فهرس الكتاب
بحركة معلومة مستمرة، وظهر فيها تعاطف ما بينها والكهف ومن بداخله، إذ إن الفعل قد عُزي
للشمس"والشمس تطلع على الكهف فتميل عنه كأنها متعمدة. ولفظ تزاور تصور مدلولها وتلقي"
ظل الإرادة في عملها" (1) . وفي دقة وحذر تتعامل الشمس معهم، فهي مصدر فائدة ولكن قد"
تسبب في بعض أحوالها الضرر، ولذا كانت تختار الأوقات الملائمة لتكون الفائدة المناسبة وفي
الكيفية التي تتيح للفتية النائمين الاستفادة منها وحجب الضرر المحتمل، وفي شم ولية الفائدة
وتعاطف مكاني وزمانيّ فالشمال واليمين والصباح والمساء والكهف ليشمل كل الفضاءات
الكونية العامة والخاصة قد سُخرت كلها للفتية المؤمنين، وهم في داخل الحال(وهم في فج وة
منه)، فكل ما حولهم قام بالعمل الموكل له دون تفريط أو تقصير، وهم في الحماية الربانية ليس
عليهم من الأمر شيء. ومن جماليات التصوير اعتماده على الحركة بأنواعها المختلفة والمتفاوتة
"فإدراك الحركة ومعايشتها في درجاتها الضوئية، والشمس بحركتها إنما تصور الوج ود وه و"
واقع تحت الأضواء والظلال، وبين هذا وذاك تتخلق مشاهد جمالية تبعث أصداء نفسية تحرك
الفكر بالتأمل الذي ينتهي إلى الإيمان" (2) . ولا يقل عن ذلك ما في الصورة من جمال يشارك فيه"
بالإضافة إلى ما سبق من إيقاع متناغم في الداخل والخارج والدمج بين جميع عناصر التص وير
الفني لخلق محيط مكاني وزماني واسع يتعايش الخيال معه فتكون الرؤية في البصيرة وكأنها
تشاهد في البصر.
ويشكل رصد الواقع أساس الصور الفنية المعتمدة على سرد الواقع كما يبدو للوهلة الأولى،
ولكن اللغة الفنية وما ينبعث منها لا تبقي الواقع مجردا من التأثير، أو انعكاس النفس البشرية
فيه، فلا يعود الواقع مجردا بل يصبح فاعلا ويفاجئ، فيوقع في النفس الرهبة، ويحس بذلك
المتأمل في قوله سبحانه وتعالى:.وتَحْسَبُهُمْ أَيَْقاظًا وهُمْ رُُق ودٌ وُنقَلِّبُهُمْ َ ذا َ ت الْيَمِي ِ ن و َ ذا َ ت
الشِّمَا ِ ل و َ كلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ ِبالْوصِيدِ َلو اطََّلعْ َ ت عََليْ ِ همْ َلولَّيْ َ ت مِنْهُمْ فِرَارًا وَلمُلِئْ َ ت مِنْهُمْ
رُعْبًا. [18] . فلولا الفاصل الذي جاء بين الحالتين أو الصورتين (ذلك من آيات الله) لكان
اعتبار هذه الآية استمرارًا للصورة السابقة؛ فهي في ذات المكان وعن نفس الشخصيات، إلا أن
.1415، ص 2263 - 1) قطب، سيد: في ظلال القرآن، 4 مج، ط 23، بيروت: دار الشروق، 1995)
.2) حجازي، محمد عبد الواحد: الإحساس بالجمال في ضوء القرآن الكريم، ص 47)
التنامي في القصة والتصوير على أكثر من صعيد، يبدأ من مفتاحية الصورة الفنية (وتحسبهم)
ومفتاحية الصورة السابقة (وترى) ، المخاطب في الص ورتين واحد، وكذلك العلاقة بين
المفتاحيتين فقد حصلت الرؤية بداية، وهي من الحواس التي تؤدي إلى العقل وهناك تتم العملية
العقلية (وتحسبهم) ، وهذا عنصر من عناصر الربط والتكامل بين الص ورتين، وفي تجليات
الصورة في الربط بين أيقاظ ورقود، وعملية الطباق بين الظاهر والحقيقة، والصيغة التي جاءت
عليها الحالتان توحي بذلك، ف (أيقاظًا) جمع قلة ورقود تدل على الكثرة؛ فيتبين من ذلك
الصورة في أدق حالاتها فهم يتحركون ولكن حركتهم قليلة، ولكن وضع الرقود يكون هو الأكثر
دقة في وصف حالتهم، ومثل هذه الفكرة ستكون محور قصة موسى مع العبد الصالح نأتيها في
حينها بإذن الله، وتستمر ظاهرة الطباق ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، وتعود العبارة لتشكل
ظاهرة متكررة (ذات اليمين وذات الشمال) في تماثل في الموقف، موقف الرحمة والعناية من
الله، وشمولية الرحمة لتشمل كل الفضاء المكاني بعد أن شمل الفضاء الزمان ي في الص ورة
السابقة، ومن ظواهر النمو في الصورة ظهور شخصية جديدة تدخل إلى المنظ ور المكاني،
(وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) الكلب في الحدث كان له غاية، وظهور صورة الكلب هنا مهيئة
لما سيأتي، فهو في العادة يحرس صاحبه وذلك بإخافة الآخرين من الأعداء من تأكيد تحقق
الخوف والفرار (لوليت منهم فرارًا ولملئت منهم رعبا) ، من كل ما يمكن أن يراه، فالأحداث
تتوالى والعناصر البنائية للصورة في ترابط، لتشكل الصورة الأدبية المتنامية في كل أبعادها.
