فهرس الكتاب
احتلت الحال موقعا بارزا في الصورة الفنية؛ فهي التي تشير إلى الموقع الأهم بين عناصر
الصورة والحدث، قال تعالى:.وََترَى الشَّمْسَ إِ َ ذا َ طَلعَت تَّزَاوَرُ عَن َ كهْفِ ِ همْ َ ذا َ ت الْيَمِي ِ ن وَإِ َ ذا
َ غرَبَت تَّقْرِضُهُمْ َ ذا َ ت الشِّمَا ِ ل وَهُمْ فِي َفجْوَةٍ مِّنْهُ. [17] . فكل العناصر الأخرى مؤازرة للفتية
وجملة الحال كذلك تنبه وتشير إليهم.
وفي سياق منسجم مع الصورة الأولى تظهر الجملة الحالية في قوله تعالى:.وَتَحْسَبُهُمْ
أَيَْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَُنقَلِّبُهُمْ َ ذا َ ت الْيَمِي ِ ن وَ َ ذا َ ت الشِّمَا ِ ل وَ َ كلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ ِبالْوَصِيدِ َلوِ اطََّلعْ َ ت
عََليْ ِ همْ َلوَلَّيْ َ ت مِنْهُمْ فِرَارًا وََلمُلِئْ َ ت مِنْهُمْ رُعْبًا. [18] . فالفتية هم وكلبهم اشتملت على كل منهم
جملة حالية؛ لبيان حقيقة الأمر بكل تجلياتها. فينظر الناظر إلى المكان فيرى كل عنصر في
حركته وموقعه يلتف حول الفتية، فيشكلون بذلك مركزية الصورة الفنية.
وتبقى قضية الإيمان والمؤمنين تحتل المركزية في الصورة، قال تعالى:.وَاصِْبرْ َنفْسَكَ مَعَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ِبالْ َ غدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وََلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ ِ زيَن َ ة الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا. [28] . فالمؤمنون وحالهم تلك (يريدون وجهه) يحتلون المكان الأبرز في الصورة؛ ولذلك
يجب أن يكونوا في اهتمام الرسول (صلى الله عليه وسلم) .
وفي صورة من التضاد بين الحقيقة والخيال في قوله تعالى:.الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسُِنونَ صُنْعًا. [104] ، فالجملة الحالية تشكل مركزا في الص ورة
وعليها بنيت، فبعض الناس يظن نفسه من أهل الخير والصلاح ولكنه فاقد لأصل الخير ألا وهو
الإيمان، ولذا فقد حبط عمله وضل سعيه.
الجملة الحالية ذات سعة ودقة في الوصف واستقلالية في التعبير، فتم ّ كن أكثر من الحال
المفردة في الدخول إلى الجزئيات وتفصيل الكليات التي بدورها قد تكشف أبعادا نفسية وجمالية،
وتصويرا حركيا مما يضفي جمالا على الصورة، كما في قوله تعالى:.وَدَ َ خلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ َ ظالِمٌ
لَِّنفْسِهِ. [35] ، فتعطي إحساسا في المعايشة مع الحدث فيظهر ذلك في قوله تعالى:.وَأُحِي َ ط
بَِثمَرِهِ َفأَصْبَحَ يُقَلِّبُ َ كفَّيْهِ عََلى مَا أَنَف َ ق فِيهَا وَهِيَ خَا ِ ويَةٌ عََلى عُرُوشِهَا. [42] . فالجملة الحالية
وهي خاوية على عروشها جعلت الصورة تتمركز حول الجنة، وتلفت الانتباه بعد أن سيطرت
صورة صاحبها، وذلك من خلال إمكانات تثمل بالجملة الحالية، فالواو عنصر هد وء لتح ول
صورة الحركة إلى ثبات في صورة الجنة بعد خرابها، يتبع ذلك دلالة الثبات في اسم الفاعل،
ليرسم كل ذلك جوا من الإحباط الدائم يعلق في النفس كلما راودت صاحبها بالتكبر وإنكار فضل
الله.
