فهرس الكتاب
تمثلت في أكثر من موضع في السورة. قال تعالى:.حَتَّى إِ َ ذا بََل َ غ مَغْ ِ ربَ الشَّمْ ِ س وجَدَهَا تَغْرُبُ
فِي عَيْ ٍ ن حَمِئَةٍ ووجَدَ عِندَهَا َقومًا. [86] ، و. حَتَّى إِ َ ذا بََل َ غ مَطْلِعَ الشَّمْ ِ س وجَدَهَا تَطْلُعُ عََلى َقو ٍ م
لَّمْ َنجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا. [90] ، تنبعث جماليات الصورة من أكثر من زا وية، فص ورة
الشمس عند المغيب يشعر بجمالها من يتأملها، بما تظلل من سكون في المكان وألوان زاد من
جمالها (عين حمئة) أي في ماء وطين، وهذه الصورة ينظرها ذو القرنين، وكل ناظر إليها يشعر
بأنها حقيقة"حسبما شاهد لا بحسب الحقيقة فإن الشمس أعظم من أن تدخل في عين من عي ون"
الأرض" (1) . والتركيب اللغوي فاعل في رسم الصورة و تنويع عناصر الجمال فيها، ممثلا ذلك"
في الطباق بين مغرب ومطلع وتغرب وتطلع، والتكرار قي وجدها، فاحتوت الص ورة الزمان
والمكان وعناصر الربط المتكررة.
الظواهر المشتركة في التصوير:
اشتراك عناصر الطبيعة الرئيسة في الصورة، كالشمس وما يتعلق بها ويرتبط ب وجودها
وحركتها، والأرض والجبال والتراب والزروع والنخيل والأعناب والثمر. وأيضًا الماء وما له
علاقة به كالبحر والأنهار الحوت والسفينة، ومن أكثر العناصر الأولية في الحياة البشرية
والمرتبطة بالتاريخ النفسي للإنسان الكهف وحياة الإنسان الأولى، اختيار الكهف تمثل فيه الحقيقة
ولكنه تنبعث من ظلال مؤثرة في النفس البشرية، تعيد الإنسان إلى فطرته، وهذا مطلب من
مطالب الدعوة بالتخلص من علائق المادية المغرية.
أما من حيث الأسلوب، فاللغة الحسية المباشرة في الأغلب هي السمة العامة على التص وير
الواقعي؛ وذلك لبساطة العناصر المشكلة لهذا النمط من التصوير. ويظهر أغلب التص وير
الواقعي على شكل البناء القصصي ولذلك يلاحظ التسلسل الزمني والبناء المكاني في عرض
الحدث. الشمس(وترى الشمس، إذا طلعت، تزاور، عن كهفهم. ذات اليمين، وإذا غربت.
تقرضهم. ذات الشمال)، الكهف (وهم في فجوة منه) .
.1997، ص 188 - 1417، 1) الصابوني، محمد علي: صفوة التفاسير، ط 1، القاهرة: دار الصابوني، ج 2)
الصورة التكاملية (الحاشدة) :
يصادف الباحث أحيانا صورة فنية تمتلك جميع المقومات لتكون ص ورة يمكن دراستها
وكشف تجلياتها و تحدث أثرًا في نفس المتلقي، ولكن لا يقف التشكيل عند هذا الحد، فتبدأ صور
أخرى بالتوافد لتأخذ لها موقعا مع غيرها تربطها علاقات متبادلة، لتنتهي في تص ور شم ولي
يكون المتلقي أكثر تعايشا مع الصورة وامتداداتها، وليكون بذلك عنصرا من عناصر ال وحدة
للعمل الأدبي وشكلا من أشكال الانصباب الأسلوبي في أكثر من موقع.
ومما يُعد من جماليات الأسلوب الفني طول الجملة مع القدرة والتمكن منها، فالشاعر الذي
يتسم شعره بهذه السمة تعد فضيلة له؛ إذ يدل على سعة في التخيل وقدرة في امتلاك اللغة، ومثل
هذا يتمثل في هذا النوع من التصوير الفني في القرآن الكريم. إن إيقاع الصورة الكلية يتمثل في
انه يخلق إحساسا بالحركة النفسية،"وإقامة العناصر المنسجمة عن طريق التوازن أو التقاب ل أو"
التضاد مما يحدث نوعا من الترجيع الذي يولد إحساسا بالحدس والتوقع. من هذا يحدث عنصرا
.(المفاجأة والالتفات (1
تتوزع المشاهد يوم القيامة وتتعدد العناصر التي منها يبدأ بالحركة وآخر يتوقف، ومنه ما
يختفي، والنفس البشرية بين كل تلك الصور والحركة الدائبة تنتظر في خوف وهلع، وهذا التنوع
والتضاد استطاع التعبير القرآني جمعه في صورة واحدة كبرى، لا يضيع فيها أي جزء وتؤدي
الغرض التأثيري، وهذا ما نشاهده في التصوير في قوله تعالى:.وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وََترَى
الأَرْضَ بَا ِ رزَ ً ة وَحَ َ شرَْناهُمْ َفَلمْ ُن َ غادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا. [47] ، وفي تنام لبناء الصورة وارتباط الأجزاء
المكونة و تعمق في التفصيل تبعت الآيات بقوله تعالى:.وعُرِضُوا عََلى رَبِّكَ صَّفًا لََّقدْ جِئْتُمُوَنا
َ كمَا َ خَلقَْنا ُ كمْ أَولَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمُْتمْ أَلَّن نَّجْعَلَ َل ُ كم مَّوعِدًا. [48] وفي قوله تعالى:.ووضِعَ الْكِتَابُ
َفَترَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ويَُقوُلونَ يَا ويَْلَتَنا مَا ِ ل هَ َ ذا الْكَِتا ِ ب لا يُ َ غادِرُ صَغِيرَ ً ة وَلا كَبِيرَ ً ة
إِلا أَحْصَاهَا ووجَدُوا مَا عَمُِلوا حَاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. [49] . تأخذ الصورة الأولى بعرض
أحداث يوم القيامة بأسلوب في منتهى الدقة والإثارة، فتبدأ باختيار كلمة (يوم) في حالة التنكي ر،
.1) حمدان، ابتسام: الأسس الجمالية للإيقاع البلاغي، ص 258)
ولاحظنا في الفصل الثاني ما يمكن أن يثيره الاسم النكرة في مثل هذا السياق، من غموض يجلل
الموقف ويبعث الهيبة وهذا مطلب في الصورة. فلنأخذ نتحسس ما سر ذلك اليوم ما هو وصفه
وما هي هيئته، لابد أن ندرك أن المخاطبين عامة البشر كان أغلبهم من يتشكك في يوم البعث
والنشور والحساب، فالإنكار والتشكك ناسبهما التعبير بالنكرة (يوم) ، فتبدأ الحركة لتزيل الإبهام
عن ذلك اليوم ولكن بتصوير بالغ الرهبة، تلك الجبال العالية العظيمة في الإدراك البشري تبدأ
بالحركة والسير لا يمكن للتصور الذهني أن يبقى بمعزل عن هذه الص ورة بعد أن يسمعها،
فعناصر الطبيعة تخضع لأمر الله، ويأتي دور البشر فيحشرون فدلالة حشرناهم تختلف عن
جمعناهم مع أنها وردت في نفس السورة وفي موقف مقارب، حيث قال تعالى:.وََترَكَْنا بَعْضَهُمْ
يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْ ٍ ض وَُنفِ َ خ فِي الصُّو ِ ر َفجَمَعَْناهُمْ جَمْعًا. [99] . فما سبب اختيار حشرناهم دون
غيرها وما أثر ذلك على الصورة؟، الملمح الصوتي وأثر ذلك على المعنى حيث السه ولة في
حشرناهم والقوة مع جمعناهم. فحال البشر بعد العرض لحال الجبال والأرض أصبح شأنهم في
أنفسهم هينا، ولذا خضعوا واستكانوا، وأما قوم يأجوج ومأجوج في حركتهم واضطرابهم وما
يُظن أنهم وصلوا إليه من حال من الفساد والإفساد واغترارهم بقوتهم، فقوة الله وعزته قاهرة لهم
و لكل شيء ولذا كان التعبير باللفظ الدال على القوة في هذا المقام. وتستمر الصورة في عملية
انتقال للشخصيات نفسها في مشهد العرض وبالأسلوب نفسه، يبدأ المشهد بغموض في صيغة
المبني للمجهول، (وعُ ِ رض وا) ، وصيغة البناء للمجهول تدخل الفكر أحيانا في حيرة، فما الذي
جمعهم، وجعلهم صفوفا، وعرضهم؟. وأين قوتهم في الدنيا وتحديهم لأهل الدعوة؟. كل تلك
الأسئلة تثار في النفس، ولكن فقد نزعت تلك الإرادة التي كانت لديهم ففي هذا الموقف يساق ون
ولا يعرفون سر الأمر ومن يسوقهم، وإذ بهم يعرضون أمام رب السماوات والأرض فتنكشف
لهم الحقيقة ويرون أنفسهم وقد عادوا إلى ما كانوا عليه في الخلق الأول.
