الصفحة 58 من 61

عناصر، كأنها الوحدة العضوية التي تجمع أجزاء الكائن الحي" (1) . وتتن وع وسائل الت وليف"

والتماسك داخل النص الأدبي"فالنص الأدبي يعتمد اعتمادا كبيرا على السياق الجيد وحسن"

اطراده، وترابط الجمل، وما بينهما من علامات التضام والاقتران مع انتقاء التنظيم الملائم

للموقف الذي يدور حوله النص" (2) . بالإضافة إلى ما سبق من مستلزمات الوحدة العضوية في"

.(العمل الأدبي"وحدة الموضوع وما يستلزم ذلك من ترتيب الصور الفنية والأفكار"(3

والبحث عن الروابط المشتركة يتوجه بنا في اتجاهين:

أولا- المستوى الفني ويشمل الجانب اللغوي، كالتقديم والتأخير أو بما يتكرر من ألفاظ

مفردة أو أساليب لغوية، وحتى لا تصبح الدراسة الأسلوبية عملية إحصائية مجردة (4) ، بل تشكل

أنماطا في حالة تكرارها تعيد الذهن مباشرة إلى ما قد سبق ذكره في النص، مما يجعل التكرار

من عناصر الربط الأسلوبي.

ثانيا- المضمون وما يتمثل فيه من أفكار ومعان وظلالها على امتداد النص ب ما يشكل

عناصر وحدة فنية على مستوى الشكل والمضمون.

لقد سبق وأن تمت الإشارة إلى أشكال من التكرار اللفظي في الفصل الثاني والتي شكلت

عناصر ربط، مثل كلمة إذ التي كانت تتكرر في بنائية قصة أصحاب الكهف وشكلت عنصر

انتقال إلى قصة أخرى

التناسق في التقديم والتأخير:

من صور التناسب والتناسق في التركيب، التقديم والتأخير الذي يعطي ظلالا عامة على

السورة بشكل عام فالترتيب في قوله تعالى:.وَلَقدْ صَرَّفَْنا فِي هَ َ ذا الُْقرْآ ِ ن لِلنَّا ِ س مِن ُ كلِّ مَثَ ٍ ل

.1) أبو علي، محمد بركات: في الأدب والبيان، عمان: دار الفكر للنشر والتوزيع، 1984 م، ص 117)

.2) خليل، إبراهيم: النص الأدبي تحليله وبناؤه، عمان: دار الكرمل، 1994، ص 18)

.3) هلال، محمد غنيمي: النقد الأدبي الحديث. ص 395)

.1994/ 4) ينظر عودة، خليل: المنهج الأسلوبي في دراسة النص الأدبي./ مجلة جامعة النجاح للأبحاث، 2 مج /العدد 8)

.ص 104

وكَانَ الْإِنسَانُ أَكَْثرَ َ شيْءٍ جَدَ ً لا. [54] . فالترتيب الذي ظهر في هذه الآية من تقدم ذكر القرآن

على الناس التزمت به السورة كلها في انسجام وتناسق. فافتتحت السورة بقوله تعالى:.الْحَمْدُ لِلَّهِ

الَّذِي أَنزَلَ عََلى عَبْدِهِ الْكَِتابَ وَلمْ يَجْعَل لَّهُ عِوجَا. [1] ،"فقد بدأت السورة بالكلام على الكتاب"

(القرآن) ، ثم ذكر بعده أصحاب الكهف وموسى وذكر ذا القرنين، فكان من المناسب أ ن يتقدم

ذكر القرآن على الناس" (1) ؛ لتتناسب البداية مع بنائية السورة كاملة."

التناسق في الحوار وأشكاله:

أسلوب الحوار من الأساليب التي شكلت ظاهرة لافتة في سورة الكهف، وتنوعت أشكاله

ومستوياته، وامتد هذا الأسلوب عبر مساحات واسعة من السورة بين الدعوة إلى الحوار؛ لأهميته

في نشر الدعوة مع التنبيه إلى ما يمكن أن يؤدي إليه من مراء أو أن يتخذ شكل الجدل الذي لا

طائل فيه.

وفي انسجام وتناسق ظاهرين بين آيات السورة من حيث الوجود المكثف لأسلوب الح وار

في كل قصص السورة والأمثال، وطبيعة الدعوة التي تمثلها المرحلة المكية القائمة على الحجة

والإقناع بأسلوب الحوار.

-الألفاظ الدالة على الحوار 1 - قال ومشتقاتها. 2 - حاور. 3 - سأل ومشتقاتها 4 - مارى 5

جادل.