والتركيب اللغوي المتشكل من الصوت والصرف والنح و يتفاعلان جميعا في التشكيل
التصويري؛ فالحروف المفخمة التي دخلت في العبارة توحي بعظم في المشهد فتملأ السمع
والمكان (باسط، الوصيد، لو اطلعت) ، واسم الفاعل الذي له دلالة تختلف عن الفعل من حيث
الثبات واللزوم، فاسم الفاعل أضفى حالة من اللزوم والثبات النسبي يشع من خلالها عنصر
حركة؛ لأن اسم الفاعل جاء عام ً لا، ففيه ظلال من الفاعلية التي تثير مع فاعلية ظاهرية للفتية
الخوف والهلع في نفس من ينظر إليهم، فلو تمت عملية استبدال بين صيغة اسم الفاعل (باسط)
والفعل (يبسط) لما أعطت نفس الدلالة"وكلبهم باسط ذراعيه فيه ما ليس في قولنا وكلبهم يبسط"
ذراعيه" (1) ، وهذا عنصر مهم في الصورة الفنية وذلك بما يتحقق من مفاجأة تثير الناظر"
والسامع، في تصور نهائي في منتهى الدهشة (لوليت منهم) ، و (لملئت منهم رعب ا) ، من شدة
غرابة ما يرى فإنه يفر من قبل أن يفكر، فلو فكر لربما تبين الحقيقة ولكن المنظر لا يمهله،
وتلك حكمة الله، فيتبع الفرار الذي لا يدرك سره حالة من الرعب التي لا تجعله يفكر بالع ودة
مرة أخرى، فيبقى الفتية في أمان من الله.
ومن الصور الممتدة عبر مساحة واسعة في النص، فيعطيها هذا الامتداد قدرة على البناء
والتعمق فيؤدي إلى ثبات الصورة في الذهن وتحقيق أعلى درجة من درجات التأثير، وهذا ما
نجده في قوله تعالى:.واضْ ِ ربْ َلهُم مََّثلًا رَّجَُليْنِ جَعَلَْنا لأحدها جَنََّتيْنِ مِنْ أَعَْنابٍ وحََففَْناهُمَا
بَِنخْلٍ وجَعَلَْنا بَيَْنهُمَا زَرْعًا {32} كِلَْتا الْجَنََّتيْنِ آَتتْ أُ ُ كَلهَا وَلمْ َتظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفجَّرَْنا خِلاَلهُمَا
نَهَرًا {33} وكَانَ لَهُ ثَمَرٌ َفَقالَ لِصَاحِِبهِ وهُو يُحَاورُهُ أََنا أَكَْثرُ مِنكَ مَا ً لا وأَعَزُّ َنَفرًا {34} ودَ َ خلَ
جَنَّتَهُ وهُو َ ظالِمٌ لَِّنفْسِهِ َقالَ مَا أَ ُ ظنُّ أَن َتِبيدَ هَذِهِ أَبَدًا {35} ومَا أَ ُ ظنُّ السَّاعَ َ ة قَائِمَ ً ة وَلئِن رُّدِدتُّ
إَِلى رَبِّي لأ ِ جدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا {36} َقالَ لَهُ صَاحِبُهُ وهُو يُحَاورُهُ أَ َ كَفرْ َ ت ِبالَّذِي خَلَقَكَ مِ ن
ُترَا ٍ ب ُثمَّ مِن نُّطَْفةٍ ُثمَّ سَواكَ رَجُ ً لا {37} لَّكِنَّا هُو اللَّهُ رَبِّي ولاأُشْرِكُ ِبرَبِّي أَحَدًا {38} وَل ولا إِذْ
