فهرس الكتاب
وتتنوع العلاقات المجاز المرسل، وقد ذكر منها السببية، والمسببية، والآلية، والمجا ورة،
واعتبار ما كان، واعتبار ما يكون، والكلية، والجزئية، والمحلية، والحالية.
،[ومن المجاز المرسل (عضد) في قوله تعالى:.وَمَا كُن ُ ت مُتَّخِ َ ذ الْمُضِلِّينَ عَضُدً ا. [51
للكشف عن أسرار التركيب في المجاز فلا بد أن نعيد التركيب إلى أصله في اللغة، ومن ثم
ننتقل معه إلى ما صار إليه من معنى جديد. فالعضد في يد الإنسان ما بين المرفق والكتف، فهو
جزء أساس في اليد بل عليه اعتماد الإنسان و به يتقوى، فذكر من الإنسان عضده وأراد كامل
الإنسان. فالله جل شأنه لم يتخذ أحدا من الخلائق لا ملك ولا نبي مرسل مساعدا له، فكيف يتخذ
من الضالين المضلين ذلك؟ فالعضد الجزء القوي من اليد، وعلاقة العضد والتعاضد والمساعدة
بين اليد والإنسان، علاقة الجزء القوي المؤثر، (العضد) مع الكل (الإنسان) .
صورة الحواس وما يترتب عليها من العناصر التي برزت في السورة، وذلك لأنها من
وسائل الوصول إلى التعلم و المعرفة التي تشكل محورا أساسيا في السورة، فكان التركيز عليها
والتنبيه لشأنها أمرا يقتضيه الغرض والمضمون. فمن صور الحواس في قوله تعالى:.ومَنْ
أَظَْلمُ مِمَّن ُذكِّرَ ِبآيَاتِ رَبِّهِ َفأَعْرَضَ عَنْهَا وَنسِيَ مَا َقدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلَْنا عََلى ُقُل وِب ِ همْ أَكِنَّ ً ة أَن
يَفْقَهُوهُ وفِي آذَانِ ِ همْ وقْرًا وإِن تَدْعُهُمْ إَِلى الْهُدَى َفَلن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا. [57] . اعتمد التصوير في
الكثير منه على الحواس؛ وذلك لمباشرة الحدث والفكرة المنبعثة من الص ورة، ولإدراك
مضمونها الفكري، اعتمادا على تلك الحواس التي افتقدها الكفار المعرض ون عن ذكر الله.
وكثيرا ما نلمح التصوير الذي يتداخل مع جوارح الإنسان يميل إلى المجاز بعلاقاته المتعددة،
فمن المجاز اليد والمقصود كامل الإنسان، لعلاقة اليد الفاعلة في الحياة البشرية، فقد يكون ما قدم
الإنسان من عمل يتعلق باللسان أو بالنظر وغير ذلك من الجوارح، إلا أن تغليب اليد لما عرفت
به واشتهرت من أنها أساس الفعل.
ومن لطيف التعبير المجازي ما نجده من علاقة في قوله تعالى:.َفان َ طَلَقا حَتَّى إِ َ ذا رَكِبَا
فِي السَّفِيَنةِ َ خرََقهَا َقالَ أَ َ خرَقَْتهَا لُِتغْرِ َ ق أَهَْلهَا َلَقدْ جِئْ َ ت َ شيْئًا إِمْرً ا. [71] ، فالخرق كان للسفينة
وهي محل لراكبيها، والتعبير هنا أمام بدائل ممكنة، لتغرقها، أو لتغرقها وأهلها أو لتغرق أهلها،
فمع التعبيرين الأول والثاني يكون التعبير مباشرا لا مجاز فيه، ويكون حسب المتوقع من الحدث
الذي تم من العبد الصالح، أما مع التعبير الثالث فيكون على المجاز، إذ إن الغرق يكون للسفينة
أولا فيغرق من فيها، والخروج إلى المجاز من باب فنية اللغة الأدبية، ويحقق العدول في التعبير
ما يماثل المفاجأة التي حصلت لموسى (عليه السلام) عندما رأى عمل العبد الصالح، فتر ك
التعبير بالمحل إلى الحالين به؛ إذ هم أهم بالنسبة لموسى (عليه السلام) ، ولكن المفاجأة
والاستغراب لم يغيرا الموازين لدى النبي موسى (عليه السلام) ، فالخرق الذي أحدثه العبد
الصالح في السفينة من المؤكد أنه يغرقها فيغرق من فيها، ولكن النبي كان ينظر إلى الإنسان
بعين الاهتمام أكثر مما كان ينظر إلى السفينة، فاتفق اللفظ مع ما في النفس.