وفي مشهد آخر ليكمل الصورة وفي الأسلوب نفسه في الانتقال إلى الفعل المبني للمجه ول
.وَوُضِعَ الْكَِتابُ.، في بعد فني تتألق فيه الصورة على صعيد البناء الشكلي والموض وعي،
وأسلوب الالتفات في هذه الصورة فاعل في البناء والتأثير، فقد وسع من مدى الص ورة أفقيا
وأدخل عناصر الصورة واحدا تلو الآخر، مما أعطى وضوحا لكل عنصر، وزاد من مساحة
العرض، هذا بالإضافة إلى جانب التخفيف عن النفس في التغير في الأسل وب والع ودة إليه،
وليظهر من خلال هذا التماثل التناغم الأسلوبي فيشكل إيقاعا داخليا ووحدة فنية منسجمة.
ويلفت الانتباه إلى روعة الصورة الفنية، دخول أكثر من تقنية فنية في العرض، فالمثل
القرآني وما له من قدرة على تحريك المشاعر، والأثر الصوتي وما له من انبعاثات، وأسل وب
الحوار، كل ذلك قد تمثل في قوله تعالى:.واضْ ِ ربْ َلهُم مََّثلًا رَّجَُليْنِ جَعَلَْنا لأحدهما جَنََّتيْنِ مِنْ
أَعْنَا ٍ ب وحََففَْناهُمَا بَِنخْلٍ وجَعَلَْنا بَيَْنهُمَا زَرْعًا {32} كِلَْتا الْجَنََّتيْنِ آَتتْ أُ ُ كَلهَا وَلمْ َتظْلِمْ مِنْهُ َ شيْئًا
وَفجَّرَْنا خِلاَلهُمَا نَهَرًا {33} وكَانَ لَهُ ثَمَرٌ َفَقالَ لِصَاحِِبهِ وهُو يُحَاورُهُ أََنا أَكَْثرُ مِنكَ مَا ً لا وأَعَزُّ
34]. من الصور التي تتسم بالترابط فيما بينها في قصة الرجلين(صاحب الجنتين - نَفَرًا.[32
والرجل المؤمن)، فالقصة تشمل على أكثر من صورة فنية جزئية وه و ما يعرف"بعناقيد"
الصور" (1) ، تشكل في أغلب الأحيان صورة تشتمل على عناصر الصورة بما يسمى بالص ورة"
المتكاملة، من خلال هذه الآيات نرى التصوير الذي ينقل الحقيقة في كل أبعادها وتفاصيلها،
والقدرة على نقل التفاصيل ملمح من ملامح الصورة المعتمدة على الحقيقة يزيدها تأثيرًا في
النفوس فيجعلها أكثر إراحة ومتعة وتعايشا فطريًا مع النفس، فصورة الجنتين يمكن رسمهما
وإظهار ما فيهما بأدق التفاصيل حتى لو ذهبنا في ذلك مذهب من اعتبرهما جنة واحدة، ولكن
الناظر إليها لاتساعها كأنه يرى في كل جانب جنة، ولهذا الرأي ما يدعمه في ق وله تعالى:
(وفجرنا خلالهما نهرا) فماء النهر يجري بين الزرع في الجنتين فلا يفصل بينهما فاصل. إذ لو
كان بدلا من (خلالهما) (بينهما) لاحتمل ذلك الفصل بين الجنتين. ومن خلال هذا التص وير
لمشهد منظور، تطالعنا صورة استعارية جميلة دقيقة لافتة. قال تعالى:.كِلَْتا الْجَنََّتيْنِ آَتتْ أُ ُ كَلهَا
وََلمْ َتظْلِمْ مِنْهُ َ شيْئًا وََفجَّرَْنا خَِلاَلهُمَا نَهَرًا. [33] ، فالتعبير أو ً لا انتقل من المثنى إلى المفرد على
رأي من قال أنهما جنتان أو على الرأي الآخر- أنهما جنة واحدة- فيعود الحديث إلى الأصل
وفي الحالتين تشكل أسلوب التفات. فالجنة أو (الجنتين) تمتثل لأمر الله فلم تنقص من ثمرها شيئًا،
وكأنّ الجمادات أصبحت ذات إرادة في التنفيذ والامتثال، فأسبلت عليها الآية هذه الصفة ل يعيد
.1) البطل علي: الصورة في الشعر العربي، ص 28)
المتلقي حساباته من جديد، فإذا كان الجماد لم يظلم وقد امتثل لأمر الله، فالأولى به إذ هو العاقل
أن يمتثل.