دَ َ خلْ َ ت جَنََّتكَ ُقلْ َ ت مَا َ شاء اللَّهُ لا ُقو َ ة إلا ِباللَّهِ إِن ُترَ ِ ن أََنا أََقلَّ مِنكَ مَا ً لا وولَدًا {39} َفعَسَى رَبِّي
أَن يُؤْتِيَ ِ ن خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عََليْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ َفُتصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا {40} أَو يُصِْبحَ
مَاؤُهَا َ غورًا َفَلن َتسَْتطِيعَ لَهُ طَلَبًا {41} وأُحِي َ ط بَِثمَرِهِ َفأَصْبَحَ يُقَلِّبُ َ كفَّيْهِ عََلى مَا أَنَف َ ق فِيهَا وهِيَ
أما التمثيل في القرآن الكريم فهو متنوع، وورد بكثرة، وفي مواقع مختلفة، إلا أنه أسلوب له
ما يميزه"وهذا يدل على سمو القرآن في أساليبه وأهدافه ومقاصده وأنه كتاب المتحدى به"
والمعجزة العقلية الكبرى" (2) . المثل في الآيات السابقة يشمل نمطين متقابلين من البشر الكافر"
المتكبر أعطاه الله من زينة الحياة الدنيا فاغتر بها. والمؤمن الذي ازداد الأيمان في قلبه،
وعرض القرآن الكريم القصة في أسلوب الحوار مما يضفي ظلال الواقع على المثل بالإضافة
.1411، ص 8 - 1) أبو موسى، محمد: دراسة في البلاغة والشعر، القاهرة: مكتبة وهبة، 1991)
.1994، ج 2، ص 3 - 2) عبد اللطيف، محمد عبد الوهاب: موسوعة الأمثال القرآنية، القاهرة: مكتبة الآداب 1414)
إلى واقعية وإمكانية الحدث. وهذا المثل الواقعي التصويري (1) . فيه دليل من العبر والأدلة على
طبائع في البشر وتحليل لنفسية كل من المغتر بالنعم الدنيوية، فقد تؤدي به إلى كفران النعمة،
وعلى الجانب الآخر المؤمن المتوكل على الله. فكما يلاحظ على المثل امتلاكه جميع إمكانيات
التصوير والتأثير. وذلك من خلال واقعية الأشخاص والحوار وعناصر الطبيعة -الجنتين النهر
الزرع- التي دخلت في الصورة التي كانت في أوج ظهورها وفي لحظة الدهشة والمفاجأة تغيب
عن الأنظار"وليس من شك في أن هذا الحدث المفاجئ لم يكن متوقعا أن يجيء ع لى تلك"
الصورة التي تذهب بالجنتين جملة وفي لحظة خاطفة" (2) . ليسدل الستار على مشهد لا تكون فيه"
إلا قدرة الله هي المهيمنة على النفس والمكان. إن في الأمثال القرآنية عبر لابد من التنبه لها
وخاصة فيما يتعلق بالنفس البشرية. فالمؤمن عندما تعاظم علية الغني بالمال وعيره بفقره، أوقع
ذلك شيئا في نفسه فدعا عليه جزاء على سخريته به، ومن هنا عالجت الشريعة مثل هذا الأمر
قبل حدوثه، وذلك بالزكاة المطهرة للنفوس على السواء للغني أم للفقير.