وصورة الطفل الذي قتله العبد الصالح من الصور المجازية، نجد ذلك في قوله تعالى:
.وَأَمَّا الْ ُ غلامُ َف َ كانَ أَبَوَاهُ مُؤْمَِنيْنِ َف َ خشِينَا أَن يُرْهَِقهُمَا ُ طغْيَانًا وَ ُ كفْرًا. [80] ، فالحديث عن طفل لم
يبلغ سن الرشد؛ ولذا استغرب موسى (عليه السلام) من إقدام العبد الصالح على قتله، وليس
بقدرته وهو على حاله تلك أن يرهق والديه، فهو على اعتبار ما سيكون عليه الغلام من ض لال
وإضلال، وما يمكن أن يؤثر ذلك على والديه المؤمنين اللذين أحباه حبا شديدا، أما من حيث
علاقة مثل الطفل مع الفكرة العامة للسورة، فإن الأبناء من زينة الحياة الدنيا والتعلق بهم يمكن
أن يهلك الإنسان، فإذا ما بلغ الطفل سن الشباب فرح به أهله، وهذا يماثل فرح أهل الدنيا
بدنياهم، فإن كانت سبب هلاكهم يجب أن يتخلصوا منها كما خّلص العبد الصالح الأبوين من شر
ابنهما المعلوم بالنسبة للعبد الصالح.
أكثرت الآيات القرآنية من الدعوة إلى استعمال الحواس عامة للتفكر والتبصر في آيات
الله في الكون، ومع وجود هذه النعم إلا أن الكفار لا يريدون التبصر ولا مجرد التفكير، فيظهر
ذلك في قوله تعالى:.الَّذِينَ َ كاَنتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِ َ طاء عَن ذِكْ ِ ري وكَاُ نوا لا يَسَْتطِي عونَ
سَمْعًا. [101] ، فإذا كانت العين آلة النظر فإنها مرتبطة بالفكر والإنسان عموما، فذكرت الآية
الجزء (العين) ، وأراد الإنسان كله، فالعين الجزء الأكثر استخداما و إحساسا في نقل الحقيقة
والوصول إلى اليقين.
التصوير بالحقيقة (الصورة النقلية) :
من المعتاد عليه في الفكر البلاغي القديم ربط التصوير الفني بالمجاز والفن ون البيانية
الأخرى، أما استعمال اللغة على حقيقتها- التصوير بالحقيقية- فإنه قد يشكل عنصرا أساسيا
ومرتكزا من مرتكزات الصورة الفنية، إذ"ليس المهم في ذلك السبيل الذي تسلكه الصورة، ولكن"
.(المهم هو قدرتها على التعبير الموحي ونجاحها في ترك الأثر والانطباع من غير مباشرة"(1"
فالحقيقة والمجاز وسيلتان من وسائل التعبير لا تغني إحداهما عن الأخرى في نقل المعنى أ و
رسم معنى،"فها هو القرآن الكريم حافل بأساليب الحقيقة وفنون المجاز جنبا إلى جنب فلو كان"
يكفي عن الآخر لسار على نمط واحد منهما" (2) . فالواقعية في التعبير وتركيب الكلام يتح ول"
مجازيا من معنى مألوف إلى معنى غريب مفاجئ يحقق الدهشة التي ترتكز عليها الصورة الفنية
من ضمن مرتكزاتها الأساسية.