إن استخدام التعبير الوظيفي للغة يمكن أن يؤدي المعنى المراد، ولكن لا يمكن أن يعطي
نفس التأثير الذي أعطته الصورة الفنية، فالمتعة في البحث والاكتشاف وربما الراحة بعد العناء
لا يتأتيان في الكلام المباشر ولا في القوالب اللغوية الجامدة، فالتص وير وخاصة التشكيل
الاستعاري يحرك اللغة وينمي قدراتها و يشوق أهلها إليها، قال تعالى:.وكَانَ لَهُ ثَمَرٌ َفَقالَ
لِصَاحِِبهِ وهُو يُحَاورُهُ أََنا أَكَْثرُ مِنكَ مَا ً لا وأَعَزُّ نَفَرًا {34} ودَ َ خلَ جَنَّتَهُ وهُو ظَالِمٌ لَِّنفْسِهِ َقالَ مَا
أَ ُ ظنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. {35} ، ومع اكتمال الصورة الحية والمباشرة للجنتين وما اشتملت عليهما
من خيرات ينتقل المشهد إلى العنصر البشري، الذي أعطاه الله كل هذه النعم فما عساه يفعل؟
يبدأ معه شعور العظمة والكبرياء، ولذلك تنقلب الموازين العقلية، لديه فيفضل نفسه بماله على
أخيه. فيقدم ذكر المال على ذكر البشر، وفي ظل هذه النفسية غير المتزنة التي يك ون وبال
أمرها على صاحبها، يدخل جنته، تبدأ الصورة تتمركز حول هذا الرجل. عنصر يدخل الصورة
في حركة وثبات، أي أنّ هذا العنصر غير منسجم مع ذاته، فهيئته بدت من (وهو ظالم لنفسه)
البعد النفسي في الصورة على قدر عال من الأهمية، بل العنصر الأهم فيها فعليها ترتبت
الأحداث التالية وتكاملت الصورة، فالجملة الحالية وهو ظالم لنفسه بالإضافة إلى العمق النفسي
فهنالك بعد التركيب اللغوي الذي تفاعل في رسم عمق آخر في الصورة، اسم الفاعل الذي كما
تبين في الفصل الأول يعطي مظهر الثبات على عكس الفعل إلا أن اسم الفاعل كما أوضحت في
حينه إذا كان عام ً لا يميل إلى التحول عدم الثبات، فهذا الظالم لنفسه بعد أن رأى الكارثة التي
.[ألمت به عاد إلى ربه تائبًا (ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا) [42
ومن العناصر المهمة في الصورة الفنية الأدبية التي تهتم بها الدراسات الأسل وبية عنصر
المفاجأة. الرجل المؤمن كان يتوقع النتيجة في كل لحظة وخاصة عندما كان يذكر كلمة الصبح.
إذ في الأغلب كانت المفاجأة في الصباح فيتوقع الإنسان مع بداية يوم جديد خيرا ولكن قد
يحصل ما لم يتوقعه الغافل، فيدخل الفعل الخفي، الفعل المبني للمجهول وهو سر من أسرار
الصورة الفنية، فيشكل لحظة الانقلاب الأسلوبي، تلك اللحظة التي ينقلب فيها الخط التر كيبي