التصوير بالكناية:
الكناية شكل من أشكال التعبير بالتلميح يجوز أن يجمع بين الحقيقة والمجاز، فالكناية"كل"
لفظ دل على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز" (1) . ويك ون المقص ود المعنى"
المجازي ولا يمتنع أن يفهم المعنى الحقيقي، فالكناية إذا تتعلق بالمعاني وليست بالألفاظ،"فلا"
يكنى باللفظ عن اللفظ، وإنما يكنى بالمعنى عن المعنى" (2) . أما التعريض فقريب من الكناية إذ"
يلمح للشيء دون التصريح به وذلك لما تفرضه طبيعة الموقف.
ويأتي التعبير بالكناية لأغراض، منها التعمية والتغطية والرغبة عن اللفظ الخسيس إلى ما
يدل على معناه من غيره والتفخيم والتعظيم (3) . ومن عادة القرآن الكريم التعبير بالكناية عن
معان بألفاظ تميل إلى الإشارة والتلميح، ليس لسوء ألفاظها وإنما اختيار الأسل وب الأفضل
والتعبير الألطف. ومن هنا تنبع جماليات التعبير بالكناية؛ إذ لابد أن يكون في كل ن وع من
التعبير البياني جانبا من الجمال يكمن حينا ويتجلى أحيانا حسب السياق والن وع البياني،
والتصوير بأسلوب الكناية"يحس السامع معه جمالا ويجد للتعبير ما لا يجده للتعبير الصريح؛"
وذلك لأن الكناية تعرض المعنى مصورا بصورة محسوسة فيزداد تعريفا ووضوحا" (4) ، فالتلميح"
أشحذ للنفس من التصريح، للبحث في مستويات التعبير وتأمل معانيها وآثارها على النفس،
فمعنى يظهر وآخر مختبئ وما بينهما رحلة العقل والمتعة. والقرآن الكريم إذ يستخدم الكناية
1)ينظر ابن الأثير، ضياء الدين نصر الله بن أبي الكرم: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ج 2، ص 172)
.2) الجرجاني، عبد القاهر: دلائل الإعجاز، ص 340)
.3) المبرد: الكامل، ج 2، ص 5)
.4) لاشين، عبد الفتاح: البيان في ضوء أساليب القرآن، ط 1، مصر: دار المعارف، 1984، ص 284)
"فإنه يرسم بها موقفا، أو يجسم معنى على عادته في التصوير وهو قبل أن يصور معنى أو فكرة"
.(فإنه يصور نفسا إنسانية انكشفت حالها، وما تخبئه من أسرار"(1"
ويمكن تتبع الأثر النفسي والجمالي للصور المعتمدة على الكناية كما في ق وله تعالى:
.وَأُحِي َ ط بَِثمَرِهِ َفأَصْبَحَ يُقَلِّبُ َ كفَّيْهِ عََلى مَا أَنَف َ ق فِيهَا وَهِيَ خَا ِ ويَةٌ عََلى عُرُوشِهَا. [42] ، يصف
حال صاحب الجنتين بعد أن أحيط بجنتيه وبثمرهما،"فتقليب الكفين كناية عن التحسر والندم"
على ضياع جهده وماله" (2) ، فبلاغة الصورة تجمع بين الحركة الظاهرية من اضطراب بادٍ عليه"
من خلال حركة يديه، ونفسية قلقة يسيطر عليها الندم، فحركة اليدين عادة إنسانية، ولكنها بفعل
نفسي داخلي، تمثل كله في هذا التعبير. فكما أن الكناية ذات مستويين من التعبير، فالص ورة
أيضا ذات بعدين بين ظاهر في الحركة وآخر مختفي في النفس، فيكشف الظاهر عن حقيقة ما
يختفي، فتتجلى الصورة بأبعادها وجمالياتها من خلال عملية التأمل والكشف بين ثنائيات
متواصلة."ولا شك أن هذه الصورة في قوله: (يقلب كفيه) لها دلالات نفسية من حيث هي تعبير"
.(عن القلق والتوتر والحسرة التي تصيب الإنسان نتيجة الإحباط الذي أصابه"(3"
ومن التعبير بالكناية ما ورد في قوله تعالى:.و َ ك َ ذلِكَ أَعَْثرَْنا عََليْ ِ همْ لِيَعَْلمُوا أَنَّ وعْدَ اللَّهِ
حَقٌّ وأَنَّ السَّاعَ َ ة َلا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يََتَنازَعُونَ بَيَْنهُمْ أَمْرَهُمْ َفَقاُلوا ابُْنوا عََليْ ِ هم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ
ِب ِ همْ َقالَ الَّذِينَ َ غَلبُوا عََلى أَمْرِهِمْ َلَنتَّخِ َ ذنَّ عََليْ ِ هم مَّسْ ِ جدا. [21] ، فالمسجد وعلاقته بالمؤمنين
يعطي دلالة قوية على أن النفوذ والسلطان قد آل أمرهما إلى المؤمنين، فلم يأتِ التعبير صريحا
بالمعنى، ولكنه وصل إليه بشكل فني وحقق مبتغاه وفي النفس منه ارتياح.
والتعبير الأدبي على الأغلب أمام احتمالات لغوية وتعبيرية متنوعة، منها التعبير بالكناية
وهذا ما نجده في قوله تعالى:.أَوْ يُصِْبحَ مَاؤُهَا غَوْرًا. [41] ، العبارة تحمل معنى الجدب
1)عامر، فتحي: فكرة النظم بين وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية،)
.1395 ه، ص 258
.2) لاشين، عبد الفتاح: البيان في ضوء أساليب القرآن، ط 1، القاهرة: دار المعارف، 1984، ص 265)
، 3) أبو العدوس، يوسف: المجاز الرسل والكناية الأبعاد المعرفية والجمالية، عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 1998)
.ص 202
والمحل والقحط، وكل هذا والماء كان موجودا، ولكن فجأة تسرب الماء فلم يعد له أثر يرى،
فغار الماء في الأرض، ليعطي بهذا التعبير ما يترتب عليه من القحط والجدب، فلم يباشر التعبير
المعنى بل وصل إليه بالتلميح، فصورة الماء إذا نزل إلى الأرض وتسرب فيها، فإما أن يسقي
النبات منه ويروى، وإما أن لا يعود له أي أثر، فيسبب المحل ويموت النبات، ورجحت الآية
المعنى الثاني لقوله تعالى:.َفَلن َتسَْتطِيعَ لَهُ طَلَبًا. [41] ، ويزيد من جمال التعبير عنصر
المفاجأة في لفظ ارتبط مع أغلب المفاجآت في الصورة (يصبح) وما له من خصوصية في بعث
الأمل، فينكسر الأمل بفعل المفاجأة، ليحل الموقف بخيبة أمل وانقطاع سبله.
أما الذي يحمله يوم القيامة من صور وتصورات لحالة البشر فيظهر منه في قوله تعالى:
.وعُرِضُوا عََلى رَبِّكَ صَّفًا. [48] ، فالمشهد يوم القيامة، فيه الخلائق على صعيد واحد مصطفين
صفوفا هذا المعنى الذي ظهر من السياق، ولكن يلمح منه معنى آخر وهو الخضوع والامتثال
والتسليم، فيشكل من ذلك الكناية، بين معنى ظاهر وآخر خفي، يكشف بعدا نفسيا، يعمق النظر
في الصورة، ليس الوقوف صفوفا باختيارهم بل على ذلك هم مرغمون ولا يعلم ون سر ما
يفعلون.
والتعبير بالكناية يعطي مجالا أرحب في التعبير، والتخلص مما لا يراد التصريح به لأمر
يقتضيه السياق، فذكر نوع من الكفار أو طائفة منهم قد يحدد مستوى دلالات العبارة فيحصرها،
والنص في القرآن يشمل ما كان وما سيكون، ولذا كان الإنذار في قوله تعالى:.وَيُنذِرَ الَّذِينَ
َقاُلوا اتَّ َ خ َ ذ اللَّهُ وَلَدًا. [4] ، فهذا ادعاء المشركين بالله فكان الإنذار لهم وشمل كل من يدعي مثل
ادعائهم إلى يوم القيامة. وفي تتابع لقصة الفتية أهل الكهف نجد التعبير القرآني يميل إلى التلميح
بالعبارة، ومنه قوله تعالى:.إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عََليْ ُ كمْ يَرْجُمُو ُ كمْ أَو يُعِيدُو ُ كمْ فِي مِلَّتِ ِ همْ وَلن تُفْلِحُوا
إِذًا أَبَدًا. [20] ، الفتية في حالة ضعف أمام أعدائهم، فإذا ما تمكنوا منهم و يتغلبوا عليهم أوقع وا
عليهم التعذيب بالرجم، وهذا أبلغ من يعذبوكم، فيمكن أن يكون التعذيب بالرجم فعلا أ و لبيان
شدة ما سيلاقونه من أعدائهم. وفي قولهم (يعيدوكم في ملتهم) ، أي إلى الكفر الذي عليه ق ومهم،
فعدل عن ذكر الكفر، والتلميح إلى الكفر في السورة ورد كثيرا منه قوله تعالى:.وَلا ُتطِعْ مَنْ
أَغَْفلَْنا قَلْبَهُ عَن ذِكْ ِ رَنا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَ َ كانَ أَمْرُهُ ُفرُطًا. [28] ، والمقصود بالغافل قلبه (الك افر) ،
فكان التعبير عنه بالتلميح والتعريض، لا بالتصريح، وفي ذلك جمال في التعبير نابع من عدم
المباشرة والإيحاء ومن عمل الكفار وقولهم ما يدل عليهم وما في نفوسهم في قوله تعالى:.وَمَا
أَ ُ ظنُّ السَّاعَ َ ة قَائِمَ ً ة وََلئِن رُّدِدتُّ إَِلى رَبِّي َلأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا. [36] ، فمن كفر في الساعة
والبعث فهو كافر في المطلق، فأخذت الآية أمارة من أمارات الكفر فهمها المؤمن؛ ولذا كان رده
عليه في قوله تعالى:.أَ َ كَفرْ َ ت ِبالَّذِي َ خَلَقكَ مِن ُترَا ٍ ب ُثمَّ مِن نُّطَْفةٍ ُثمَّ سَوَّاكَ رَجُ ً لا. [37] ، فمن
صفات الكفار العناد التي تظهر في قوله تعالى:.وَمَا مََنعَ النَّاسَ أَن يُؤْمُِنوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى
وَيَسَْتغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَن َتأْتِيَهُمْ سُنَّ ُ ة الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ ُقبُ ً لا. [55] ، فسنة الأولين كناية عن
العذاب الذي حاق بالأمم السابقة، وهو عذاب متنوع ولكن السنة واحدة فكان التعبير أدق وأشمل
وأكثر إثارة في النفس للبحث عن تلك السنة وما يمكن أن تشمل.
ومن الكناية ما يدل على صفة تفهم من السياق في قوله تعالى:.وَوُضِعَ الْكِتَابُ َفَترَى
الْمُجْ ِ رمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَُقوُلونَ يَا وَيَْلَتَنا مَا ِ ل هَ َ ذا الْكَِتا ِ ب لا يُ َ غادِرُ صَغِيرَ ً ة وَلا َ كبِيرَةً إِلا
أَحْصَاهَا. [49] . فالعبارة لا يغادر صغيرة ولا كبيرة تدل على مدى الدقة التي يتصف بها
الكتاب.
المجاز المرسل:
المجاز اللغوي يُخ ِ رجُ اللغ َ ة من دلالتها الإشارية الوظيفية إلى التعبيرية الفنية فالمجاز"كل"
كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول" (1) ، ولكن هذ ا"
التجاوز لا يكون اعتباطيا غير مبرر أو مبهما"فالكلمة المستعملة فيما وضعت له حقيقة، فإذا"
انتقلت عن هذا المعنى إلى معنى آخر له صلة بالأول كانت مجازا (2) ؛ ولذا فإن بين المرحلتين
اللتين ينتقل بينهما اللفظ المجازي علاقة قائمة، من خلال إدراكها تتكشف أسرار التجاوز وجمال
التعبير، سواء أكان لعلاقة تشابه أم لغيرها من العلاقات الممكنة. والمجاز المرسل لتعدد علاقاته
يشكل مجالا رحبا للتفكر والتأمل والغور في باطن التعبير.
.1) الجرجاني، عبد القاهر: أسرار البلاغة، ص 281)
2)هلال، أحمد هنداوي: المجاز المرسل في لسان العرب، دراسة بلاغية تحليلية، ط 2، القاهرة: مكتبة وهبه، - 1998)
.1419، ص 135