فالطبيعة بما حباها الله من عناصر جمال، تعد من أول مصادر الفن والجمال، ذلك بما يكون
من عملية رصد لتلك الظواهر الجميلة والموزعة في الكون، فالمبدع يختار من تلك العناصر
المبثوثة في الطبيعة الخرساء ويضفي عليها جماليات جديدة من حسن اختيار وإعادة تنظيم
وإشاعة روح جديدة لتلك الجمادات، تنبع من واقع التجربة التي يمر بها الفنان."إن الطبيعة بكل"
ما تنطوي عليه من أشياء وجزئيات هي المصدر الأساس لإمداد الشاعر بمكونات الصورة ولكنه
لا ينقلها في تكوينها وعلاقاتها الموضوعية، بل يتوحد معها في التجربة الشعرية" (3) . فالفنان"
يتقبل كل حقيقة أو مشهد خارجي"فلا يجد أدنى صعوبة في أن يستشف من خلالهما ما يكمن"
وراءهما من حقيقة باطنة" (4) . ومع الصورة النقلية"يتحول الوجود من صورة واقعية جامدة إلى
قطعة من الحياة واضحة التعبير تتمثل فيها الحركة والحياة فيها عمق إحساس وخصب خيال
وإبداع تصوير وتحليل" (1) .إذًا عملية التصوير (التشكيل الفني) المعتمد على الحقيقة والواقع ليست"
.1) أبو علي، محمد بركات: فصول في البلاغة، ط 1، عمان: دار الفكر، 1403. ص 55)
.2) لاشين، عبد الفتاح: البيان في ضوء أساليب القرآن، ط 1، القاهرة: دار المعارف، 1984، ص 287)
.3) عبد الله، محمد حسن: الصورة والبناء الشعري، ص 33)
.4) حجازي، محمد عبد الواحد: الإحساس بالجمال في ضوء القرآن الكريم، ط 1، الإسكندرية: دار الوفاء،، 1998، ص 24)
.1) عساف، ساسين: الصورة الشعرية ونماذجها في إبداع أبي نواس، ص 26)
رصدا شكليًا للمنظور منه، بل إنه مع النشاط الخيالي الخلاق تتعدى ذلك إلى إحداث التفاعل بين
الإنسان و عناصر الطبيعة وفيما بينها، فتشارك في إبراز جوانب خفية وقد تك ون فاعلة في
تكوين الحدث على الرغم من أن التشكيل الفني التصوير"قد يخلو بالمعنى الحديث من المجا ز"
أص ً لا فتكون عباراته حقيقية الاستعمال ومع ذلك فهي (العبارات) تشكل صورة دالة على خيال
خصب" (1) ، ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (المعجزة الكبرى القرآن) ،"التشبيه في القرآن
ليس هو مقياس البلاغة، لأن البلاغة القرآنية العالية كما تكون في حال التشبيه والاستع ارة
والمجاز تكون أيضا في الكلام الخالي من كل هذا (2) . فالخيال الفني يسبل على الكائنات جماليات
وأسرارا ومعاني"فعن طريق الخيال يتم إدراك ما في المعاني من عمق وما يتصل بها من"
.(أسرار جميلة تنعكس أضواؤها في نفس المتلقي"(3"
لقد دخلت عناصر الطبيعة في حركتها وأشكالها المختلفة في رسم صورة حية في التصوير
القرآني، على أن هذا الدخول لم يكن مجردا من تلك المسحات الفنية الجميلة والعميقة التي تزيد
الوصف رغبة ورهبة حينا واطمئنانا في أخرى.