ومن خلال متابعة ظاهرة الحوار وأشكاله في قوله تعالى:.وَ َ ك َ ذلِكَ بَعَثَْناهُمْ لِيََتسَاءُلوا بَيَْنهُمْ َقالَ

قَائِلٌ مِّنْهُمْ َ كمْ َلِبثُْتمْ َقاُلوا َلِبثَْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْ ٍ م َقاُلوا رَبُّ ُ كمْ أَعَْلمُ ِبمَا َلِبثُْتم. [19] ، والح وار

يتكرر في قوله تعالى:.وَ َ كانَ لَهُ ثَمَرٌ َفَقالَ لِصَاحِِبهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أََنا أَكْثَرُ مِنكَ مَا ً لا وَأَعَزُّ

نَفَرًا. [34] ،.َقالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَ َ كَفرْ َ ت ِبالَّذِي َ خَلَقكَ مِن ُترَا ٍ ب ُثمَّ مِن نُّطَْفةٍ ُثمَّ سَوَّاكَ

رَجُ ً لا. [37] ، والجدل نوع من أنواع الحوار ولكنه ذو طبيعة سلبية، قال تعالى:.وَ َ كانَ الْإِنسَانُ

أَكَْثرَ َ شيْءٍ جَدَ ً لا. [54] .وَيُجَادِلُ الَّذِينَ َ كَفرُوا ِبالْبَاطِ ِ ل لِيُدْحِضُوا ِبهِ الْحَقَّ. [56] .فلا تمار فيهم

.1) السامرائي، فاضل صالح: التعبير القرآني، ط 4، عمان: دار عمار، 2005، ص 69)

إلا مراء ظاهرا. [22] .فيعلم الله سبحانه وتعالى رسوله والمؤمنين أنواع الحوار وآدابه ليتمثل وا

النافع منها ويتنبهوا لخطورة الجدل وأصحابه.

التناسق الفني القصصي:

اشتملت السورة على ثلاث قصص، قصة الفتية أهل الكهف، وقصة موسى (عليه السلام)

مع العبد الصالح، وقصة ذي القرنين، وضُ ِ ربَ فيها أمثلةٌ، مثل إبليس مع آدم، ومثل الرجلين

صاحب الجنتين والرجل المؤمن، وهذا التعدد في القصص وعرض بعضها أكثر من مرة

بأساليب مختلفة قد يوحي بالتفكك، فلقد عُ ِ رضَتْ قص ُ ة الفتية المؤمنين (أهل الكهف) مرتين

متعاقبتين، الأولى قدمت القصة بشكل موجز وسريع، مع المحافظة على المضم ون وهدف

القصة، وفي المرة الثانية عرضت بالتفصيل المفيد، فتنوع الأسلوب والتنوع مطلب بلاغي، على

أن يحافظ على الفكرة الأساسية. فالمؤمن أكثر ابتلاءً؛ ولذا كان الصبر والتوكل على الله منهجا

وطريقة لأهل الكهف، فكانت حقيقة الإيمان هي المحرك لهم، والصبر أوصلهم للتمكين فكانت

الغلبة للمؤمنين.

قصة موسى (عليه السلام) يشكل فيها طلب العلم والعزم على الصبر المحور الرئيس، فقد

ركزت الآيات على حقيقة الصبر، قال تعالى:.َقالَ إِنَّكَ َلن َتسَْتطِيعَ مَعِيَ صَبْرً ا {67} وَ َ كيْ َ ف

تَصْبِرُ عََلى مَا َلمْ ُتحِطْ ِبهِ ُ خبْرًا {68} قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا َقالَ

سََت ِ جدُنِي إِن َ شاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي َلكَ أَمْرًا. [69] . إلا أن الأمور التي واجهت موسى لا

يعلم سرها إلا الله، فيصعب على الإنسان أن يدركها بذاته، فيوكل أمرها إلى الله.

تتعدد أشكال الصبر، فالصبر على الصعاب والعذاب أمر قد عهده الإنسان، أما الصبر على

النعم فلا يحظى به إلا المؤمن، فالفتنة والغرور بما أُتي قد يخرجانه إلى البطر وكفران

النعمة، فقصة ذي القرنين الذي مكن له الله وزاده ملكا وقوة، قد صبر في رحلته عبر مشارق

الأرض ومغاربها وما حققه من حكم بالعدل. ونصرة الضعفاء متوكلا على الله بما أعطاه من

قوة قال تعالى:.َقالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ. [95] . ولصبره على النعمة وأداء حقها ب ّلغه الله

تلك المكانة وأيده بنصره.

ترتبط قصة ذي القرنين من حيث الفكرة بقصة الرجلين صاحب الجنتين والرجل المؤمن،

فالنعم التي أنعم الله بها على صاحب الجنة، كفر بها وبحقائق الإيمان وعتا وظلم نفسه، فكانت

عاقبة أمره بورا.

والتسلسل في فكرة الصبر وظلالها التي احتوتها السورة عبر القصص المتعاقبة، تشكل

عنصر ربط فيما بينها. مع قصة الفتية صبر على الإيمان وما يلاقي المؤمن من أذى، وهذا أكثر

أنواع الصبر شيوعا، ومع قصة النبي موسى صبر على طلب المعرفة والعلم في سبيل الله، أما

الصبر على النعم بأداء الحقوق كانت قصة ذي القرنين.

ظلال الصبر في السورة:

لم تأت القصص في القرآن لمجرد الخبر التاريخي، بل فيها التسلية للمؤمنين عما يلاقونه

من مشاق الدعوة إلى الله، والتثبيت لهم بالغلبة والنصر والتمكين، وتعليمهم سبل الدع وة، بأن

الصبر أساس من أسس الدعوة.

،[وتظهر ظلال الصبر في قوله تعالى:.واصِْبرْ َنفْسَكَ مَ ِ ع اّل ذينَ يَ دْعُونَ رَبَهُ م. [28

والخطاب هنا موجه للرسول صلى الله عليه وسلم؛ ليتم الربط ما بين القصص القرآني والدع وة

للدين الإسلامي. ويتكرر موقف الصبر في السورة مع الدعوة وطلب العلم مع النبي م وسى

والعبد الصالح، وأغلب ما كان من الأمثال والقصص نجد أن المعنى العميق فيها يتطلب الصب ر

والتروي وعدم التسرع لأن لكل شيء موعده.

الربط الفني:

ومن مظاهر التناسق الفني في السورة، التناسب بين المقدمة والخاتمة. في أول السورة، قال

تعالى:.الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عََلى عَبْدِهِ الْكَِتابَ وََلمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا {1} قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا

{مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَُلونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ َلهُمْ أَجْرًا حَسَنًا 2} مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا 3

وَيُنذِرَ الَّذِينَ َقاُلوا اتَّ َ خ َ ذ اللَّهُ وَلَدًا. [4] ، تشكل حقيقة الإيمان في الآيات مح ورا رئيسا، وأن

الأنبياء عبيد لله لهم وظيفة التبليغ للرسالة. والفكرة نفسها تحملها آخر آيات السورة، قال تعالى:

.ُقلْ إِنَّمَا أََنا بَشَرٌ مِّثُْل ُ كمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إَِلهُ ُ كمْ إِلَهٌ واحِدٌ َفمَن كَانَ يَرْجُو لَِقاء رَبِّهِ َفلْيَعْمَلْ عَمَ ً لا

.[صَالِحًا وَلا يُشْ ِ ركْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا. [110

ظلال الرحمة:

رحمة الله وسعت كل شيء، وامتد مع امتداد السورة قصصها وأمثالها، فالله تعالى أنزل

الكتاب رحمة بعباده، والرسول صلى الله عليه وسلم لرأفته بالناس وحبه لهم يكاد يهلك نفسه

حزنا عليهم. وتشمل الرحمة أهل الكهف، قال تعالى:.وَإِذِ اعَْتزَلُْتمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ

َفأْوُوا إَِلى الْ َ كهْفِ يَن ُ شرْ َل ُ كمْ رَبُّ ُ كم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ َل ُ كم مِّنْ أَمْ ِ ر ُ كم مِّرَْفقًا. [16] ، وكل ما رافق

الفتية من حماية في الكهف كان ظلالا لتلك الرحمة الربانية. ولم يستثن المعرضون من رحمة

الله، فلولا رحمة الله لوقع العذاب، قال تعالى:.وَرَبُّكَ الْغَُفورُ ُذو الرَّحْمَةِ َلوْ يُؤَاخُِذهُم ِبمَا َ كسَبُوا

َلعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَ ِ جدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِ ً لا. [58] ، وعمت الرحمة المؤمنين، فهذا

العبد الصالح آتاه الله الرحمة والعلم، قال تعالى:.َفوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آَتيَْناهُ رَحْمَ ً ة مِنْ عِندَِنا

وَعَلَّمَْناهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا. [65] ، وشملت الرحمة من الله الغلامين اللذين كان أبوهما مؤمنا صالحا،

قال تعالى:.وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِ ُ غلَامَيْ ِ ن يَتِيمَيْ ِ ن فِي الْمَدِيَنةِ وَ َ كانَ َتحَْتهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَ َ كانَ أَبُوهُمَا

[صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبُْل َ غا أَ ُ شدَّهُمَا وَيَسَْتخْ ِ رجَا َ كنزَهُمَا رَحْمَ ً ة مِّن رَّبِّكَ َتسْطِع عََّليْهِ صَبْرًا. [82

وتتأكد الرحمة بشموليتها الخلق في قصة ذي القرنين قال تعالى:.َقالَ هَ َ ذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي َفإِ َ ذا

.[جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعََلهُ دَكَّاء. [98

التناسق الفني داخل القصة:

من ملامح التناسق وأعمقها داخل القصة ما كان بين الطبيعة والإنسان في قصة ذي

القرنين،"فالمشهد الذي يعرضه السياق هو مشهد مكشوف في الطبيعة: الشمس ساطعة لا"

يسترها عن القوم ساتر، وكذلك ضمير ذي القرنين ونواياه كلها مكشوفة لعلم الله. فبذلك يتناسق

.(المشهد في الطبيعة وفي ضمير ذي القرنين على طريقة التنسيق القرآنية الدقيقة"(1"

.1994، ص 2292 - 4 مج، بيروت: دار الشروق، 1415، 1) قطب، سيد: في ظلال القرآن، ط 23)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت