير قائم على الاستعارة العميقة،"وكأن هذا الجدار وحش يريد أن"
ينقض على فريسته، فلو كان هذا الجدار في مكان غير مأهول فالأمر سيان إن سقط أم لم يسقط،