الصفحة 57 من 61

اللغوي، فبعد أن يسير الخط اللغوي في نسق معين قد يعتاد عليه السامع فتحدث نقلة تدهشه بداية

فتلفت انتباهه وإذ به أمام تغير موضوعي يقتضي منه التأمل والتفكير، (وأُحيط بثمره) ، المتمعن

في باطن اللغة يدرك التغير الأسلوبي والموضوعي الذي حدث، وفي جانب آخر ترى العقوبة

الربانية في إتلاف الجنتين، إذ جعل الله الفعل مبنيًا للمجهول مع العلم التام بالفاعل أن جن ود الله

لا تبادر العمل إلا بعد إذن الله.

تتنوع المرتكزات الجمالية في الصورة الفنية بحسب جدتها وقوة التأثير الذي تحدثه، وتنوع

العناصر الداخلة فيها مع الربط بينها بشكل يرتضيه الذوق ويتناغم مع السياق فيشكل الإبداع

الفني الحقيقي.

وقد ظهر في سورة الكهف صور أدبية مختلفة، فمنها ما دخل فيها من عناصر متن وعة

دخلت في إطار الصورة في مستويات متدرجة، والتدرج عنصر جمالي وخاصة إذا تساوق مع

الوحدة الأدبية.

فمن أنماط الصورة الإبداعية المتطورة ما ظهر في قوله تعالى:.وَدَ َ خلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ َ ظالِمٌ

لَِّنفْسِهِ َقالَ مَا أَ ُ ظنُّ أَن َتِبيدَ هَذِهِ أَبَدًا. [35] ، وقوله تعالى:.وَأُحِي َ ط بَِثمَرِهِ َفأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ

،[عََلى مَا أَنَف َ ق فِيهَا وَهِيَ خَا ِ ويَةٌ عََلى عُرُوشِهَا وَيَُقولُ يَا َليَْتنِي َلمْ أُشْ ِ ركْ ِبرَبِّي أَحَدًا. [42

طبيعة الصورة المتشكلة في هذا السياق ذات شمولية واتساع وقدرة على التنقل بين العناصر

المكونة لها، فعملية التنقل والربط بين الإنسان في حركة مع الجنة الثابتة حتى يصل إلى تصوير

البعد النفسي للرجل وهو ظالم لنفسه. فالصورة تدخل في عناصر ثلاث العنصر الأول (الإنسان)

في بعده الظاهر، تنتقل مع العنصر الثاني (الجنة) في بعد ظاهر أيضا، وعودة إلى العنصر

الثالث البعد النفسي، (وهو ظالم لنفسه) . فالعلاقات المتبادلة بين عناصر الصورة يشكل الترتيب

لها ظاهرة التطور في الصورة من البعد الظاهري إلى الغوص في الأعماق، وهذا ن وع من

التطور.

ومثل ذلك في اتساع الصورة وذلك بتوافد عناصرها وبروزها بشكل متدرج في قوله تعالى:

.وَوُضِعَ الْكَِتابُ َفَترَى الْمُجْ ِ رمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ. [49] ، فمن مظاهر التطور في الصورة تبدأ

أولا في البعد الظاهري (ووضع الكتاب) فيراه الجميع كل يرى كتابه وعمله. فالمجرم ون لهم

يوم القيامة سمات ظاهرة يعرفون بها (مشفقين مما فيه) ويظهر أثر البعد النفسي من ألم وحسرة

على ألسنتهم وفي أقوالهم (يا ويلتنا) فالوصول إلى تكاملية الصورة يمر عبر التطور في اتجاه ما

للعناصر المتعاضدة في بناء الصورة. ترتبط هذه الصورة مع الصورة في قوله تعالى:.ويَ ومَ

ُنسَيِّرُ الْ ِ جبَالَ وَترَى الأَرْضَ بَا ِ رزَ ً ة وحَ َ شرَْناهُمْ َفَلمْ ُن َ غادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا. [47] . الجبال والأرض

عنصر من عناصر الطبيعة، فانطلقت الصورة من الجزء (الجبال) إلى الكل (الأرض) في دخول

متدرج لتلك العناصر، ويدخل عنصر مقصود بالدرجة الأولى إلى رحاب الصورة (وحشرناهم) ،

فكل ما حدث قبل الوصول إلى نقطة المحشر إذ هي النقطة المركزية في الصورة، فتلك الحركة

الرهيبة التي قامت ممهدة إلى النتيجة (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) ، في شم ولية الص ورة

والحدث مع نهاية الصورة.

الصورة النامية:

الصورة النامية نوع من أنواع الصورة الفنية التي ظهرت في النقد الح ديث، تقوم على

مكونات لغوية تراوح بين الثبات والحركة، فقد تسيطر الصورة على الكلمات المكونة لها مما

يشكل الصورة النامية التي"تسيطر على الألفاظ ويتسع مداها بطول تأملنا لها" (1) ، وفي تنامي في

الصورة يتم التمايز"بين الصور البسيطة والمركبة بأشكال مختلفة متنامية، فيتجا وز القياس"

.(الأصلي ويضيف ألوانا أخرى وتنويعات تتركب بها الصورة وتتكاثر"(2"

ومن أمثلة الصورة النامية قوله تعالى:.ُقل لَّو كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّ َ كلِمَاتِ رَبِّي َلَنفِدَ الْبَحْرُ

َقبْلَ أَن تَنَفدَ َ كلِمَا ُ ت رَبِّي وَلو ِ جئَْنا ِبمِثْلِهِ مَدَدًا. [109] ، أسلوب من أساليب الصورة الفنية وه و

الوصول إلى ما لا يستطيع العقل البشري أن يدركه إدراكا تاما، فكلمات الله وآياته لا يمكن

للعقل البشري أن يحيط بها. ولذا جاء التصوير أبلغ طريقة في التعبير"فالمبالغة هي الدلالة على"

كبر المعنى على جهة التغيير عن أصل اللغة لتلك الإبانة" (3) ، فما هي الطريقة الأخرى التي"

.40 - 1) ينظر قطوس، بسام: وحدة القصيدة في النقد العربي الحديث، ص 38)

.2) فضل، صلاح: علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته، ص 272)

.3) الرماني: النكت، ص 96)

يمكن أن توصل المعنى وبالتأثير نفسه وإشعار المتلقي بعظم ما يسمع؟، فالتصور الذهني في

العقل البشري للبحر صورة في منتهى العظم، فجاءت الآيات لتربط علاقات في التصور الخيالي

بين تصور في منتهى العظم وما لا يدرك ليقف السامع في عجز متحقق أمام ما يسمع، وهذا ما

من شأنه أن يتحقق بأسلوب يتوافق في الخروج عن المألوف في التعبير، واللجوء إلى طريقة

خاصة كالمبالغة في تقديم المعنى. المتأمل في هذه الآية وما يتشكل في ذهنه من تصورات في

مستويات متصاعدة، تبدأ مع المفردات المكونة للعبارة، (البحر والمداد وكلمات ربي) لتشكل

البنية العميقة للعبارة حسب مفهوم النحو التوليدي التحويلي. التضام اللغوي النحوي في أسل وب

الشرط (لو) يشكل عنصر تحوي ٍ ل لغوي و توشي ٍ ح بلاغي. شكلت العبارة عناصر ربط داخلي

وخارجي وتماسك في أسلوب الشرط، والعلاقة الناشئة بين البحر وكلمات الله، البحر في الفكر

الإنساني له أبعاد وأبعاد ودلالات قد تمتد لعلاقة الفكر مع البحر وتجارب الإنسان معه، كل هذه

التصورات سوف تبدأ بالتداعي والتوالي في هذا المقام، فالبحر ماء في البنية السطحية ولكن له

أبعاد أخرى تنشأ وتتوالد عندما ارتبطت في علاقة مع كلمات الله، تقترب الصورة بداية، البحر

في حدوده المنظورة والمعقولة والمتخيلة ليشكل مدادا تكتب به كلمات الله، فتحصل المفاجأة، فنفد

البحر، خرج الأمر عن التصور، خرجت الصورة عن مست وى الكلمات اللغ وية وتتصاعد

الصورة لا يحدها حد ولو جئنا بمثله مددا،"وبهذا التصوير المحسوس والحركة المجسمة يقرب"

إلى التصور البشري المحدود معنى غير محدود. والمعنى الكلي يظل حائرا في التصور البشري

حتى يتمثل في صورة محسوسة" (1) ، فليصل التفكير إن كان قادرًا على الوصول أو التخيل إن"

كان هناك مجال رحب للتخيل، تتأمله النفس فتعود و قد امتلأت رغبة ورهبة وجمالا ويقينًا مما

سمعت وتخيلت.

من اللافت للنظر تكرار عنصر الماء في التصوير سواء في سورة الكهف أو في أغلب

السور المكية؛ إذ بذلك تقرب الإنسان إلى حقيقته الأولى في النشأة، فجعل الله الماءَ من عناصر

خلق الإنسان الأولى، وكذلك تقترب من حاجتها الأساسية للحياة ليكون الأثر والتأثير في نفس

المتلقي يجمع بين غريزة الوجود والبقاء والوصول به إلى ما ينجيه.

.1) قطب، سيد: في ظلال القرآن، 4 مج، ص 2296)

الصور الحسية:

تلعب الحواس المختلفة دورا أساسيا في عملية التصوير بالإضافة إلى دور الفكر والعقل،

ولكن هذا الدور للحواس بدرجات متفاوتة وحسب ما يقتضيه المقام، والمتلقي وما اعتاد عليه من

طبيعة التفكير، وغرض المبدع في توجيه المتلقي نحو قيم أخلاقية وسلوك تسعى الصورة الأدبية

لغرسها أو التنفير من غيرها، وسنلاحظ مدى معايشة الصورة الأدبية لتلك القواعد في النص

القرآني، ومن الصور الحسية: الصورة البصرية والصورة السمعية.

-1 الصور البصرية:

لحاسة البصر ظهور بارز في سورة الكهف، فنلاحظ أن أغلب الصور الأدبية تعتمد حاسة

البصر في مرتكزاتها الرئيسة، وقد بلغ عدد الصور البصرية أكثر من ثلاث عشرة صورة، بين

استعمال حاسة البصر مباشرة العين أو الألفاظ الموحية بذلك كالنظر والرؤية، هذا بالإضافة إلى

الصور ذات المكون المعتمد على الرؤية لتحقق التأمل المطلوب، فمن الصور البصرية المباشرة

ما نجده في قوله تعالى:.وََترَى الشَّمْسَ إِ َ ذا َ طَلعَت تَّزَاوَرُ عَن َ كهْفِهِمْ َ ذا َ ت الْيَمِي ِ ن وَإِ َ ذا َ غرَبَت

تَّقْرِضُهُمْ َ ذا َ ت الشِّمَا ِ ل. [17] ، وفي قوله تعالى:.وَتَحْسَبُهُمْ أَيَْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَُنقَلِّبُهُمْ َ ذا َ ت الْيَمِي ِ ن

وَ َ ذا َ ت الشِّمَا ِ ل وَ َ كلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ ِبالْوَصِيدِ َلوِ اطََّلعْ َ ت عََليْ ِ همْ َلوَلَّيْ َ ت مِنْهُمْ فِرَارًا وََلمُلِئْ َ ت مِنْهُمْ

رُعْبًا. [18] ،.َفابْعَُثوا أَحَدَ ُ كم ِبوَ ِ رقِ ُ كمْ هَذِهِ إَِلى الْمَدِيَنةِ َفلْيَن ُ ظرْ أَيُّهَا أَزْ َ كى َ طعَامًا َفلْيَأْتِ ُ كم ِب ِ رز قٍ

مِّنْهُ وَلْيََتَلطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ ِب ُ كمْ أَحَدًا. [19] ،.وَاصِْبرْ َنفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ِبالْ َ غدَاةِ

وَالْعَشِيِّ يُ ِ ريدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيَْناكَ عَنْهُمْ ُترِيدُ ِ زيَن َ ة الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. [28] .وَيَوْمَ ُنسَيِّرُ الْ ِ جبَالَ

وََترَى الأَرْضَ بَا ِ رزَ ً ة. [47] ،.وَوُضِعَ الْكَِتابُ َفَترَى الْمُجْ ِ رمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِي ه. [49] .مَا

أَشْهَدتُّهُمْ َ خلْ َ ق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْ ِ ض وَلا َ خلْ َ ق أَنُفسِ ِ همْ. [51] ،.وَرَأَى الْمُجْ ِ رمُونَ النَّارَ َف َ ظنُّوا أَنَّهُم

مُّوَاقِعُوهَا وََلمْ يَ ِ جدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا. [53] ،.َقالَ أَرَأَيْ َ ت إِذْ أَوَيَْنا إَِلى الصَّخْرَةِ َفإِنِّي نَسِي ُ ت

الْحُو َ ت. [63] .وعَرَضَْنا جَهَنَّمَ يَومَئِذٍ لِّلَْ كافِ ِ رينَ عَرْضًا {100} الَّذِينَ َ كاَنتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِ َ طاء عَن

.[ذِكْ ِ ري وكَاُنوا لا يَسَْتطِيعُونَ سَمْعًا. [101

إن تكرار الصورة التي تشارك الحواس بها وخاصة حاستي البصر والسمع، لت وحي إلى

أهمية تلك الحواس في الوصول إلى المعرفة والعلم الذي يعد فكرة محورية في الس ورة، فهي

تمنح مجالا رحبا في التأمل والحركة أكثر من غيرها، كما تتناسب مع طبيعة بعض البشر الذين

يصعب عليهم التصديق في الأسلوب الإخباري المجرد أو التمثيل العقلي التخيلي المطلق؛ فكانت

تلك الصور الحسية ذات فاعلية وتأثير قديما وحديثا ومصدر إلهام في البحث والوص ول إلى

الإعجاز العلمي حديثا.

وقد تشترك الحواس في رسم صورة أو تصورها، فإن الصورة قد تتجاوز ذلك إلى ما

اعتمده النقاد في تسمية الصور النموذجية بالتي تتخطى حدود الحواس فتعتمد الموروث الديني

الذي يمثل أصفى المشاعر وأطهرها، فهي تستمد قوتها وتأثيرها من انعكاس النص الديني على

النفس، فإذا كان والحال كذلك فإن النص الديني نفسه تتمثل فيه قوة التأثير أكثر صفاءً ولا ريب،

فكلام الله المهيمن على الكون والنفس، فالنفس تنبهر وتدهش وتعود إلى إحساسها الطف ولي

الفطري الصادق وترقى به مع الصورة العقلية إلى أرقى حالات الفكر والتأمل.

التناسق الفني في السورة:

التناسق الفني مطلب أساس في العمل الأدبي، فيزيل عنه الفوضى والتشتت مما يجعل قبوله

وتذوقه ممكنا، وتوصل فيه المقدمات إلى النتائج، فيرتبط أوله بآخره، ويتم التواصل مع الفكرة

التي يتناولها النص مهما تعددت فيه الأساليب وتنوعت وسائل العرض، فتبقى الروابط اللفظية

والأسلوبية تمارس نشاطها وفاعليتها في النص الأدبي.

في سورة الكهف تنوع ظاهر في القصص القرآني، فشكلت لوحات ذوات حدود، بالإضافة

إلى التنوع في التصوير والأمثال التي وردت في السورة، فقد يوهم ما يظهر للوهلة الأولى أننا

بصدد عمل فيه تفكك ويخلو من الوحدة الفنية الأدبية، والتي تعد من أهم عناصر العمل الأدبي

بل عليه ترتكز الفنية الأدبية؛ فهي تقيه من التشتت الذي يُلْبِسُ على المتلقي ويضع ف جاذبية

النص ويفقده ماء حيويته، والتناسق الفني لأهميته يعد أساس الوحدة الأدبية"فهو الذي يشكل"

طبيعة الكل ويجعل من الصورة الكلية وعلاقاتها الداخلية لوحة واحدة لا مكان فيها للتجزئة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت