الصفحة 1 من 6

لم تحظَ كلمة التاريخ في العصر الجاهلي أي قبل مجئ الاسلام بالأهمية والرعاية الكافية لكي تجعلها في مصاف الاصطلاحات العلمية بالنحو المتعارف عليه اليوم ولكن لايعني ذلك أن العرب خصوصًا والشعوب الأخرى عمومًا في تلك الحقب الغابرة والعصور البائدة لم يكونوا على اطلاع ومعرفة بذكر للتاريخ على الإطلاق بل كانت كلمة الخبر أوالأخبار والحدث والحديث والأحداث هي الكلمات المتداولة للتدليل بها على معنى كلمة التاريخ ولكن بأفق أشدّ ضيقًا وقصورًا ينحدر الى دون الوصول الى معرفته بحدِّهِ ورسمه وموضوعه وخاصّته وفصله ودون الوصول الى اصطلاحي التاريخ والمؤرخين أنفسهما في الوقت الذي كانوا فيه على اطلاع وقدر واسع في مادة التاريخ تتمثّل في الأخبار والروايات التي ارتبطت لدى الرواة بالعاطفة الشخصيّة أحيانًا وذلك عندما يذكر الراوي أخبارًا عن نفسه أو عن أشخاص من قبيلته كما ارتبطت أحيانًا أخرى بعنصر الخيال وأحيانًا بالخرافة حتى تتصل هذه الأخبار بالأحداث العامة الكبرى سواء منها ماوقع في شبه الجزيرة أو خارجها في البلدان المجاورة ومن ثمَّ كان العرب في الجاهلية يعرفون أخبار حروبهم القبليّة التي عرفت بأيام العرب.

كما عرفوا قصة سد مأرب وأخبار استيلاء ابن كرب تيان اسعد على اليمن وقصة أصحاب الأخدود وفتح الحبشة لليمن وقصة أصحاب الفيل وقدومهم الى مكة كما عرفوا أخبار ذي يزن وقد دلل القرآن الكريم وأكد على وجود مثل هذه المعرفة بتلك الوقائع في سورة غافر في قوله: (وقال الذي آمن ياقوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعادٍ وثمود والذين من بعدهم وماالله يريد ظلمًا للعباد وياقوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ... ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبيِّنات ... ) {غافرـ03ـ13ـ23} وكذلك ألموا بتاريخ الكعبه منذ عهد قصى بن كلاب وعرفوا قصة حفر بئر زمزم وأخبار الأحلاف السياسية كحلف المطيبين وحلف الفضول الى غير ذلك من الأخبار التي تمتد على مدى قرنين قبل ظهور الإسلام ولكنهم كذلك عرفوا أطرافًا من الأخبار القديمة كأخبار طسم وجديس وعاد وثمود وغيرها من الأمم والملوك البائدة وكل هذه الأخبار وإن كانت في الواقع وحسب الموازين العلمية تاريخًا منظمًا عند اجتماعها ولكن هذه المادة لم تُوْلِ العناية الكافية بما يتناسب مع المستوى العلمي المنهجي المقنن والمنظّم والممنهج وفي الضمن تنوه الى أن تلك المادة الموروثة عن ذهنية الفترة الجاهلية قد لعبت دورًا حيويًا في صنع وصياغة التاريخ العلمي اعتمادًا على ما تَحَدَّثَ به المؤرخون فيما بعد عصور ماقبل الاسلام ويكمن السرّ في قصور الذهنية الجاهلية وضعف اقتدارها على نظم تاريخ علمي ممنهج جامع لما بلغها ووصلها من أخبار الأمم السالفة والديانات البائدة والوقائع والأحداث التي يصادفونها ويعاشونها في حياتهم اليومية في شيوع ظاهرة غير طبيعية في نظامهم الإجتماعي تلك الظاهرة ظاهرة تفشي حالة الجهل بأصول القراءة والكتابة ولم يكن العرب وحدهم آنذاك يغطون في هذا المرض الحضاري المزمن فالعرب كان شأنهم كشأن أغلب الأمم يومذاك يتهاوون في أودية الأميّة لايقرؤون إلاما تخطّه الطبيعة ولا يكتبون إلا مايُلَقَّنُون من معانيها فيأخذون عنها بالحس ويكتبون باللسان على لوح الحافظة فكان كل عربي على مقدار وعيه وحفظه كتابًا أو جزء كتاب وكانت كل قبيلة بذلك كأنها سجل زمني في احصاء الأخبار والآثار التاريخية يُوَرِّثُونَه أبناءهم كما يُوَرِّثُون المبادئ والمثل والقيم أجيالهم المتعاقبة.

ومن خلال ذلك ندرك السرّ فيما شاع عنهم من ظهورهم في تلك الفترة الزمنية من التاريخ البشري الكبير كأثبت ما يمكن أن يكون الناس حفظًا وأتمهم حافظةً ولذا نشأ فيهم دون غيرهم الأخذ والتحمّل فكان كلّ عربي بطبيعته راويًا فيماهو بسبيله من أمره وأمر قومه.

نظريات في معنى كلمة التاريخ واشتقاقها

عرّف مجمع اللغة العربية في القاهرة التاريخ بأنه عبارة عن ذلك السجل الذي يضم بين دفيته جملة الأحوال والأحداث التي يمرّ بها كائن ما وتصدق على الفرد والمجتمع كما تصدق على الظواهر الطبيعية والانسانية وقال آخرون بأنه التوقيت كما صرّح به في القاموس ورأي ثالث يقول بأنه تعريف الوقت ذكره ابن منظور في لسانه وأخرون.

وهي تعاريف ركيكة لا تصمد أمام النقض إلا أنه يهون الخطب بعد ارجاع الآخرين الى المعنى اللغوي وإن كان تأباه حميّة التحقيق العلمي خصوصًا إذا علمنا أنه مصطلح حادث لم يؤثر عن العرب ولم يرد نقل له على لسان أحد منهم في عصر ماقبل الإسلام كما مرّ عليك في البحث المتقدّم مضافًا الى أننا نمتلك تاريخًا مجهول الفتره الزمنية على التحقيق أو مجهول الشخصيات وقسمًا آخر مجهول شقيهما وإن شدّ وقلّ وقسمًا آخر معلوم الفترة الزمنية أو الشخصيات فقط أو كليهما وهو الأغلب وبعد هذه الإلفاتة نجد أن التعريفين المشار إليهما لايضمّان إلابعض أفراد التاريخ وشقوقه ولا يعدان جامعين مانعين.

والتعريف الأول هو الآخر لا يصمد في وجه التحقيق العلمي لأحد أمرين:

(الأوّل) أنه خصّه بما دُوِّنَ بين دفتي كتاب وهو أشبه شيء بخرط القتاد لأن التاريخ ككل إنما هو وقائع وأحداث جرت رحاها على ساحة الواقع والحياة ثم عرض لبعضها التدوين فالتاريخ في الأصل والحقيقة عبارة عن أصل تلك الأحداث والوقائع والظواهر بماهي هي لا بما هي مدونة أو مكتوبة في سجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت