فهرس الكتاب
ولكن هنا المكان مأهول والجدار المتوحش يريد أن ينقض على الفتية الأيتام، فجاء العبد الصالح
.(عليه السلام فرد على الجدار إنسانيته وثباته، فأصبح حارسا أمينا على أموال اليتامى"(1"
وإذا كانت الحركة هي العنصر الأبرز في الصورة السابقة فان عنصر الثبات لا يقل أثرًا
في قوله تعالى:.أُوَلئِكَ الَّذِينَ َ كَفرُوا ِبآيَاتِ رَبِّ ِ همْ ولقائه َفحَبِ َ طتْ أَعْمَاُلهُمْ َفلا نُقِيمُ َلهُمْ يَ ومَ
الْقِيَامَةِ وزْنًا. [105] ، إن الباحث في أي نص لا يستطيع في أية حال أن يتبين جماليات العمل
الأدبي إلا من خلال السياق وتكامل دلالاته، ولذا لا بد من العودة إلى الآية السابقة في ق وله
،[تعالى:.الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وهُمْ يَحْسَ بونَ أَنَّهُمْ يُحْسُِ نونَ صُنْعً ا. [104
فتكاملت الصورة مع العودة إلى السياق، إذ إن الصورة في بنائية الشكل لها مقدمة وعرض
وخاتمة، والخطورة في دراسة الصورة الفنية أن ُتبَْتر من سياقها، فيشوهها ذلك ويقلل من
فاعليتها. فالنقد القديم كان يقف على الاستعارة في كلمة حبطت ويخلع عليها ما استطاع من
المشابهة وينتهي الأمر. وبما أن الصورة الأدبية جزء مهم في العمل الأدبي، وتشكل عنصرا من
عناصر الوحدة والربط الداخلي، والتناسق الفني والمفاجأة المتحققة في رسم الص ورة، ترتبط
بشكل سريع ارتباطا عضويًا ونفسيا مع الآية السابقة وبشكل أساسي الصورة الفنية فيها، فاسم
الإشارة أولئك لا بد أن يعود على مشار إليه وهم الذين ضل سعيهم، وأما تتابع المفاجأة تل و
الأخرى ليبقى الأثر النفسي والمؤثر متلازمين. فالآية السابقة كانت تتراوح بين الثبات والحركة
وان كانت الحركة نفسية داخلية -وهم يحسبون، أنهم يحسنون- تتناغم مع الحركة الإيقاعية من
الجناس والتقارب اللفظي بين يحسبون ويحسنون، هذا الإحساس الجميل الخادع يفجعهم في
مفاجأة يدركون بعد ذلك أبعادها، بعد أن يفقدوا قيمة ذلك الإدراك في يوم القيامة.
إنّ دراسة الأدب والتحليل الأدبي على المنهج الأسلوبي لا يميل إلى الجانب النظري إلا
بالقدر الذي يخدم الدراسة؛ إذ إنّ بعض النصوص الأدبية تمتلك من القدرة على توجيه الناقد إلى
الظواهر الأسلوبية اللافتة بل وتشكل نظرية النص وخصوصيته في آن واحد، ولعل المتبصر في
النص القرآني يلمح هذا بجلاء"فالدراسة الأسلوبية تواصل تأملها لعالم النص عن طريق القراءة"
.1) الحمصي، عبد الكريم: صور من سور القرآن الكريم، سوريا: دار الفكر، 1994، ص 96)
المتعددة الوجوه. فأحدها تتأمل فيه البنية الإيقاعية وآخر تتأمل فيه البنية المعجمية و البنى
التركيبية والبنية التعبيرية الجمالية، وأخيرًا لا بد من إعادة النظر في هذه الملاحظات فنتساءل
عما يوحد كل هذه العناصر والصور والمجازات والاستعارات في كيان عضوي يجتذب القارئ
.(ويستثيره"(1"
ويظهر أثر الحركة التخيلية في الصور الاستعارية المتمثلة في قوله تعالى:. َ كبُ رَتْ كلم ً ة
َتخرُجُ مِنْ أف واهِ ِ هم. [5] ، الكلمات التي قالها المشركون عن الله، وادعاؤهم الباطل، يثير في
النفس السامعة لها اشمئزازا؛ لخروج قبح من تلك الأفواه الكاذبة، والحدث لم ينته بل إن الفعل
المستعمل فعل دال على الاستمرار. وكذلك موقع الجملة من الإعراب دالة على الوصف وليست
للحال، وفي الوصف دلالة على لزوم تلك الصفة السيئة لكلامهم."وصفت الكلمة بالخروج الذي"
هو من صفات الأجسام وبناء على أن الأصوات والحروف والكلمات إنما تحدث خروج النفس
.(من الحلق فوصفت الأعراض المذكورة بوصف ما يكون سببًا لحدوثها"(2"
من الملاحظات المشتركة في الصور الاستعارية أنها تحتاج في دراستها إلى التعمق
والتفكير لإدراك كنهها وجمالياتها، وتطبع هذه السمة النص عموما بالجدة والجدية؛ وذلك لقدرتها
على الإيحاء وتنشيط الذهن. كما يسهم البناء الصوتي في تفاعله الداخلي مع البناء العام للصورة
وتحقيق المعنى الصوتي. ويلاحظ فيها الثبات والديمومة والتكثيف الزماني والمكاني المتحققان
في الصورة، واستقلال الكلمة المفردة ظاهريا في تشكيل الصورة وتفاعلها مع السياق العام
داخليا في عملية الربط"فتصبح الاستعارة هي العنصر الذي لا بد منه لربط سياقين ربما يكونان"
.(بعيدين جدا"(3"
ومن الصور الاستعارية صورة القلب الغافل في قوله تعالى:.وَلا ُتطِعْ مَنْ أَغَْفلَْنا َقلْبَهُ عَن
ذِكْ ِ رَنا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَ َ كانَ أَمْرُهُ ُفرُطًا. [28] ، استعارة في أغفلنا قلبه، وبما أن الاستعارة مق وم
1)خليل، إبراهيم محمود: النقد الأدبي الحديث من المحاكاة الى التفكيك. سوريا: دار المسيرة، 2003 م 1424 ه،)
.ص 166
.2) القوجي، محمد بن مصلح الدين: حاشية محي الدين شيخ زادة، بيروت: دار الكتب العلمية، 1419 ه، ج 1، ص 446)
.3) أبو العدوس، يوسف: الاستعارة في النقد الأدبي الحديث، عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 1997.ص 8)
دلالي انزياحي، فإن (غفل) تكون في الأصل للإبل، فغفل إبله من غير سمة وعلامة، فاستعير
اللفظ لجعل ذكر الله الدال على الإيمان فهو سمة لثبوت الإيمان في القلب (1) . والغفل فيه إشارة
التغيب وعدم الوضوح، ولذا فإن القلب اللاهي عن ذكر الله يلج في متاهات فلا ه و يهدي ولا
يهتدي، وإنما يتبع هواه ورغباته ولذا يكون أمره ُفرُطا، فما أصعبها من كلمة وأثقلها وما أصعب
حال من اتبع هواه!.
ومن الصور المعتمدة على الاستعارة صورة المخلوقات يوم القيامة في قوله تعالى:.وَترَكَْنا
بَعْضَهُمْ يَومَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْ ٍ ض وُنفِ َ خ فِي الصُّو ِ ر َفجَمَعَْناهُمْ جَمْعًا. [99] ، من الملاحظ على
التصوير الفني بشكل كبير أن لكل صورة فنية ملمحًا أو مثيرا أسل وبيا بارزًا يشكل نقطة
مركزية، بحيث تضفي على الصورة ظلا ً لا لذلك الملمح، ومن هذه الملامح الحركة أو الص وت
أو عنصر مفاجأة.
فالصورة التي تبرز أمامنا في هذه الآية يلاحظ فيها تكرار الأفعال بشكل مؤثر، وهذا مما
يراعى في الدراسة الأسلوبية أن يكون التكرار الذي يمكن دراسته أن يكون مؤثرًا في بنائية
النص، وما يتأتى عنه من تأثير في المتلقي. فصياغة الأفعال في النص يشكل الجانب الخارجي
للدراسة النصية، الفعل (تركنا بعضهم) في بداية الصورة يقابله المعاكس له في المعنى
(جمعناهم) في نهاية الصورة، وهذا يعطي إحساسا بان الصورة وحدة واحدة أولها متعلق بآخرها
وأن كل ما يحدث داخلها من حركة متمكن منه لا انفلات له، وبينهما تمت الصورة معتمدة على
الفعل (يموج) وما يشع من الحركة المستمرة في صياغة المضارع، ودلالة المعنى المجازي له
في تشابه مع تلاطم أمواج البحر، فش ّ كل الفعل يموج أساس هذه الصورة (2) ، أما الفعل (وُنفِ َ خ) فله
في موضعه وصياغته أثر لافت فعنده بدأت الصورة في حركة انقلابية، فبعد الترك في البداية
والحركة القوية يأتي الجمع والبعث والمحشر.
.1) حاشية الشهاب على: تفسير البيضاوي، بيروت: دار صادر، ج 6، ص 96)
2)شيخون، محمود السيد: الاستعارة نشأتها، تطورها، أثرها في الأساليب العربية، ط 1، القاهرة: دار الطباعة)
.المحمدية. 1397 ه - 1977 م، ص 96
حالة من الاضطراب والاختلاط الناشئين عن الحيرة مع تزايد تلك الحركة والتلاطم كأنها
صورة البحر المائج المتلاطم مع ما يلاحظ عليه من شدة في الحركة. ولأهمية النظر إل ٍ ى البعد
النفسي للبشر في هذه الصورة، فالبشر قد يكونون في حشد كبير ولا يحصل بينهم التلاطم إن لم
يسيطر عليهم الشعور بالحيرة.
الأفعال من العناصر المهمة في الصورة التي تحدث المفاجأة المطلوبة والضر ورية في
الصورة الفنية، فالأفعال التي ظهرت في الصورة أفعال مبنية للمعلوم (وتركنا، يموج، فجمعناهم)
إلا الفعل (وُنفِخ) ، فهو فعل مبني للمجهول، إذ كانت الأحداث تسير في خط معين ويتوقع أن
يستمر، فتحصل المفاجأة مع الفعل (وُنفِخ) في الصور، فتوقف المشهد وانقلبت حالة الترك
(وتركنا) إلى حالة الجمع (فجمعناهم) ، فطبيعة التركيب اللغوي أحدثت مفاجأة كما هو الحال مع
الترتيب السردي للأحداث، و يلاحظ تكرار الفعل المبني للمجهول في أغلب الصور الفنية ليشكل
ذلك ظاهرة أسلوبية يمكن متابعتها.
الصورة على الأغلب تحقق هدفا أو تغير سلوكا، وفي كثير من الأحيان يجد الإنسان
غضاضة في النصح المباشر، ولكن الأمر يختلف إذا كان عبر رسم معادل رمزي أو تصويري
كما في قوله تعالى:.وإِذْ ُقلَْنا لِلْمَلائِ َ كةِ اسْجُدُوا لآدَمَ َفسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ َفَفسَ َ ق
عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ. [50] ، يتشكل في هذه الآية موقفان مترابطان في علاقة تشكيل واقعية، وأخرى
استعارية، الموقف العام الملائكة بطبيعتهم التي خلقهم الله عليها يطيعون في كل ما يؤمرون، هذا
الخط المتوقع للسياق، فمن يؤمر بالسجود لابد أن ينفذ الأمر في صورة السجود المتوقعة من كل
من أمر، في هذا الموقف، يظهر وبشكل لافت منظر إبليس يشذ عن المشهد، وكأنه يريد أن
يخرج عن أمر الله وطاعته فيفتق عن نفسه جلد الطاعة التي تمثل بها كل من شهد، باستثناء
إبليس فكيف لمثل هذا أن يطاع ويتخذه الناس وليًا لهم وهو أول من عصى ربه؟، وفي اللسان
فسق بمعنى الخروج وسميت الفارة فاسقة لخروجها على الناس وإفسادها وإنما سميت بعض
الحيوانات فواسق على الاستعارة لخبثهن" (1) ، كان إبليس وهو في طاعة الله في مراتب الملائكة،"
فدخل إذ خرج من طاعة الله إلى الفساد الخبث كليهما، وهذه الصورة المنفرة لكل فاسق. وما
1)ابن منظور: لسان العرب. مصر: دار المعارف، مادة (فسق) .)
تشكل في نفس المتلقي الواعي من أثر لتلك الشخصية التي أقدمت على الفسق، فإن من يدرك
هذه الصورة فإنه يستجيب لمرماها ويتخذ من إبليس عدوا له قبل أن يسمع بقية الآية التي جاءت
بالتعبير المباشر قال تعالى:.وإِذْ ُقلَْنا لِلْمََلائِ َ كةِ اسْجُدُوا لآدَمَ َفسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ
َفَفسَ َ ق عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أََفتَتَّخُِذونَهُ وُذرِّيَّتَهُ أَولِيَاء مِن دُونِي وهُمْ َل ُ كمْ عَ دو بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ
.[بَدَ ً لا. [50
إن مما يزيد الصورة الفنية جمالا فتحتل موقعها المناسب في النص أن تشمل على أكثر من
تقنية فنية وأسلوبية في آن واحد؛ فينظر إليها من كل زاوية تتمثل بها سواء في الدلالة أو التعبير
أو التأثير (1) ، ومن هذا ما يتمثل في قوله تعالى:.كِلَْتا الْجَنََّتيْنِ آَتتْ أُ ُ كلَهَا وَلمْ َتظْلِمْ مِنْهُ
َ شيْئًا. [33] ، فالتركيب بداية فيه تقديم وتأخير في (كلتا الجنتين) ليعطي شمولية في الص ورة،
وأسلوب الالتفات في (آتت أكلها) فيه شحن للذهن ودقة في التفصيل وعمق في التصوير، فيأخذ
النظر بالتحديق في كل جزئية في الصورة، أما التصوير الاستعاري المتمثل في الظلم، فهنا لم
يستخدم على أصل الكلمة، فالظلم أمر يتعلق بمن يمتلك الإرادة والتخيير، والنبات على أصل
التعبير ليس كذلك، وإنما استعير اللفظ ليعني النقص في الثمر، فالظلم حرمه الله، وامتثل لذلك
المخلوقات حتى الجمادات والنباتات، بهذا تظهر صورة الظلم ال وخيمة التي لم تحتملها
المخلوقات، فكان حريا بالإنسان أن يشعر بتلك الصورة، ولكنه بجهله وعناده وقع في الظلم
لنفسه ولغيره.
الحال في الصورة الفنية:
الحال كما عرفه النحاة"وصف فضلة مسوق لبيان هيئة صاحبه أو تأكيده أو تأكيد عامله، أو"
مضمون الجملة قبله" (2) . تكررت الحال والجمل الحالية في سورة الكهف بشكل يلفت النظر، كما"
تنوع موضع ورودها، وبشكل ملحوظ أيضا ظهرت مع الصورة الفنية. وسوف نتبين اثر الحال
في التصوير الأدبي والجملة الحالية بشكل خاص، كما يبدو ذلك في الآيات:
.1) المسدي، عبد السلام: الأسلوبية والأسلوب، تونس: الدار العربية للكتاب، ص 78)
.2) الأنصاري، جمال الدين بن هشام: شرح شذور الذهب، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر، 1414 ه، ص 319)