ويلاحظ أن لغة التصوير المعتمد على الحقيقة والواقع هي لغة حسية، ولها قدرة خاصة
على التصوير"وذلك لأن هذه اللغة هي اللغة الأولى والتي كانت سبيل الإنسان إلى العلم الأ ول"
الذي أتى النفس من طريق الحواس، وكأننا حين نخاطب النفس بهذه اللغة إنما نرجعها إلى
طفولتها الأولى، وهذا بلا ريب أفعل وأكثر إثارة وتهيجًا" (4) . فالأديب يمتلك الكثير من وسائل"
التصوير"لأنه دائما يحاول أن يقترب باللغة من روحها البدائية الأولى وكلما اقتربت اللغة من"
وضعها البدائي، كلما كانت تصويرية، وكلما اقتربنا من النصوص الفنية حديثة العهد ببكارة
.(اللغة الأولى وجدنا التصوير فيها أغلب من التجريد العقلي"(1"
.1) البطل، علي: الصورة في الشعر العربي، ص 25)
.2) الشيخ أبو زهرة، محمد: المعجزة الكبرى القرآن، ص 260)
.3) عودة، خليل: الصورة في شعر ذي الرمة، ص 11)
.4) أبو موسى، محمد: دراسة في البلاغة والشعر. القاهرة: مكتبة وهبة، 1411 ه - 1991 م، ص 97)
.1) البطل، علي: الصورة الفنية في الشعر العربي، ص 26)
فمن التصوير المعتمد على تصوير الواقع (التعبير بالحقيقة) ما جاء في قوله تعالى:.إِنَّا
جَعَلَْنا مَا عََلى الأَرْ ِ ض ِ زيَنةً لَّهَا لِنَبُْلوهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَ ً لا. [7] . إن أغلب ما في الكون، إن لم
يكن كله، على فطرته التي فطره الله عليها يتسم بالجمال والزينة، ما لم يأت بعض البشر
فيعبثون بها، فالصورة هنا تقيم علاقات في تناسق وتناسب أساسها الإحساس بالجمال بين
الإنسان وما يحط به من مظاهر الكون، ولا بد من تصحيح تلك العلاقة إن شابها ما ينقض
عراها، ولذا"فالقرآن الكريم إذ يقيم هذه العلاقة الجمالية، فإنه استكمالا للبناء النفسي والربط"
الوجودي للإنسان يصحح علاقة الإنسان بذاته جسما وروحا، ويصحح علاقته بالظ واهر
الإنسانية والحضارية والكونية" (1) .ومن باب التأكيد على ضرورة النظر إلى الكون نظرة واقعية"
ملتزمة ختمت الآيات بالتذكير والتأثير؛ قال تعالى:.إِنَّا جَعَلَْنا مَا عََلى الْأَرْ ِ ض ِ زيَن ً ة لَّهَا لَِنبُْلوَهُمْ
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَ ً لا. [7] ، فلم ُتُترَك الأمور فوضى دون معايير تضبطها.
أما الوصول إلى الواقع والتواصل فإنه يمر عبر أحاسيس معينة تسيطر على الخيال فيتحول
إلى تصور، فيرى الإنسان أو يسمع أو بغير ذلك من الحواس، فيرتسم في النفس ص ورة ما،
يؤثر فيها عوامل في الواقع نفسه أو في النفس المتلقية لما يحيط بها من ظروف وملابسات؛ ولذا
فإن صورة الواقع في العمل الأدبي لا تنقل واقعا مجردا، بل تراه يحس ويشعر ويتعاطف في
أحيان وينفر في أحيان أخرى، و نلاحظ مثل هذا التصوير في قوله تعالى:.وَترَى الشَّمْسَ إِ َ ذا
.[َ طَلعَت تَّزَاورُ عَن َ كهْفِهِمْ َ ذا َ ت الْيَمِي ِ ن وإِ َ ذا َ غرَبَت تَّقْرِضُهُمْ َ ذا َ ت الشِّمَا ِ ل وهُمْ فِي َفجْ وةٍ. [17
الصورة تبدأ مع الفعل (ترى) ، والرؤية أنواع البصرية أو الرؤيا الذهنية فكلاهما تعطي ظلا ً لا
من السرد الواقعي على الحدث؛ إذ إنّ هذا ما حصل فع ً لا، وكأن الناظر في تلك اللحظة
_والخطاب هنا للرسول (صلى الله عليه وسلم) ، فينظر إلى واقع في حيز المنظ ور ليتأمل
الصورة، فلم تعد الصورة ماضيًا وانتهى، بل تعود إليها الحياة شيئًا فشيئا (إذا طلعت تزا ور) ،
وإذا غربت تقرضهم)، كلما استمر السرد ليتكامل في تعاضد ما بين الحدث والعناصر الطبيعية
المكونة للصورة، والأصوات التي تداخلت مع بعضها في عملية إدغام (طلعت تزا ور) و(إذا
غربت تقرضهم)، تظهر من ذلك التعاضد والتماسك في الصورة، فالشمس عنصر كوني يق وم
.1998، ص 61، 1) حجازي، محمد عبد الواحد: الإحساس بالجمال في ضوء القرآن الكريم، الإسكندرية: دار الوفاء، ط 1)