وحتى يستقر المعنى والغاية من قصة أهل الكهف، وضرورة أن ينتبه الإنسان إلى حقيقة
الحياة الدنيا وأن البعث والقيامة والحساب نهايتها، فيضرب الله تعالى للناس مثل الحياة الدنيا
والتي هي واقع محسوس فيقرب الصورة إلى نفوس الناس بشيء حسي يرونه (3) . ومن الأمثال
التي توضح حقيقة الحياة في قوله تعالى:.وَاضْ ِ ربْ َلهُم مََّثلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا َ كمَاء أَنزَلْ نَاهُ مِنَ
السَّمَاءِ َفاخَْتَل َ ط ِبهِ نَبَا ُ ت الْأَرْ ِ ض َفأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَ َ كانَ اللَّهُ عََلى كُلِّ شَيْءٍ
مُّقْتَدِرًا. [45] .ولذا كانت الصورة الحركية الدائبة المستمرة تتوشح بها الحياة بداية مع نعمة
الماء، وما أن حان قدر الله عليها إلا وإذ بها هشيما تذروه الرياح، فلم يعد أمل بعد هذا ينعقد
على الدنيا وملذاتها، بل حل مكانه اليقين بالعودة إلى الله والتسليم لجلاله وسلطانه. والمتتبع
للصورتين المتعاقبتين يرى أنهما ينتهيان إلى نفس الحقيقة ألا وهي التسليم لقضاء الله، مما يكل
وحدة فنية متناسقة بين الصور الفنية، فتشكل الصور الجزئية فيما بينها الصورة الكبرى وهي
علامة من علامات الوحدة الفنية. طبيعة التركيب اللغوي من أهم ما يلفت انتباه الدارس
.1) أبو زهرة، محمد: المعجزة الكبرى القرآن، ص 38)
.2) عبد اللطيف، محمد عبد الوهاب: موسوعة الأمثال القرآنية، ص 59)
.3) الشعراوي، محمد متولي: معجزة القرآن، القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، ج 6، ص 164)
الأسلوبي، فالصورة التي ارتسمت في هذا المثل والذي يعبر عن حقيقة الحياة الدنيا تتك ون
من: ماء أنزلناه من السماء، اختلط به نبات الأرض، أصبح هشيما. قصر العبارات واضح في
التراكيب السابقة المكونة للصورة، يدل ذلك على قصر الحياة يقول سيد قطب"هذا المشهد"
يعرض قصيرا خاطفا ليبقى في النفس ظل الفناء والزوال فما بين ثلاث جمل قصار ينتهي معها
شريط الحياة" (1) . ويبدو الترابط بين الصور المتعلقة بالحياة"وكأن الآيات في عقدها المنظ وم
(وتناسقها المحكم تبين لنا حقيقة الحياة الدنيا التي افتتن بها كثيرون"(2"
وتتجلى قدرة التصوير بالحقيقة في نقل السامع إلى عالم الصورة والتعايش معها، ومن ذلك
ما يشعر به السامع لقوله تعالى:.إِنَّ الَّذِينَ آمَُنوا وَعَمُِلوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا ُنضِي عُ أَجْرَ مَنْ
أَحْسَنَ عَمَ ً لا {30} أُوَْلئِكَ َلهُمْ جَنَّا ُ ت عَدْ ٍ ن َتجْ ِ ري مِن َتحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَا ِ ورَ مِن
َ ذهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا ُ خضْرًا مِّن سُندُ ٍ س وَإِسَْتبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عََلى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسَُنتْ
مُرْتَفَقًا. [31] ،هنالك أمران يتعاوران التأثير على السامع حينًا ويتحدان حينًا آخر، الدقة في
التصوير وجمالية الأسلوب المعتمد على الأصوات الصفيرية المعبرة والأفعال المضا رعة
المشعرة بالحياة داخل الصورة، والأمر الثاني هو الرغبة النفسية في التعايش لما في الصورة من
متع نفسية مطلوبة. فالصورة المركبة والمتمثلة في هذه الآية ذات تأثير بليغ، فوصف الجنة وهذا
حقيقة ونؤمن بها، لم تنقص عنصرا من عناصر الجمال التكويني للصورة، فالماء فيها مستمر
الجريان. لتصل الصورة بعد ذلك في تنام في وصف حال أهل الجنة وبلغة حسية لها قدرة خاصة
في التصوير،"وذلك لأن هذه اللغة هي اللغة الأولى التي كانت سبيل الإنسان إلى العلم الأ ول"
الذي أتى النفس من طريق الحواس، وكأن الخطاب للنفس بهذه اللغة يرجعها إلى طفولتها الأولى
(وهذا أكثر إثارة و تهيجا"(3"
ومن التصوير بما يظن أنها حقيقة، فكم من مرة يبصر المرء شيئًا فإذا ما أعدنا النظر تحقق
منه شيء آخر، وهذا ما يسمى الخداع البصري، وما بين الحالتين رحلة نفسية ومتعة إثر دهشة،
.1) ينظر قطب، سيد: في ظلال القرآن. 4 مج، ص 3372)
.2) عبد اللطيف، محمد عبد الوهاب: موسوعة الأمثال القرآنية، ص 60)
.3) أبو موسى، محمد: دراسة في البلاغة والشعر، ص 97)